نموذج الحب والحرب

أرحب بكل نقد أو استفسار

نموذج الحب والحرب

أرحب بكل نقد أو استفسار

عالم السياسة والاقتصاد والقانون

هذه المدونة تعبر عن الكثير من الأبحاث التي قدمتها

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الجمعة، 21 مايو، 2010

الوحدة الوطنية في العراق في عهد صدام حسين ج3

حرب الخليج الثالثة والحكومات العراقية
في ظل الوجود الأجنبي
قامت حرب الخليج الثالثة في مارس 2003، بين الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا، ضد النظام العراقي لإسقاطه، وإقامة حكومات عراقية جديدة تحظى بتأييدها، لكن لم يكن قيام هذه الحرب، إلا من خلال استغلال الولايات المتحدة لتناقضات المجتمع العراقي التي ذكرناها في المبحثين السابقين، من ضعف في الوحدة الوطنية، مما أتاح المجال لاستقطاب المعارضة العراقية في الخارج، وتوجيهها بما يخدم تطلعات الولايات المتحدة وأهدافها في المنطقة، بإقامة شرق أوسط كبير، وإعادة تقسيم المنطقة بما يتلائم مع الاستراتيجية الجديدة لها، بإقامة كانتونات طائفية وعرقية، واستغلال مباشر لثروات المنطقة وخصوصاً السلعة الأكثر استراتيجية في العالم وهي النفط، بغية استمرار تحكمها في الدول الأخرى من خلال شركاتها النفطية حيث تمتلك معظم أسهم الشركات النفطية المسماة (الشقيقات السبع)، إلا أن ذلك ما كان يمكن أن تحدثه الولايات المتحدة من هزيمة مباشرة وسريعة للعراق، ومن دون خسائر بشرية أو مادية تذكر، لولا التعاون المباشر لقواتها مع المعارضة العراقية في الداخل والخارج، واستغلالها لتناقضات المجتمع العراقي؟ فما هي الأسباب التي أدت إلى سقوط النظام العراقي والحزب الحاكم في العراق، بهذه السهولة وهذه السرعة؟ وهل استطاعت حكومات ما بعد احتلال العراق، تحقيق الوحدة الوطنية في العراق، والتعامل الرشيد مع الواقع العراقي الجديد وتناقضاته؟ وما هو مصير حزب البعث بعد أن فقد السلطة والحكم في العراق؟ هذا ما سيبينه لنا هذا المبحث، الذي سيبحث عن الوحدة الوطنية في العراق في ظل حرب الخليج الثالثة 2003، والنظام السياسي الذي ساد بعد الاحتلال الأمريكي الغربي للعراق، مع الإشارة إلى حكومات كل من إياد علاوي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي، ومدى استطاعتها لتحقيق الوحدة الوطنية، من خلال محددات الدراسة، التي أشارت إلى الوحدة الوطنية.
أولاً: احترام ووحدة البلاد ولغتها الرسمية
مع وقوع الحرب واحتلال العراق عام 2003، تصاعد الدور الإيراني في الحياة السياسية والمجتمعية في العراق المحتل، وأصبحت إيران من خلال أيديولوجيتها الدينية المذهبية الشيعية من اللاعبين الأساسيين، بفضل صلاتها بالحزبين الرئيسيين الشيعيين في العراق وهما حزب الدعوة الإسلامية ، وحزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، الذين سيطرا على الأماكن المقدسة الشيعية في العراق، التي طالما خضعت قبل ذلك للسنة، وتقيدت سلوكيات محدودة بالنسبة للمضمون الخاص لمذهبهم وشعائرهم، لكن بعد أن تم سيطرتهم على الأماكن المقدسة، أقاموا جميع الشعائر الشيعية التي كانوا محرومين من أدائها، خاصة بعد أن أعلن الدستور العراقي المؤقت أن الإسلام ديناً رسمياً للدولة ومصدراً للتشريع ، وأنه سيحترم الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، وسيضمن حرية الأفراد في العقيدة والممارسة الدينية، وأن للدولة هوية ثنائية عربية وكردية، وأن مبدأ الفيدرالية مبدأ أساسي في الدستور واللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب العربية، والحق في دمج قوات البيش ماركة في الجيش، وحق النقض في الاستفتاء على الدستور الدائم وحق النقض في مجلس الرئاسة بعد أن ضغط الحزبيين الكرديين الرئيسيين في مجلس الحكم الانتقالي العراقي الذي أقامه الحاكم المدني للعراق بعد الاحتلال (بول بريمر)( ).
لكن في مواجهة موضوع الفيدرالية الذي دعى إليه الأكراد، قام البعض بالدعوة لمشروع يرتكز على محورين هما( ):
1- إنشاء جماعة علماء المسلمين في العراق، تتسم بأنها موحدة وتضم العلماء المسلمين من كل القوميات العراقية وطوائفها.
2- قيام المجلس التأسيسي العراقي الذي يمثل كافة شرائح الشعب العراقي على أساس وطني جامع، وليس على أساس المحاصصة الطائفية أو العرقية أو العشائرية ؛ بحيث يستطيع هذا المجلس أن يقوم بإدارة الصراع مع الاحتلال حتى يتحقق الاستقلال.
وبسبب ما وقع للأقلية التركمانية في العراق بعد دخول الأكراد مدينتي الموصل وكركوك منذ الأيام الأولى لسقوط بغداد، من قتل وتشريد واضطهاد تدخلت تركيا بشكل أكبر من ذي قبل، وأخذت تطالب بمنح تركمان العراق منطقة كركوك، وأن لهم حقوقاً ثقافية يجب احترامها، وأن يكون لهم منطقة حكم ذاتي خاصة بهم، وأن لا يكونوا تابعين لمنطقة الحكم الذاتي للأكراد، وكان المقصود من ذلك جعل تركمان العراق جيشاً تركياً داخل العراق، بعد أن رفض مجلس الحكم الانتقالي أن يكون أياً من التركمان عضواً في مجلس الحكم الانتقالي بينما حصل الأكراد على أربعة مقاعد( ).
لم يدرك الأكراد أن رفض الشعب العراقي والأحزاب العراقية السنية والشيعية إعطاء الأكراد حق تقرير المصير الذي أخذ الأكراد يطالبون به، مدَّعين أن نسبتهم تصل إلى ربع سكان العراق، وكان السبب في هذا الرفض هو أن دولاً أخرى ستتدخل بناءاً على أنهم موجودين في دول أخرى، وهذا ما سيؤدي إلى تهديد الأمن القومي العربي والعراقي، وأن المبدأ الأساسي الذي يجب أن يسود هو أن يكون أي مواطن عراقي مهما كانت قوميته ودينه ومذهبه متساوياً في الحقوق والوجبات، ولا مانع أن يكون رئيس الجمهورية كردياً، أو شيعياً عربياً أو سنياً عربياً، أو تركمانياً، إذا توافرت فيه المؤهلات اللازمة لقيادة الدولة إلا أن الأكراد من حزبيهم البارتي والاتحاد الوطني، عملا كل جهدهما على استغلال الوجود الأمريكي في العراق، وضغطا للتدخل في الدستور العراقي الجديد الذي ظهر في ظل الاحتلال، ليسقطا المادة التي تقول أن العراق هو جزء من الأمة العربية، وليضعا مادة أخرى في الدستور المؤقت، من أن العراق فيه قوميتين رئيسيتين عربية وكردية، وأن الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية وليس الشعب العراقي كله، وأخذا يطالبان أيضاً بمدينة كركوك على أساس أن إحصائيات العراق في عام 1957 جعلتهم 33.3% ، بينما التركمان 37.6%، والعرب 22.5% ، بينما بلغت نسبة الأكراد في لواء كركوك ككل 48.2%، ونسبة العرب والتركمان مجتمعين 49.6% ،حيث رأى الأكراد أنهم أكثر الفئات في كركوك، وبالتالي فيجب أن تكون كركوك ضمت إطار كردستان العراق، رغم أن الأكراد لم يشكلوا خلال هذه الإحصائيات أكثرية، كما أخذوا يطالبون بلواء الموصل رغم أن العرب يشكلون فيه 44.1% بينما الأكراد 39.2 ، أما نسبتهم في مدينة الموصل فهي 3.4% فقط ، ونسبة العرب 94.7%، لكن ضغوط الأكراد من أجل إقامة حكم ذاتي خاص فيها يكون أقرب إلى الانفصال من الفيدرالية المتعارف عليها، مما أثار الأحزاب الأخرى سواء الأيديولوجية الشيعية أو القومية العربية، بعد أن أصبحت الصحيفة الرسمية الجديدة للعراق (الوقائع العراقية) تصدر باللغتين العربية والكردية، وأصبح التحدث والمخاطبة والتعبير في المجالات الرسمية في الجمعية الوطنية العراقية أو الكردية ، بكلا اللغتين ، رغم أنهم فرضوا أن تكون اللغة في كردستان باللغة الكردية فقط، كما تم إعطاء القانون للمحافظات الكردية الثلاث ما يشبه حق الفيتو للاعتراض على نتائج الاستفتاء حول مسودة الدستور الدائم، وهذا يعني إعطاء الحق لثلثي الناخبين في محافظات السليمانية وأربيل ودهوك وإلغاء نتيجة الاستفتاء على دستور دائم حتى لو وافقت أغلبية الشعب العراقي، وبالتالي فهذا يعني إعطاء الحق للأقلية للسيطرة على قرار الأغلبية ، وهذا لا ينسجم مع أسس الديمقراطية، زد على ذلك أصبح الاعتراف في الوثائق الرسمية بها، ومبدأ المساواة يسري على فتح المدارس، وطبع الأوراق النقدية، وإصدار جوازات السفر باللغتين، وهذا لم يحصل في كل دول العالم، حيث أنه من المتعارف عليه أن تكون إحدى اللغتين العالميتين الإنكليزية أو الفرنسية على العملة أو الجواز، لأنها لغة أجنبية عالمية مع لغة رسمية محلية واحدة( ).
في هذه الأثناء اشتد الصراع بين التركمان اللذين تدعمهم تركيا، والأكراد الذين تدعمهم الولايات المتحدة، لذلك في إطار استراتيجية الأكراد للحيولة دون استقلال الفئات العراقية الأخرى للتناقضات في منطقة كردستان العراق، عمل حزبي البارتي والاتحاد الوطني على التنسيق بينهما ، وأن يستقطبا التركمان إلى جانبهم للمطالبة باستقلال المنطقة الشمالية من خلال إطار فيدرالي أقرب للانفصال عن جسم العراق، فاجتمع رئيس حزب الاتحاد (جلال الطلباني) الذي أصبح ضمن أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، مع زعيم الحزب الوطني التركماني (مظفر أرسلان) للموافقة على انضمامه للجبهة الكردية، والتعاون والتنسيق بين الأكراد والتركمان في مقابل أن يعترف الأكراد بحقوق التركمان المشروعة، والسماح لم بتحريك قواتهم المسلحة في المنطقة الشمالية، بعد أن قام الأكراد قبل ذلك بحرق كافة السجلات الرسمية المتعلقة بالسكان والحيازات الزراعية والعقارية في المناطق التي يسكنها التركمان، وعلى هذا الأساس طالب التركمان بالأمور التالية( ):
1- إقرار الضمانات الدستورية لكافة التركمان في العراق مع استعادتهم لكافة الحقوق الثقافية المقررة لهم، بموجب إعلان الحكومة العراقية الصادرة في 24 يناير 1970، وتمثيلهم سياسياً بما يتناسب مع نسبتهم العددية.
2- توزيع حصة عادلة من الأراضي الزراعية عليهم في إطار قانون الإصلاح الزراعي.
3- وضع حد لإبعادهم عن المناطق التركمانية في العراق.
وأن يتعهد التركمان بعدم المطالبة بالحكم الذاتي، لأنهم لا يشكلون أغلبية في كل المدن المتواجدين فيها، ولن تكون لهم مقاومة أو حركات تمرد، إلا أن ارتباطهم بتركيا ذات المطامع القديمة في العراق، يشكك في ولائهم للأكراد، أو للدولة العراقية.
لكن هذا الاتفاق لم يلق قبولاً من بقية التيارات السياسية التي ظهرت على الساحة السياسية للعراق بعد الاحتلال، وأهمها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وحزب الدعوة الإسلامية، وحزب المؤتمر الوطني العراقي، وجبهة التحرير العراقي، والحوزة العلمية في النجف برئاسة المرجع علي السيستاني، وتيار الصدر ومنظمات العمل الإسلامي ومؤسسة الخوئي، وأكثر ما أضعف هذا الاتفاق، هو زيادة قوة الحوزة الشيعية بقيادة المرجع علي السيستاني، الذي رفض الاحتلال إلا أنه لم يدع للتصدي له أو للتعاون معه في نفس الوقت، فقد رأى الحياد بين الاحتلال، وأعضاء النظام العراقي السابق، ولم يدع للانتقام مع البعثيين، لكنه رغم ذلك عمل على تأييد الانتخابات العراقية والدعوة للاشتراك فيها، وهذا مما كان له تأثيره المباشر في فوز الشيعة بالأغلبية البرلمانية في ديسمبر 2005( ).
أيضاً كان التيار الصدري ذو التأييد الواسع في الجنوب والوسط وخاصة في مدينة الثورة، التي كان النظام السابق قد غيَّر اسمها إلى مدينة (صدام) ، ثم تحولت بعد الاحتلال إلى مدينة الصدر، فقد أكد هذا التيار على الدور الريادي للدين في العملية السياسية وفي أي اتفاق سياسي بين الأطراف في العملية السياسية ، وكان تأييد هذا التيار لزعيمه (مقتدى الصدر) ، نابع من كونه أنه سليل آل الصدر ذوي المرجعية القديمة في التاريخ العراقي، وهذا ما جعل (مقتدى الصدر) شديد الحرص على الانتقام من رموز النظام السابق، أو كل من يمت لهم بصلة، إضافة لعدم تأييده للوجود الأمريكي، كون الولايات المتحدة قد ورَّطت (أباه) المرجع محمد صادق الصدر بالثورة على النظام عام 1991، ثم تخلت عنه، وقد سيطر الصدر بقواته على معظم مناطق الجنوب، وهيمن على الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية فيها، كما سعى للسيطرة على عائدات المراقد الشيعية في الجنوب، وهذا ما جعله يصطدم مع الحوزة في النجف إضافة إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، من خلال جيشه الذي سماه (جيش المهدي)، ثم فرضه الحجاب على النساء، وتحريمه لدور السينما والمسرح ومحلات بيع أشرطة الفيديو، وشكل مجموعة من المؤسسات الدينية والجمعيات الخيرية، لكن معاداته للحوزة أثارت الكثير من الشيعة ضده ، خاصة بعد حصاره لبيت السيستاني في النجف في إبريل 2004( ).
كما رفض حزب الدعوة الإسلامية مبدأ الفيدرالية واعتبرها أنها مقدمة لتقسيم العراق، وكانت قد توترت علاقته مع حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، بعد أن طرح حزب المجلس الأعلى نفسه في مؤتمر لندن في ديسمبر 2002 ، أنه الممثل الوحيد للشيعة في العراق بعد سقوط النظام، بالرغم من أن هذا الحزب ذو ميول إيرانية، ويهدف لتحقيق مصالح إيران في العراق، والدليل على ذلك تعاونه الدائم مع سلطات الاحتلال، فحزب الدعوة هو التيار الأكثر عروبية وهوية عراقية من حزب المجلس الأعلى ؛ لإدراكه أن شيعة العراق يختلفون عن شيعة إيران، من خلال أنهم متمسكون بولائهم الوطني وهويتهم الثقافية في أن واحد، وبسبب الخلافات بين حزب الدعوة المؤيد للتيار الصدري، من جهة وبين حزب المجلس الأعلى من جهة أخرى ، مما حذا بالتيار الصدري إلى اغتيال زعيم حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (محمد باقر الحكيم) ، بسبب امتلاكه لقوات عسكرية مسلحة هي جيش المهدي، لكن يرى البعض أن من اغتيال الحكيم هو الولايات المتحدة بعد أن رفض الحكيم تصفية الجناح العسكري لحزبه وهو فيلق بدر، كما رفضت الأحزاب العلمانية الشيعية الممثلة خصوصاً بحزبي المؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد الجلبي، وحركة الوفاق الوطني بقيادة إياد علاوي، الدعوات الأيديولوجية لتدخل المرجعيات الشيعية والتيارات الحزبية الأيديولوجية لتدخل المرجعيات الشيعية والتيارات الحزبية الأيديولوجية في العملية السياسية ؛ إلا أن رئيس حزب المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي، وافق على الفيدرالية بل وأيَّد إقامة إقليم شيعي، في الجنوب على غرار الإقليم الكردي في الشمال، وتقسيم العراق فيدرالياً إلى ثلاثة أقاليم كردي في الشمال، وسني في الوسط، وشيعي في الجنوب، وقد برر دعوته هذه على اعتبار أن إقليم الجنوب سيؤمن تسعين بالمائة من موارد الدولة، مما حذا ببعض الأحزاب الشيعية الأيديولوجية مثل (المجلس الأعلى، الدعوة، المستقلين، الحوزة) إلى تأييد الجلبي على دعوته، وعلى هذا الأساس تشكل تحالف شيعي ديني وعلماني سمي الائتلاف العراقي الموحد لخوض الانتخابات عام 2005، ونادى بإقامة حكم ذاتي في إطار فيدرالي، وأكَّد بيان هذا المؤتمر ضرورة تشكيل لجنة أمنية مشتركة ومجلس إدارة موحد لتفعيل إجراءات التكامل الاقتصادي في المنطقة، وهذا يعني أن وجهة النظر الشيعية قد توافقت مع وجهة النظر الكردية في إقامة الفيدرالية في العراق، وعلى هذا الأساس كان التحالف الشيعي الكردي، في المؤتمر الوطني، حيث فاز الائتلاف الشيعي بنسبة واحد وأربعين بالمائة، وهذه النسبة هي أقل من الثلثين، وبالتالي فلم يستطع هذا الائتلاف تشكيل الحكومة لوحده، لذلك عمل على التحالف مع القائمة الكردية، التي نالت ست وعشرين بالمائة، وتم اختيار إبراهيم الجعفري رئيساً للحكومة، الذي أعطى معظم الوزارات السيادية كالنفط والداخلية والصحة والعدل والأمن الوطني والنقل لصالح الائتلاف العراقي الموحد( ).
لكن رأت القائمة الشيعية في برنامجها الانتخابي قبل فوزها في انتخابات ديسمبر 2005، أن إقامة الفيدرالية في الجنوب والوسط لابد أن يتم على غرار ما هو معمول به في المنطقة الشمالية، وأن يتم فتح المجال واسعاً أمام تدخل الدين في السياسة مع تفعيل لقانون اجتثاث البعث، وأن يتم التنسيق بين المحافظات الشيعية الجنوبية التسعة، حول الخطة الأمنية الموحدة، وأن تكون النجف هي عاصمة الإقليم، لكن التيار الصدري رفض مبدأ الفيدرالية على أساس أنها تخالف ميثاق الشرف الوطني الذي دعى إليه، ووقعت عليه جميع الأحزاب، إضافة لإعلانه ضرورة عدم التعامل مع المستشارين الأمريكيين، حيث فُرض على كل وزير عراقي مستشار أمريكي يتدخل به( ).
وبسبب تدخل الحوزة والأحزاب الشيعية في حكومة الجعفري، وتفاقم المليشيات الشيعية للأحزاب الشيعية، والمشاورات بين الجعفري والسيستاني في أمور سياسية كثيرة، استاءت التيارات العلمانية والعروبية والسنية والكردية، ضد حكومة الجعفري التي حذت نحو الطائفية، لذلك رأى السفير العراقي (زلماي خليل زادة) أنه من الضروري لتكون هذه الحكومة حيادية ألا تخضع للملشيات المسلحة، لذلك فمن الواجب حل هذه المليشيات، ومنع الشيعة من تسلم وزارتي الداخلية والدفاع بسبب طائفية الحكومة التي من الممكن أن تستغل هاتين الوزارتين لمصالح طائفية، لكن مما أثار الائتلاف الشيعي ضد الأحزاب الكردية، أنها أخذت تهدد بالانفصال عن جسم العراق، كما أن قانون إدارة الدولة (الدستور العراقي المؤقت) لم يحدد عدد القوات التي ستستمر بالتواجد في كردستان، كما اختلف حول وضع مدينة كركوك، هل ستنضم لكردستان العراق ؟ أم ستنضم للدولة العراقية المركزية؟ خاصة أن الأكراد أخذوا يدَّعون أن النظام السابق قام بتفريغها وتهجير سكانها الأكراد، لكن رفض الائتلاف الشيعي ذلك مؤكداً على عروبة كركوك؟ إلا أن الطرفان الشيعي والكردي، اتفقا على التوزيع العادل للثروات العراقية، وعلى التمتع بحق الفيتو والحق في حل الحكومة إذا اختلف إحدهما مع الآخر ، وأن يقيما عراقاً موحداً وديمقراطياً وفيدرالي، وتعددياَّ، ودمج المليشيات المسلحة الكردية والشيعية وسحب الجيش العراقي وقوات الأمن، وبناءاً على ذلك تبوء الائتلاف الشيعي (17) وزيراً ، أما التحالف الكردي فتبوء فثمانية وزراء، أما الأحزاب الأخرى فسبعة مقاعد، وجرى توزيع السلطة على أساس أن يكون رئيس الجمهورية سنياً، ورئيس الوزراء شيعياً ، ورئيس الجمعية الوطنية من السنة، لكن لم يحدد القانون أن رئيس الجمهورية السني، كردياً أم عربياً، كما لم يحدد رئيس الجمعية الوطنية هل هو عربياً أم كردياً أيضاً، وبناءاً على ذلك كان رئيس الجمهورية جلال الطلباني وهو سني كردي، ورئيس الجمعية الوطنية عربي سني ، لكن ما لبث أن اختلف الأكراد والشيعة بعد اتهام الأكراد لحكومة الجعفري بالفساد، واحتكار السلطة، والفشل في حل قضية كركوك، كما تم الاصطدام بين رئيس الجمهورية جلال الطلباني، ورئيس وزرائه إبراهيم الجعفري على من تكون له الكلمة العليا في العراق، ومن سيمثل العراق في القمة السنوية للأمم المتحدة، لذلك اتجه الأكراد السنة، للتحالف مع جبهة التوافق السنية والعلمانيين، وترشيح رئيس وزراء أخر ، كما اختلف الاثنان على من يتولى حقيبة النفط( ).
أما عن دور السنة الذين كانوا في الحكم قبل الاحتلال، فقد قلَّ دورهم السياسي في العراق، فمنذ تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، بدأت التوترات بين السنة والشيعة، حيث رأت هيئة علماء المسلمين السنية، التي تشكلت بعد الاحتلال لتمثيل السنة العرب، أن هذا المجلس قد قام على أسس طائفية وعرقية، وأن السنة يشكلون أكثر من نصف عدد السكان في العراق، رغم أن هذا المجلس قد أعطى الشيعة صفة الأغلبية، كما رفض السنة مسودة الدستور الدائم الذي أشار إليه قانون إدارة الدولة في مادته الواحد والستين، على أن تقوم بكتابته الجمعية الوطنية المنتخبة في موعد أقصاه 2005، وأن تعرض هذه المسودة على الشعب للاستفتاء عليها، حيث حدد القانون أن أي اعتراض من ثلاث محافظات على المسودة سيلغي الدستور، وقد كان رفض السنة لمسودة الدستور بسبب عدة أمور أهمها:
1- الفيدرالية تمهد لقيام إقليم في جنوب العراق ذو نزعة مذهبية وتحت النفوذ الإيراني.
2- ضرورة عدم حظر النشاط السياسي لحزب البعث العربي الاشتراكي.
3- إن توزيع الثروة النفطية وفق هذه الفيدرالية سيجعل الثروات النفطية تتركز في الشمال والجنوب حيث آبار النفط( ).
وبناء على تلك المادة هدد السنة باستخدام المادة المذكورة للاعتراض على مسودة الدستور، مما حذا بسلطة الائتلاف، وبعض الأحزاب والحركات السياسية لإجراء مفاوضات من أجل موافقة السنة ، فتم إدراج فقرة في مسودة الدستور تؤكد على أن تقوم الجمعية الوطنية بتشكيل لجنة من أعضاءها المنتخبين، بحيث يكونوا ممثلين لجميع أطياف الشعب العراقي، ويقدمون توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراءها على الدستور وعرضها على الشعب العراقي في استفتاء عام خلال شهرين من تاريخ موافقة مجلس النواب العراقي على التعديلات، وعليه فقد جرى الاستفتاء في موعده الأساسي وبنسبة 79% ثم عقد مجلس النواب أولى جلساته بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات في 16 مارس 2006، وتشكلت حكومة دائمة بعد انتهاء حكومة إياد علاوي، وكما ذكر سابقاً سمي إبراهيم الجعفري رئيساً لتلك الحكومة، لكن وجود الجعفري قد آثار السنة العرب؛ إضافة للأكراد ، الذين رؤوا أنه ينفرد بالقرارات، وأنه يحابي أعضاء حزبه (الدعوة) من خلال إعطائه إياهم للوزارات السيادية مثل النفط والداخلية والمالية، وأنهم ذوي ميول طائفية مذهبية( ).
كما عملت جبهة التوافق السنية على الدعوة لتعديل الدستور الدائم، بعد استفتاء الشعب عليه، وموافقته له، وقد كانت أهم هذه التعديلات هي إلغاء موضوع الفيدرالية، وإلغاء قانون إجتثاث البعث، الذي وضعه الحاكم المدني الأمريكي للعراق، قبل ذلك، وضرورة توزيع الثروات على كل مناطق العراق، في ظل دعوات الائتلاف الشيعي لإقامة نظام فيدرالي في الجنوب والسعي لاستمرار قانون إجتثاث البعث، والإصرار على الاختصاص بالوزارات الأمنية والمليشيات الشيعية المسلحة، كما أخذ التحالف الكردي يطالب بضرورة توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية (جلال الطلباني) بغية أن يعمل على توطيد سلطته وأن يتولى الرئاسة مرة أخرى والاحتفاظ بحقائب معينة مثل وزارة الخارجية( ).
لكن رغم ذلك ظهرت الخلافات البينية بين هذه الفئات فكانت الخلافات الشيعية الشيعية، بسبب ارتباط الوزارات والإدارات الشيعية بمرجعيات دينية مختلفة التوجهات ، من ناحية نظرتها إلى موضوعات مهمة في العراق، كعلاقة الدين في الدولة، والخلافة مع إيران، وموضوع الفيدرالية، وموضوع كركوك، كما ظهرت الخلافات السنية السنية، بسبب خلافاتها حول الدستور، أيضاً ظهرت خلافات كردية كردية، حول توزيع الموارد الإقليمية بين الحزبين الرئيسيين، إضافة إلى ذلك حدثت خلافات حول المناصب بين الفئات المختلفة، فكانت الخلافات حول تسمية رئيس الحكومة، كما أعلن حزب الفضيلة انسحابه من حكومة المالكي ؛ بسبب فشله في الحصول على حقيبتي النفط والتجارة، كما ضغطت جبهة التوافق من أجل أن يكون وزير الخارجية عربياً وليس كردياً، على اعتبار أن الأكراد حصلوا على منصب الرئاسة، فتم تسوية المشكلة باستحداث وزارة الدولة للشؤون الخارجية من خلال شخصية عربية تابعة لجبهة التوافق، وأن يكون نائب رئيس الجمهورية سنياً وهو طارق الهاشمي، من جبهة التوافق أيضاً، مع أخر شيعي عربي أما رئيس الوزراء فتم تسمية نوري المالكي وهو شيعي، وله نائبان، عربي سني من جبهة التوافق، وأخر كردي سني، أما رئيس مجلس النواب فهو عربي سني وهو (محمود المشهداني) وهو أيضاً من جبهة التوافق، مع نائبين إحداهما عربي شيعي، والآخر سني كردي، وقد تم إقرار هذا الاتفاق في 22 إبريل 2006، كما تولى وزارة الدفاع شخصية عربية من جبهة التوافق بينما الداخلية والأمن الوطني فشخصيتين شيعيتين( ).
وحول قضية كركوك فقد أكدت المادة (140) من الدستور العراقي الدائم أنَّ على الحكومة العراقية ، إنجاز كامل متطلبات تطبيع أوضاع مدينة كركوك، وتحديد إرادة مواطنيها من خلال إجراء استفتاء لمواطني المدينة في مدة أقصاها الثلاثين من ديسمبر 2007، ورغم موافقة مجلس النواب العراقي على تشكيل لجنة سميت اللجنة العليا لتطبيق المادة (140) من الدستور ، واتخذت اللجنة قراراً بتاريخ الرابع من فبراير 2007، ينص على إعادة العرب الوافدين إلى كركوك من وسط وجنوب العراق إلى مناطقهم الأصلية مع منحهم تعويضات مالية تقدر بعشرين مليون دولار أي ما يعادل (12) ألف دولار لكل عائلة، من العوائل البالغ عددها سبعة ألاف عائلة، كما صادقت الحكومة في 30 أبريل 2007 على قرارات اللجنة بعد إجراء بعض التعديلات التي تعطي الحق للعرب في حرية الاختيار بين البقاء في كركوك أو مغادرتها ؛ شريطة عدم مشاركتهم في التصويت حول مستقبل المدينة الذي جرى في نهاية أكتوبر 2007 ، ورغم ترحيب الأكراد بذلك القرار، إلا أن القوى العربية والتركمانية شجبت القرار، حيث أتهم التركمان، الأكراد بأنهم يعملون على تغيير ديمغرافية المدينة من خلال توطين عائلات كردية من محافظات أخرى، بينما اعتبرهم الأكراد أنهم من السكان الأصليين الذين نزحوا زمن النظام السابق قسراً، بعد أن جلب النظام السابق عوائل عربية مكانها بهدف تغيير ديمغرافيتها لصالح العرب والتركمان، كما رفض الائتلاف العراقي الموحد هذا القرار واعتبره يتناقض مع مبادئ الدستور العراقي الذي يعطي الحق للسكان العراقيين أياً كانوا في السكن في أي محافظة من محافظات العراق، كما نددت جبهة التوافق بالقرار، واعتبرته مقدمة لحرب اثنية بين العرب والأكراد، وعقد أكثر من ألف شخصيته عراقية تمثل مختلف الاتجاهات السياسية مؤتمرها الرابع في كركوك في الرابع من فبراير 2007 تحت شعار (عراقية كركوك ووحدة العراق)، وأكد المجتمعون رفضهم لإلحاق كركوك بإقليم كردستان العراق، منطلقين من مبدأ أن الدستور العراقي الدائم ينص على أن ثروات العراق ملك للجميع، وأن حصة الأكراد مضمونة من ثروات العراق، وضرورة التعامل بروح التسامح والتصالح والثقافة المدنية، وأن تعديل المادة (140) من الدستور ضرورة وطنية، وضرورة عرضها باستفتاء على الشعب لإقرارها أو رفضها، إلا أن الحزبين الكرديين الرئيسيين رفضا هذه المطالب، إضافة إلى أنهم اقترحوا قانون آخر سمي قانون تشكيل الأقاليم الذي لو تمت الموافقة عليه ؛ سيؤدي لتكريس الفيدرالية في العراق، ولكن بشكل آخر، بحيث إذا جرى اختلاف بين سلطة الإقليم والسلطة الاتحادية المركزية فسيخضع القانون الاتحادي للقانون المدني أو قانون الإقليم، ومن حق كل إقليم أن يفتح مكتب في الممثليات والسفارات العراقية في الخارج لمتابعة شؤونه الإنمائية والاجتماعية والثقافية، وفي إطار الثروات فإن الثروات الطبيعية غير المستخرجة تكون ملكاً للإقليم، أما الثروات المستخرجة حالياً مثل النفط فتدار من قبل السلطات الاتحادية بالتعاون مع سلطة الإقليم، لكن رفض حزب المجلس الأعلى للثروة الإسلامية في العراق، وكل من الأحزاب السنية والشيعية، حيث وصل عدد الذين قبلوا به من الأكراد وبعض المستقلين إضافة إلى بعض الأحزاب الأخرى 138 عضو من أصل 275، أي أقل من الثلثين، وعلى هذا الأساس تم رفض هذا الاقتراح، الذي يعتبر ضد الوحدة الوطنية ويدخل في إطار استراتيجية تقسيم العراق التي تسعى إليها بعض القوى الغير مدركة لأخطارها( ).
وبناء عليه فقد انقسمت الكتل العراقية إلى اتجاهين حول الفيدرالية هما:
1- الاتجاه الأول تمثله الأحزاب الكردية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يدعو للفيدرالية بناءاً على الاقتراح الآنف الذكر.
2- الاتجاه الثاني يؤيد الفيدرالية بشرط وجود دولة قوية قادرة على ضبط الأوضاع في البلد مثل جبهة التوافق، والقائمة العراقية، وحزب الدعوة، والتيار الصدري.
وقد أكدت المادة 111 من الدستور العراقي الدائم، على ملكية الشعب العراقي بكل فئاته ، للنفط والغاز في العراق، وشكلت لجنة النفط والطاقة في الحكومة العراقية من ثلاث خبراء عراقيين لكتابة مسودة قانون النفط والغاز، وقدمت مسودة الدستور في بداية عام 2007، وقد وافق مجلس النواب العراقي عليها بعد شهر من تقديمها ، إلا أن الأكراد اعترضوا على مسودة القانون، مما أدى إلى إعادة مناقشتها من قبل إقليم كردستان والحكومة المركزية، دون أي تمثيل من قبل الإدارة المحلية للمحافظات الجنوبية التي يشكل احتياطي النفط فيها أكثر من 70% ، كما أن إنتاج النفط العراقي يأتي منها حصراً، وقد كان اعتراض الأكراد يقوم على أن كل الواردات النفطية خاضعة للتوزيع على كل أبناء الشعب العراقي، وأن الحكومة المركزية هي الجهة المخولة بإدارة هذه الموارد وتوزيع وارداتها على الجميع كونها تمثل الشعب العراقي، حيث رأى الأكراد أن القانون يستند إلى المواد (110-112-114-115)، دون التطرق للمادة (111) وبعد مفاوضات بينهم وبين الحكومة المركزية، تم إجراء بعض التعديلات في بداية يوليو 2007 بغياب ثلاثة عشر وزيراً يمثلون جبهة التوافق والتيار الصدري، اللذين رفضا أي تنازلات لصالح الأكراد، لكن ضغط الإدارة الكردية والوزراء الأكراد في الحكومة المركزية جعلها تقر بتخصيص سبعة عشرة بالمائة من واردات النفط العراقي لإقليم كردستان على أساس سدس دخل العراق من الطاقة ، ورغم كل هذه التنازلات من جانب الحكومة المركزية العراقية، إلا أن حكومة إقليم كردستان أصبحت تقوم بتوقيع عقود مع شركات أجنبية للاستثمار في الإقليم، بدون المصادقة عليها في مجلس النواب العراقي، رغم تشكيل الحكومة المركزية العراقية، التي أكدت أن المجلس الاتحادي للنفط والغاز الموكل إليه النظر في عقود الاستثمارات النفطية في كل أنحاء العراق، إلا أن الحكومة الإقليمية تجاهلت ذلك( ).
لقد زرع وجود الاحتلال في العراق بذور الطائفية بشكل سافر ، فمنذ سقوط النظام العراقي عام 2003 ، وتشكيل مجلس الحكم الانتقالي من قبل السفير الأمريكي بول بريمر ظهرت المحاصصة الطائفية بين الأعراق والطوائف، التي كانت ترى أنها مهمشة في ظل النظام السابق، وهذا ما انعكس بعد ذلك على الحكومات العراقية التي جاءت بعد ذلك، مما أضعف الوحدة الوطنية في العراق فقد كان تخصيص ثلاثة عشرة مقعداً للشيعة في مجلس الحكم الانتقالي في البداية، مقابل إثنى عشر مقعداً لبقية فئات الشعب العراقي، قد أثار السنة في العراق، الذين رؤوا أن تشكيل المجلس قد قسَّم الشعب العراقي طائفياً، وأعطى الشيعة صفة الأغلبية دون استفتاء دقيق، وأن السنة بفئاتهم المختلفة عرباً وأكراداً وتركماناً، يشكلون أكثر من خمسين بالمائة وفقاً لبعض الإحصاءات، وإن هذا سيولد الشعور بالظلم والتهميش والتنافس بين فئات الشعب العراقي وسيدفع قادة الفعاليات الطائفية والعرقية في البلاد إلى استعراض قوتها سواءاً بقوة السلاح أم من خلال كثافتها العددية، كما كان قانون اجتثاث البعث قد أثار السنة أيضًا ؛ لأنهم رؤوه أنه موجه لاستبعادهم كون الكثير منهم من إداريي ومسؤولي الدولة الذين كانوا في حزب البعث، مما زاد من الاحتقان الطائفي بينهم وبين الشيعة، وأدى لحدوث تحالفات سنية وأخرى شيعية، وقد ظهرت هذه التحالفات في انتخابات 15 ديسمبر 2005 وأدت إلى تقسيم الشعب العراقي إلى كتل سنية وشيعية وكردية ، فمثل السنة جبهة التوافق ومثل الشيعة كتلة الائتلاف العراقي، ومثل الأكراد التحالف الكردي، وتم تشكيل أول حكومة وهي حكومة (إياد علاوي) على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية، وامتدت هذه الظاهرة لتشمل جميع مكونات ومؤسسات الدولة العراقية، فظهرت ثقافة عرقية طائفية للكتل الشعبية المؤيدة لأي من هذه الكتل، من خلال تثقيف هذه الكتل لهذه الجماهير عبر القنوات الفضائية التابعة لها، فظهر خطاب للشيعة وآخر للسنة، أو الأكراد وغاب الخطاب العراقي الوطني، فأصبحت هذه الكتل تعمل على تعريف ذاتها بعيداً عن فكرة المواطنة وقبول الآخر، وكان من المؤثرات السياسية الدراماتيكية هو مشهد إعدام الرئيس العراقي في يوم عيد الأضحى عام 2006، حيث جرى تسويق هذا الحدث كما لو أنه كان انتصاراً سياسياً للشيعة والأكراد ، في مقابل الطرف السني، دون أي اعتبار لمشاعرهم( ).
وحول الدعوات الفيدرالية التي طالبت فيها بعض الفئات العراقية، فقد دافع عنها البعض على أساس أنها الشكل الأكثر ملائمة لتعايش مكونات الشعب العراقي، وأداة فعالة لتضيق فجوة التنمية المعدومة في بعض المناطق، وإحداث وتائر متسارعة لها، قارنين بين التوجه العالمي نحو اللامركزية كوسيلة للتنمية البشرية وبين الموروث السياسي العراقي التي حوَّل مركزية الدولة إلى أداة لسيطرة مناطق معينة، وهذا مما أشعر المحافظات بالحيف والظلم والقهر والتغييب، وجعلهم متطلعين لفرصة الإنفكاك عن سيطرة المركز الذي يحملونه سبب الإهمال الذي تعانيه مناطقتهم، وعلى هذا الأساس رأى الأكراد ضرورة الضغط من أجل إقامة الفيدرالية الخاصة بهم، وحذت حذوهم بعض الكتل السياسية الأخرى في العراق مستغلة إجازة قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، من أن أي ثلاث محافظات تستطيع إقامة فيدرالية خاصة بها، في ظل وجود ظروف تدفع هذه الفئات لتبني الفيدرالية ؛ بسبب أن مناطقها أكثر أمناً من مناطق أخرى من العراق، فخوفها أن ينتقل العنف إليها، جعلها تسعى نحو الفيدرالية في مناطقها، إضافة لرغبة هذه المناطق فيما حصلت عليه من مشاركة في حكم وإدارة البلاد، ورغبتها أن تحكم نفسها وتختار نموذجاً لها، وخوفها من هاجس الحكم المركزي الذي قد يفقدها مكتسباتها السياسية، إضافة إلى أن الكثير من أبناء هذه المناطق ترغب في مناصب قيادية، لا يمكن أن تحصل عليها في ظل دولة مركزية تقل فيها الفرص أكثر للحصول على مثل هذه المناصب( ).
لقد أثار موضوع الفيدرالية التي دعا إليه الأكراد بعد الاحتلال كل الفئات العراقية، والتيارات السياسية التي تمثل المجتمع العراقي، لأن تلك الفيدرالية تختلف عما كانوا قد اتفقوا عليه في مؤتمر لندن 2002، قبل الاحتلال، فلم يكن ذلك الاتفاق له أي وجه من وجوه الانفصالية، وقد استمر نهج الأكراد الرافض لموضوع الدولة المركزية، من خلال رفضهم لفيدرالية المحافظات العراقية، على أساس استبعاده لكل من محافظتي بغداد وكركوك، رغم قبوله بأن كل ثلاثة محافظات تستطيع تشكيل فيدرالية، لذلك استاء الأكراد من عدم ضم كركوك إليهم، مما حذا بالأحزاب السنية والشيعية، إلى اتهامهم بالانفصالية على أساس أن آرائهم حول الفيدرالية، تهدد وحدة التراث العراقي، لأن قبولهم بالفيدرالية التي يدعو إليها الأكراد سيؤدي إلى صراع مسلح مع الأكراد، كما أن دعوة الأكراد لهذه الفيدرالية هو مقدمة لبعض الجماعات الاثنية والدينية الأخرى في العراق، مثل الكلدان والأشوريين والتركمان واليزيدية والعلي اللهية ، وغيرهم للمطالبة بحكم ذاتي وإدارة محلية، كما أن هذه الدعوات جعلت بعض الانفصاليين ذوي النظرة اللاواقعية مثل حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي أخذ يطالب بفيدرالية إقليم الجنوب العراقي على غرار إقليم الشمال ، وأن تؤسس له مؤسسات تشريعية وتنفيذية وحكومية مؤقتة، وكان ذلك في المؤتمر الذي عقد في 15 أبريل 2007، إضافة إلى ذلك أن هذه الدعوات تؤدي إلى تطهير قومي طائفي يعيد ترتيب الخريطة السكانية، ويجعلها ذات تأثيرات انتقامية متبادلة ونزوحات متقابلة، ويؤدي أيضاً إلى تدخلات خارجية ؛ بسبب ضعف السلطة المركزية وتعدد الفيدراليات، كما أن الدستور العراقي الدائم قد حلَّ مشكلة الإدارة المركزية ؛ بحيث أعطى السلطات الإدارية بين المحافظات، وفرض رسوم على نقل البضائع بين المحافظات، ووصلت صلاحيتها إلى حد إبرام عقود مع بعض الدول المجاورة( )، وبناءاً عليه ظل موضوع الفيدرالية أساساً للتوتر وعدم الاستقرار نتيجة مساسه بجوهر الوحدة الوطنية، لذلك لم تصل الفئات العراقية إلى حل نهائي حولها.
وحول اللغة العربية في إقليم الشمال الكردي، يرى أحد القادة الأكراد وهو نيجر فان البرزاني، الذي تولى رئاسة وزراء إقليم كردستان أن الاهتمام باللغة الكردية ضروري وأن المناهج الموجودة في المدارس الكردية هي نفس "مناهج التربية في أنحاء العراق، ويعطي الطلاب درس إجباري في اللغة العربية، لكن رغم ذلك فالعربية لم تعد اللغة الرسمية في الإقليم، فأصبحت وكأنها لغة أجنبية، كما أن الإذاعات والفضائيات والصحف، في المنطقة الكردية، أصبحت تؤكد على اللغة الكردية، رغم صدورها بالعربية كلغة ثانية أو كلغة أجنبية مثلها مثل الفارسية أو التركمانية أو السريانية، بيد أن مسؤول القسم العربي والبرامج الثقافية في محطة (كردستان تي في) ، أكد أن المحطة تقدم برامج باللغة العربية عن الأكراد الذين قدموا الكثير للحضارة العربية، وعن الثقافة الكردية باللغة العربية في محاولة لامتصاص امتعاض الشارع العربي من إهمال اللغة العربية في الشمال، حتى أن الحزبين الكرديين الرئيسيين أكدا على وحدة العراق وترابه العراقي، وأخذا يرفعا شعار ومطالب الفيدرالية في ظل عراق موحد ديمقراطي وتعددي، إلا أن وزير الثقافة في إدارة البرزاني أكد بالمقابل أن الأجيال الكردية الصاعدة أقل اهتماماً باللغة العربية، بسبب ما تعرض له الأكراد من مآسي ، فالدعاية حول مقتل وفقدان ألاف الأكراد وتدمير قراهم في حملة الأنفال، وضرب حلبجه بالسلاح الكيماوي، وهجرة مليون كردي عقب انتفاضة مارس 1991 جعلهم يؤثرون الابتعاد عن أبناء وطنهم العرب العراقيين( ).
وبسبب ذلك انقسم الشارع الكردي إلى تيارين فريق واقعي يرى ضرورة التمسك بوحدة العراق، ضمن الفيدرالية التي يحددها الدستور العراقي، وفريق أخر غير واقعي، ومعظمه من جيل الشباب الذي يحظى بتأييد الأكراد في الخارج، وأكثرهم لا يتحدثون العربية، حيث يطالب هؤلاء بضرورة الانفصال التام عن جسم العراق وإقامة دولة كردية في الشمال، وأخذ هؤلاء يثيرون الحسياسيات مع بقية فئات الشعب العراقي ؛ بالمطالبة بأن تكون كركوك جزءاً من كردستان وأنهم مستعدين للحرب في سبيل ذلك، وأخذوا يطلقون شعارات متعصبة وانفصالية، مما حذا بالشارع العربي إلى التأكيد أن العرب يشكلون أكثر من 80% من سكان العراق، وأن الأكراد هم أقلية كبيرة داخل العراق، وأنهم يعارضون القضية القومية للأكراد، ويرفضون مبدأهم حول إن مالنا لنا وحدنا ومالكم لكم ولنا، وهذا ما أكدته الانتخابات العراقية 2005 حيث حصل العرب على أكثر من ثلثي المقاعد البرلمانية، بالرغم من مقاطعة الكثيرين لهذه الانتخابات، ومن أجل الوحدة الوطنية، تم ضم الأكراد للحكومة المؤقتة بقيادة إياد علاوي، وكان نائب الرئيس العراقي (جلال الطلباني) ، حيث حصل عجيل الباور وهو عربي سني على منصب الرئاسة، كما تم إعطاءه منصب نائب رئيس الحكومة لأحد الأكراد، إضافة لوزارة الخارجية، وتولى رئاسة المجلس الوطني العراقي، أحد الأكراد أيضاً وهو فؤاد معصوم، لكن الأكراد لم يقتنعوا بكل هذه المراكز، وظلوا يعملون من أجل الفيدرالية التي هي أقرب إلى الانفصال عن الوطن الأم، رغم أن أقوالهم تختلف عما يعملون من أجله( ).
لقد استمرت الثقافة الكردية منذ إقامة المنطقة الأمنة 1991، وحتى ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، بتمجيد الثورة والمقاومة والشهادة وحب الوطن الكردي والفداء من أجله، وأخذ الأدب الكردي يهتم بلغته الكردية، بينما ضعف اهتمامه باللغة العربية، خاصة بعد أن قلَّ تواصله مع العراقيين العرب، وعدم اختلاطه معهم، وظهور الجامعات الكردية الخاصة في الإقليم الكردي، بالرغم من أن بعض المثقفين الأكراد أكدوا أنه من الواجب الاهتمام بلغتهم الكردية لكن ليس على حساب اللغة العربية، على اعتبار أن ثقافتهم عربية، وأن المثقف الكردي لا يمكنه أن يكتب ما لم يكن عنده إلمام بالثقافة العربية، وأن الفيدرالية التي يطالب بها الأكراد ستجعل التقارب بين العرب والأكراد كبيراً بعد انتهاء النزعة القومية المتعصبة، وما يدل على اهتمام الأكراد بالثقافة العربية أنهم حافظوا بعد غزو العراق على المخطوطات العلمية والأدبية العربية في مكتباتهم، كما أن ثلاث فضائيات كردية أصبحت تبث برنامج عربي واحد، والقيادة الكردية تصر على أن تكون اللغة العربية والكردية لغتان رسميتان، وأن تدريس اللغة العربية في جميع مراحل الدراسة في كردستان ، وتفرض مؤسسة التعليم في كردستان ألا يتخرج الطالب من الجامعة دون الإلمام باللغة العربية، كونها لغة القرآن والأكراد في معظمهم مسلمون، وهذا ما جعل حكومة كردستان تفرض اللغة العربية في المدارس والجامعات، وإن كل ذلك بسبب تخوف الأكراد من اندثار اللغة العربية في كردستان ، وهذا سيؤدي إلى انتهاء التواصل بينهم وبين العرب، بالرغم من أن الأكراد لا يستطيعون الاستغناء عنها ، لكن على الواقع العملي لا يوجد أي وجود للغة العربية في الشارع الكردي ويعتبرها الكثيرون منهم أنها لغة الأقوام الذين اضطهدوا الأكراد في ظل النظام السابق، وهذا ما أثار الرابطة الإسلامية في كردستان التي اتهمت النظام القائم في كردستان بأنه بعمله هذا يكون قد ابتعد عن الأيديولوجيا الإسلامية التي تؤكد على اللغة العربية كلغة مقدسة، لذلك فاتهمها بالكفر، ودعا لإقامة الدولة الإسلامية، مع عدم إلغاء خصوصيات الفئات المختلفة، وهذا ما جعله يصطدم مع حزبي البارتي والاتحاد الوطني بعد احتلال العراق 2003( ).
بيد أنه عند تولي أحد الأكراد وهو جلال الطلباني للرئاسة، أخذ يظهر ميوله نحو الوقوف ضد التقسيم، وأن الأكراد هم عامل توحيد للعراق وليسوا عامل تفرقة وتمزيق إلى دويلات، وأن وجود التيارات الطائفية والاثنية في العراق كان بسبب وجود الفراغ السياسي في الساحة العراقية بعد الاحتلال، وأخذ يبرر وجود عدة أعلام في كردستان، أنه بسبب مالاقاه الأكراد على يد النظام السابق، وأن اللغة العربية تدرس إلى جانب الكردية في إقليم كردستان، كما صرَّح بذلك زعيم حزب البارتي، الذي تولى رئاسة إقليم كردستان مسعود البرزاني، بأن الأكراد لا يودون الانفصال، مع تأكيده بأن تكون كركوك ضمن الإقليم الكردي، كما رأى رئيس برلمان كردستان (عدنان المفتي) أنه لابد أن يبقى العراق موحداً ؛ رغم تنوعه الطائفي والديني بما يحفظ للجميع حقوقهم في نظام ديمقراطي يقبل الآخر، وضرورة عدم تجاهل الأكراد في إقليم كردستان لحقوق العرب والتركمان والآشوريين والمسيحيين وغيرهم ، وأن البرلمان الكردستاني يضم ممثلين من كل الطوائف والإثنيات الموجودة فيه، وأنه رغم أن عدد المسيحيين لا يزيد عن 50 ألف إلا أن البرلمان أعطاهم خمسة مقاعد، كما أعطى التركمان أربعة مقاعد، إلا أنه من الناحية الواقعية لم يضم هذا البرلمان أي من العرب أو حتى التركمان، وهذا ما حذا برئيس الوزراء التركي بولند أجاويد إلى التأكيد أن للتركمان حقاً في أن يحصلوا على الحكم الذاتي في شمال العراق حتى يحصلوا على حقوقهم، كما استاء العرب العراقيين أن حكومة الإقليم جعلت اللغة الرسمية فيه هي الكردية تليها الإنكليزية ثم العربية، وهذا ما يُفسَّر عدم معرفة معظم الشباب الكردي للغة العربية( ).
وعلى هذا النحو أخذ التركمان يُظهرون ميولهم القومية وتمايزهم، كما عمل الآشوريين من خلال حركتهم الحزبية على استقطاب كل المسيحيين العراقيين، أيضاً قامت الأقلية اليزيدية على التركيز على الثنائية العربية الكردية، ثم عمل بعضهم ذوي الارتباطات بإيران على محاولة نفي المكون العربي منها، وأظهر الشاباك أنهم متايزون ومنحوا أنفسهم هوية قومية محددة، وأصبح لكل من هذه الكتل مليشياتها الطائفية، إضافة للميليشيات الكردية والشيعية والسنية، ومباشرة كل منها على استهداف الآخر، وفرض رؤيتها، وهذا أدى بالكثير من أبناء الشعب العراقي إلى مغادرة ديارهم تجاه أنفسهم، بسبب ترحيل هذه المليشيات لكل من يخالف تيارها القومي أو الطائفي، مما أسهم في نشوء كانتونات طائفية وعرقية، وترسخ الاعتقاد لدى قطاعات كبيرة من الشعب العراقي، أنَّ هناك مشروع حرب أهلية لتقسيم العراق، خاصة أن بعض الجهات الخارجية تعمل على زيادة التوتر في العراق، مثل دعم السعودية لبعض الجماعات السلفية السنية، والتعرض للسنة العرب ذوي النظرة الصوفية المتسامحة، وازدياد الصراع العربي الكردي التركماني حول كركوك، وهذا ما ولَّد الشعور لدى الجميع أن انسحاب القوات الأجنبية من العراق، سيؤدي إلى حرب أهلية طائفية( ).
وحول الصراع الطائفي بين سنة العراق وشيعته، فلم يكن للسنة أي دور في الصراع الطائفي ضد الشيعة، بقدر ما كان لجهات خارجية أجنبية مثل تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بزعامة أبو مصعب الزرقاوي، الذي أخذ يستهدف الشيعة على اعتبار أنهم غير مسلمين وخارجين عن دين الإسلام، وأن الإسلام الصحيح هو الإسلام الوهابي السلفي، وبناءاً على ذلك أخذوا يهاجمون مراقد الأئمة الشيعة في الجنوب، وقتلوا الكثير من السياسيين ورجال الدين والمدنيين الشيعة، فأصبح الزرقاوي وكأنه البديل الأسوء للتعامل مع الشيعة من النظام السابق، الذي كان يعمل على إلقاء أي تذكير بالهوية الشيعية حتى لو اقتصرت على الحيز الثقافي والطقوس المذهبية، وبالمقابل قام بعض الشيعة المتطرفين وخاصة من جانب التيار الصدري، من خلال اختراقهم لقوات الشرطة العراقية الجديدة، على القيام بعمليات قتل وتعذيب لأفراد من السنة( ).
وبالنسبة للتيار القومي العروبي، فقد ضعف كثيراً بعد الاحتلال، بسبب أن الأنظمة العربية والأيديولوجيا العروبية لم تقلل مما لحق الشعب العراقي من أذى واحتلال، فبعض هذه الأنظمة وخاصة أنظمة الخليج سهَّلت احتلال العراق، ودعمت بعض الجماعات الإرهابية كالتيارات السلفية الوهابية التكفيرية، كما لم تتقيد هذه الأنظمة بميثاق الجامعة العربية الذي يعتبر أي اعتداء على أحداها هو اعتداء عليها جميعها، وإلى ضرورة مساعدتها فيما لو تم الاعتداء عليها، كما أن مؤتمر القمة الذي عقد في بيروت في 28 مارس 2002 ؛ أعلن في قراره (227) أنه سيقف وفي وجه التهديدات الأمريكية ؛ وأكد على ضرورة احترام استقلال وسيادة العراق وأمنه ووحدة أراضيه وسلامته الإقليمية( )، لكن حدث العكس حيث أن أغلبية الشعب الكويتي ونظامه السياسي قد أيَّدوا الهجوم والغزو الأمريكي مثلما أيدوا قبل ذلك استمرار الحصار على العراق، رغم أنه عندما غزا النظام العراقي الكويت عام 1990، لم يأخذ رأي الشعب العراقي، وكان قراره قراراً فردياً ديكتاتورياً( ).
كما استمر في نفس الوقت عدم تقبل الفئات العراقية لبعضها البعض من خلال قيادتها ، وليس من خلال تياراتها الشعبية ؛ لأن أي من هذه الفئات لم تكن لتمثل الشعب العراقي أو حتى جزءاً منه، وإنما أظهرت كل الوقائع العملية أنها أحزاب وتيارات شخصانية هدفها السلطة والموارد التي تحصل عليها من خلالها، حتى لو أدعت أحياناً أنها تيارات أيديولوجية أو دينية، أو علمانية أو قومية عربية أو تركمانية أو كردية، والدليل على ذلك أنه ظهر الصراع بين التيارات الشيعية فيما بينها، وأيضاً السنية، والكردية، وأما ما ادَّعاه القادة الأكراد بدأً من الرئيس العراقي جلال الطلباني حول الوحدة الوطنية ؛ فليس له أي ملمس على الواقع العملي، فجلال الطلباني نفسه عند وصوله للسلطة أخذ يفكر لصالح الأكراد أكثر مما يفكر لصالح الشعب العراقي ككل، حيث قام بأعمال تتنافي مع الوحدة الوطنية مثل العمل على السيطرة الكردية على مدينة كركوك، والمصادقة على فكرة الدولة الفيدرالية التي تعترف بالجيوب الكردية كمنطقة مستقلة ترتبط بالدولة برباط فيدرالي هش، وعدم إتاحة المجال كل قوات البيش ماركة ودمجها بالجيش العراقي الوطني الذي تم تشكيله في ظل حكومة علاوي، وعدم انصياع قوات البيش ماركة لأي من ضباط الجيش العراقي، حتى أن أحدهم أكد أنهم لن ينقادوا لأي مسؤول عراقي غير كردي، لأن هؤلاء هم أذناب النظام السابق، كما عمل مسعود البرزاني، الذي تسلم رئاسة إقليم كردستان، على إنزال العلم العراقي ورفع علم كردستان في سبتمبر 2006، ولم تستطع حكومة المالكي الوقوف في وجه هذا التصرف ؛ بسبب ضعفها وقلة حيلتها، كما ساهم ضعفها في الدعوات الانفصالية لبعض الفئات العراقية ، التي أخذت تنادي بالحكم الذاتي، مثل الآشوريين الذين طالبوا بإلحاق منطقة سهل نينوي (الموصل) بالإقليم الكردي، نظراً لانعدام الأمن في مناطقهم( ).
لقد أثَّر الفعل الكردي هذا على التوجهات الانفصالية للتركمان واليزيدية، حيث أكد أن أحد القادة التركمان وهو وزير البناء والسكان في حكومة علاوي، أن التركمان ليسوا أقلية، وأن نسبتهم تزيد على 10% من سكان العراق، وأخذ ينادي بضرورة ضم كركوك، إلى الحكم الذاتي لإقليم تركماني يدعو إليه، على أساس أن أكثريتها من التركمان، ثم أخذت مجموعات كردية تقوم بأعمال عنف ضدهم وضد العرب، في محاولة منها للسيطرة على كركوك وتعزيز موارد الحكم الذاتي للإقليم، بما يدعو انفصالهم واستقلاليتهم عن الحكومة المركزية، كما أخذ بعض اليزيديين ممن تدعمهم إيران ؛ لتزوير هويتهم الثقافية العرقية والدينية، من خلال ادعائهم أنهم من أصول آرية، وأن اسمهم هو الأزيدية وليس اليزيدية، وهذا ما يجعل أن لإيران حقوقاً أخرى في العراق غير التي تطالب بها، لذلك وقف أمير الطائفة اليزيدية في العراق، ضدهم وأكد على عراقية طائفته، وانتقد آرائهم ودعواهم الانفصالية( ).
رغم أنه أيَّد بعض المطالب اليزيدية، مثل إعادة أراضيهم التي صودرت في أوائل الثمانينات في محافظة الموصل، وخاصة في الشيخان وسنجار، بالرغم من أنه قد تم تسمية اليزيدية على أساس أنهم عرب، وبالرغم من أن السلطات العراقية ظلت تشكك بعروبتهم وتصادر أموالهم، وتعطيها لعشائر أكثر عروبية منهم، مما حذا إلى انتقاد بعض العشائر العربية لهذه السياسة ووسموها بالعنصرية، وقد طالب أمير اليزيدية أيضاً، بضرورة الاعتراف بهم كطائفة دينية لها تاريخها، وضرورة رفع الحصار الثقافي والإعلامي المفروض عليها، وأن يمثل أفرادها في كافة مراكز الدولة، لذلك فقد رفض أميرهم (أنور معاوية الأموي) الارتباط بالأحزاب الكردية، وانتقد سياسة تكريدهم، حيث لم يرتبط بالأحزاب الكردية سوى 10% منهم، وأيضاً أكد مسيحيي المنطقة الشمالية أنهم يتقلبون نظاماً علمانياً عراقياً، ويرفضون سيطرة التيار الديني على مقاليد الحكم في العراق( ).
وما يؤكد على تعصب القيادات الكردية، أنهم دعوا إلى تغيير العلم العراقي، إلى علم شبيه بالعلم الإسرائيلي، رغم أن العلم العراقي هو علم الثورة العربية الكبرى، وألوانه ألوان الخلافات العربية الإسلامية الثلاث، الراشدية والأموية والعباسية، وفي ظل هذه الخلافات ظهر الأكراد كشخصية لها ذاتها في ظل الدولة العربية الإسلامية، وزيادة كلمة الله أكبر، عليه لن تزيده إلى تعبيراً عن ثقافة المجتمع العراقي، في بلد معظم سكانه عرب ومسلمون، كما أن هذا العلم هو ليس علم النظام بل هو علم الشعب العراقي بكل فئاته، إلا أن القيادات الكردية أخذت تقاوم وجوده في إقليم كردستان، وتوضع بدلاً عنه العلم الكردي( ) ، كما أن تأكيدهم مع بعض التيارات الشيعية على ضرورة القضاء النهائي والمبرم على حزب البعث وأعضائه، أمراً يخالف طبيعة الواقع العراقي، رغم أنهم نجحوا في تضمين الدستور العراقي ضرورة إقصاء البعث وإجتثاثه عن كل مشاركة سياسية آنية ومستقبلية وهذا يمس بالعرب، سواء القوميين المنتظمين أم غير المنتظمين في أي من التيارات السياسية، لأن هذه الفكرة ستؤدي ليس إلى إجتثاث البعث كفكر وإنما إجتثاث عروبة العراق، لأن الفكرة القومية ليست من اختراع حزب البعث، والقومية العربية ليست نظرية لكي تشطب أو تستبدل، حيث أشارت المادة الحادية عشرة من الباب الثالث من ذلك الدستور إلى حظر أي فكر أو ممارسة تحت أي مسمى كان ؛ لكل فكر ينمي العنصرية ، والمقصود بذلك القومية العربية ، كما منعت المادة الرابعة من الدستور في فقرتيها (و، ط) من الباب الثالث، البعثيين من الترشيح لعضوية الجمعية الوطنية، بالرغم من أن وزير الداخلية العراقي (بيان جبر صولاج) ، قد أكد أنه ليس كل البعثيين مدانين بالإرهاب والجرائم، لأنهم حسب رأيه ثلاثة أنواع هي :
- النوع الأول: من قام بعمليات قتل واغتيال وتلطخت يداه بدم الشعب العراقي ، على اعتبار أن هؤلاء يجب أن يقدموا للعدالة، وهذا ما يؤكد عليه قرار مجلس الأمن رقم (1483) الصادر في 22/5/2005، الذي أجاز ملاحقتهم وعدم قبول أي دولة لإيوائهم، وقدَّم لائحة تضم (55) فرداً منهم وعلى رأسهم الأمين العام لحزب البعث (صدام حسين) وولديه (عدي وقصي).
- النوع الثاني: من الذين كانوا في القيادات العليا ، وساهموا مع النظام السابق بممارسة الكثير من الجرائم والقتل والسرقة بحق الشعب العراقي.
- النوع الثالث: الذين أُجبروا على الانضواء تحت لواء البعث طمعاً في لقمة العيش والمنافع اليومية البسيطة، كما حدث في كوادر الجيش والتعليم، وهؤلاء مواطنون صالحون من الممكن الاستفادة منهم.
وبناءاً على ذلك فكل عضو فرقة أو شعبة في حزب البعث، لا يحق لهم الاشتراك في المناصب القيادية في الدولة، إلا بدرجة موظف عادي، حتى وإن كان من الكفاءة والخبرة والتعليم ما يضاهي أكبر الوزراء.
وفي ظل الفكر الشعبوي اللاقومي الذي ساد في ظل حكومات ما بعد الاحتلال أبعدت المناهج الدراسية، عن دراسة التاريخ، فتم إلغاء أمجاد التاريخ العربي، والدعوات الوحدوية العربية القومية، وإبعادها عن حروب العراق، ودعوات التحرير، ومخططات العرب تجاه المنطقة العربية، وبناءاً على ذلك أبعد الطلبة العراقيين مسافة نصف قرن من تاريخ العراق القومي( ) ، وهذا ما حذا ببعض الأحزاب والمليشيات المرتبطة بالخارج، إلى تدمير معالم التاريخ العربي، والعراقي مثل تدمير تمثال أبي جعفر المنصور وهو الخليفة العباسي الثاني، وبأني مدينة بغداد، وتدمير نصب المسيرة، الذي كان يمثل ساحة المتحف العراقي، حتى أن وزارة الثقافة في حكومة الجعفري تعهدت بتدمير كل التماثيل التي تمتُّ بصلة إلى العهد السابق، رغم أن بعضها يمثل تاريخ العراق وليس تاريخ البعث في العراق، مثل تدمير نصب الحرية، الذي كان في العهد الملكي والذي أقرَّه الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، كما تم تدمير تماثيل تعود لشعراء وأدباء وملوك لهم بصمات في تاريخ العراق، وتم الاعتداء على كثير من رموز الثقافة العراقية من المثقفين والكتاب ، كما عملت الكثير من الأحزاب والتيارات الشيعية في الجنوب على تحويل العديد من مقرات حزب البعث ومؤسسات الدولة إلى مساجد وحسينات، وظهرت شدة الاستقطاب الديني بشكل واضح من خلال انتشار صور رجال الدين والمراجع الشيعية في الشوارع، والساحات العامة، وواجهات المؤسسات الرسمية والوزارات العراقية، وتقلَّد رجال دين وأئمة مساجد مناصب مهمة في الدولة، إضافة إلى التوجهات الإسلامية لمعظم المسؤولين في الدولة العراقية ؛ كما لم تهتم قوات الاحتلال لدى دخولها بغداد عام 2003، بحماية التراث العراقي، فسمحوا بنهب المتحف القومي العراقي، وسائر القصور الرئاسية وممتلكات الأفراد، وما يؤكد رغبتهم في ذلك أن الغوغاء من السارقين لم يستطيعوا نهب أو تدمير مبنى وزارة الدفاع ووزارة النفط أو مبنى المخابرات، فلم تمس بأي أذى، وبذلك تكون قوات الاحتلال ومن والاها، قد تجاهلت تحذيرات المنظمات والأكاديميين من أجل حماية التراث الثقافي للعراق، بما فيه المتاحف والمكتبات والمواقع الأثرية، والمكتبات الفنية، حيث أشعل المرترفة النيران في المكتبة الوطنية ونهبوها، ودمروا عدداً من المباني التاريخية والأعمال الفنية والمواقع الأثرية النادرة غير المحمية، وقد كانت دوافع اللصوص في سرقاتهم هذه يعود لعدة أسباب هي( ):
1- عبَّر بعضهم بالسرقة عن غضبه من النظام السابق.
2- بعضهم كان ذو نوازع سياسية مثل الذين أحرقوا أرشيف حقبة البعث من المكتبة الوطنية.
3- بعضهم كان من لصوص الآثار الذين يعرفون ماذا يستهدفون ؛ أو لديهم أوامر من جهات خارجية ، وما يثبت ذلك هو قطع رؤوس التماثيل الحجرية الثقيلة بمنشار خاص وسرقة الأشياء القيِّمة فقط، مثل الكتب النادرة.
ومما زاد من الاحتقان الطائفي بين السنة والشيعة، هو إعدام الرئيس العراقي في عيد الأضحى، بعد أن وقَّع رئيس الوزراء نوري المالكي على ذلك، مبرهناً أنه لا يصلح أن يكون بهذا المنصب، لأن من يتولى هذا المنصب يجب أن يكون حريصاً على مشاعر الشعب العراقي ككل، لقد مثَّل هذا الحدث إهانة للسنة، وأظهرته وسائل الإعلام الغربية، وكأنه انتصاراً للشيعة على السنة، وأنه ليس إلا كبش فداء في عيد الأضحى ، وكان باستطاعة المالكي أن يفعل كما فعل جلال الطلباني، الذي أكد أنه لا يتدخل في أحكام القانون، كما أنه لا يستطيع التوقيع على إعدام صدام حسين، لما سيثيره ذلك من حساسيات وبذلك لم يكن المالكي أفضل حالاً ممن سبقه وهو إبراهيم الجعفري ؛ الذي اعتمد أسلوب الطائفية مع بعض وزرائه مثل وزير الداخلية ، ووزير الدفاع اللذين عملا على إقصاء العناصر الشيعة ، وإسنادها إلى عناصر شيعية متطرفة ، وهذا ما حذا بنائب الرئيس العراقي غازي الياور، إلى الدعوة لمحاكمة بعض الشخصيات في الحكومة، على اعتبار أنهم يعملون لتأجيج حرب أهلية طائفية، حتى أن بعض رجال الدين الشيعة أخذوا يظهرون مواقف متشددة تجاه بعض الشخصيات السنية، ويرفضون أن تمسك أي من هذه الأخيرة أي نوعٍ الإدارات الجديدة على اعتبار أنها كانت بعثية( )، رغم تعيين البعض منهم في مراكز مهمة ، مثل الدكتور (محمد عبد المجيد) وزيراً للنفط، أو اللواء (حميدو عثمان) في الأجهزة الأمنية، واللواء (زهير النعمي) في أحد المواقف الأمنية أيضاً، وكانت الحجة في رفضهم أنهم كانوا يتولون مناصب في ظل النظام السابق، حتى أن بعض المراجع مثل المرجع (كاظم النصيري) والشيخ (علي العزوي) صرَّحا أن هؤلاء الأخيرين لو عادوا فمن الواجب تصفيتهم، وقد تم بالفعل تصفية البعض مثل (ناهد ناهي) التي كانت تشغل منصباً في ظل النظام السابق، وأيضاً الفنان العراقي (داود القبيسي) الذي كانت له أغنيات في مدح وإشادة بالرئيس العراقي ، كما عرض حزب الدعوة الشيعي جائزة قدرها ألف جنيه استرليني لكل من يسلم مسؤولاً بعثياً كبيراً حياً أو ميتاً( ) ، وهذا مما أثار علماء الدين السنة ودفعهم إلى تأسيس هيئة علماء المسلمين التي اتخذت عدداً من الخطوات المشابهة لخطوات المرجعية الشيعية، وبناءاً على ذلك أصبح الاستقطاب الديني على أشدة بفعل إدخال العامل الديني كعامل مساعد لكسب المنافع السياسية، بعد استناد كل كتلة سياسية إلى مرجعية دينية مسيسة أو عائلة دينية معروفة في العراق، وأصبح هناك عدداً من المرجعيات الشيعية ؛ إضافة إلى المرجعية الأساسية للمرجع علي السيستاني في النجف، كما شكلت جبهة التوافق السنية حزباً سمي (مجلس علماء العراق) بدلاً من هيئة علماء المسلمين ؛ التي فقدت الكثير من نفوذها في الأوساط السنية، وقد أدَّى هذا الانقسام بين السنة والشيعة، إلى تشكيل مجموعات مسلمة على أسس دينية متطرفة، وصل عددها إلى أكثر من خمس وخمسين مجموعة مسلحة، عملت على انتهاج العنف الطائفي منهجاً لها، وقد اتخذ هذا العنف مقاومة أيضاً ؛ لقوات الاحتلال التي أدى وجودها إلى بروز التعبيرات الطائفية، لكن تركزت العمليات التفجيرية في المنطقة الغربية والوسطى لعدة أسباب أهمها( ):
1- وجود أعداد كبيرة من المقاتلين المدربين على السلاح وذوي المهارات القتالية العالية.
2- سوء تصرف القوات المتملة وخدشها للقيم والمشاعر العراقية.
3- ترسيخ الفكر القومي في هذه المناطق.
4- ترسيخ الالتزام الديني والجهادي ضد الاحتلال.
5- ممارسة الحكومة المنبثقة عن الاحتلال سياسة إقصاء طائفية تجاه هذه المناطق.
6- توفر الأسلحة والعتاد والإمدادات في أماكن يعرفها المقاتلون.
7- صدور قرار إجتثاث البعث واستهداف الكوادر البعثية في هذه المناطق.
8- انفتاح حدودها الخلفية باتجاه سوريا، مما أمَّن سهولة الاتصال والإمداد.
9- الصفة الالتزامية التي تتميز بها القبائل العربية حيال من تقطع له عهداً، وعلى هذا الأساس استجابت القبائل والعشائر لفتاوى دينية تشير إلى أن الجهاد أمر مفروض على كل مسلم نتيجة اجتياح غير المسلمين للديار الإسلامية.
10- عدم وجود مناطق ارتكاز لقوات الحكومة أو الاحتلال في هذه المناطق.
11- حرمان الكثير من أهل هذه المناطق من مصدر عيشهم ؛ من خلال سياسة الإقصاء والكثير من هؤلاء مارسوا وظائف في العهد السابق في مجال التخطيط والشرطة والاستخبارات والجيش.
لقد ترافقت العمليات التفجيرية، مع حرب طائفية إثنية استهدفت الكثير من المدنيين الأبرياء، في مناطق العراق المختلفة، وازدادت أعداء القتلى والتهجير القسري، بعد التصريحات المتبادلة لزعماء الطائفتين السنية والشيعية، بتعمد استهداف كل منهما للآخر، إلى أن تحولت هذه الاتهامات إلى حرب عملية بينهما، ووصل الأمر بما عرف بحرب المساجد في العراق، على إثر تفجير ضريحي الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي (رضى الله عنهما)، في مدينة سامراء، في 22 فبراير 2006، وهذا مما أثار الشيعة في جميع مناطق العراق، وأدى لقيام هجمات مسلحة واغتيالات كبيرة وصلت إلى 35 ألف شخص منهم حوالي مائة أكاديمي، وأكثر هذه الهجمات كانت من خلال التيار الصدري، كما شاركت قوات الأمن والشرطة المخترقة من قبل المليشيات الطائفية في عمليات تفجير طائفية تهدف للتهجير القسري لجماعات معينة، كما برزت ظاهرة الفرز الطائفي في حكومة المالكي، وهذه الظاهرة تعني إجبار أو اضطرار أتباع طائفية معينة إلى ترك المناطق التي فيها أغلبية من أتباع الطائفة الأخرى ؛ خشية التعرض للقتل أو الأذى من جانبهم، ونتيجة لذلك لجأت الكثير من الأسر السنية للهجرة من المناطق ذات الأكثرية الشيعية، وحدث العكس في المناطق ذات الأكثرية السنية، التي فيها بعض الشيعة، ووصل عدد من اضطروا للهجرة قسراً من منازلهم أكثر من مائتي ألف عراقي خلال الأشهر الأربعة الأخيرة في عام 2006، ووصل عدد اللاجئين العراقيين في الخارج إلى أربعة ملايين عراقي( ) ؛ ولم تتدخل معظم الدول العربية في حل مأساة الشعب العراقي، رغم ما أبداه البعض مثل دولة الكويت التي أسقطت بعض ديونها على العراق، بعد أن توترت الأوضاع معها حيث تجددت الاشتباكات على الحدود الكويتية العراقية في أغسطس 2006، وصرَّح وزير الخارجية العراقي، أن دول الجوار ومنها الكويت لها تأثير سلبي على الاستقرار الأمني في العراق( ).
ولمعالجة موضوع الطائفية الذي أخذ يستشري بشكل سافر في العراق كانت هناك محاولات لبعض الإصلاحيين من السنة، الذين شكَّلوا مجلساً للشورى يضم مندوبون من كافة التيارات السنية من جميع القوميات العراقية، بغية المحافظة على الوحدة الوطنية فيما بينهم، لكن هذا العمل من جانب السنة قد عمَّق الطائفية ، وأكَّد على الاختلافات المذهبية، على حساب تشكيل مجلس مشترك سمي المجلس المشترك لمعالجة القضايا الطارئة، يضم رموزاً وممثلين من الجانبين لحل الأزمات، بسبب تطرف البعض من الفئتين الشيعة والسنة، خاصة بعد مهاجمة مساجد سنية وشيعية، وفي هذا الإطار عقد عدداً من رؤساء العشائر العراقية اجتماعاً في بغداد ضمَّ أكثر من أربعين فرداً من وجهائهم، لمواجهة ظاهرة العنف، كما قرر عدداً من القيادات الدينية السنية والشيعية والقيادات السياسية والقومية على تشكيل وفد مشترك توجه إلى كركوك والمنطقة الشمالية للوقوف ضد النعرات الطائفية والقومية هناك ؛ بسبب ما تعرضت له كركوك من مصادمات أدت إلى الكثير من الضحايا( ).
وما يؤكد أن الشعب العراقي يرفض الطائفية بكل معانيها، وإن ما يحدث من نزعات طائفية ليس إلا من خلال قيادات حزبية أو سياسية مرتبطة بجهات خارجية، تريد تمزيق العراق، أنه عندما غرق أكثر من ألف من الشيعة العراقيين عند اجتيازهم لجسر الآئمة، قام السنة العرب بعمليات إنقاذ كبيرة، واستشهد بعضهم، ونظموا حملات التبرع بالدم اعتباراً من اليوم الأول للمأساة ، كما دعى علماء السنة إلى ضرورة إنشاء مجلس شرعي للقيادي يضم نخبة من السنة والشيعة، وأن تُحصر الفتاوى الدينية داخله، لمنع الفتاوى الفوضوية المتعلقة بتكفير الآخر ، وفي العشرين من أغسطس 2006 اجتمعت مرجعيات شيعية وسنية في مكة الكرمة، لحقن الدماء في العراق، ووقع المجتمعين على (وثيقة مكة المكرمة)، وقد شاهد الكثيرين من جميع الفئات العراقية، أن منتخبهم في كرة القدم، يشجع من كل فئات الشعب العراقي وأعراقه ومذاهبه وتياراته، فكان فوزه يدخل السرور على قلوب الجميع، والحزن يظهر على وجوه الجميع في حال خسارته، كما شجب الكثير من رجال الدين الشيعة سرقة الآثار العراقية، ودعوا إلى إعادة المسروقات، كما عملوا مع بعض المنظمات الدولية المهتمة بالآثار على استرجاع آلاف القطع الأثرية ،وعمل رئيس المكتبة الوطنية العراقية سعد اسكندر على ترميم بناءها، وإعادة تنظيمها، وجعل موظفيه من جميع الفئات العراقية، كون المكتبة للعراقيين بكل فئاتهم( )، وتدفق السنة والشيعة إلى الشوارع معاً في عدة مناسبات في تحدٍّ للقوات الأجنبية الموجودة على أرض العراق ، فعلى سبيل المثال في إبريل 2004 سار حوالي مائتي ألف عراقي في بغداد تحت يافطات شيعية وسنية موحدة ضد الاحتلال، وكانوا يهتفون بحياة المقاومة والمدن التي قاومت الوجود الأجنبي مثل الفلوجة والبصرة وكربلاء، وقد أكَّد الجميع أن الانقسام في العراق ليس بين السنة والشيعة والأكراد وغيرهم، بل هو بين من يساند وجود قوات أجنبية على أرض العراق، وبين من يقاوم ذلك من أجل عراق حر مستقل، أما بالنسبة للعمليات الطائفية من قبل بعض المليشيات ذوي الارتباطات بجهات خارجية هدفها تحقيق مآربها في العراق ، أو تصفية حساباتها مع دول أخرى على أراض العراق، فهي لا تزيد عن واحد بالمائة من الأعمال الإرهابية، والباقي هي ضد الوجود الأجنبي، والمؤيدين له، و تلك الأخيرة من خلال قوات أجنبية موجودة داخل العراق، أما بالنسبة للادعاء بأن رحيل القوات الأمريكية والأجنبية سيؤدي إلى حرب أهلية داخل العراق، فيؤكد الكثير من المسؤولين الأمريكيين أن الولايات المتحدة لا تمنع نشوب حرب أهلية كون ممثلي الإدارة الأمريكية في العراق الذين يقودون القوات الأمريكية، التي بدورها تعد قوات احتلال، هم من يضرب الأكراد بالعرب، والشيعة بالسنة، والفصائل بعضها ببعض، وتتبع سياسة فرق تسد( ).
لقد ساهم الوجود الأمريكي في العراق، المرتبط أساساً بالسياسة الخارجية الأمريكية المساندة لإسرائيل، وبقائها كقوة إقليمية كبرى، في تحقيق الاستراتيجية الأمريكية، المستقبلية للعالم، وفي هذا الإطار، قام الحاكم المدني الأمريكي للعراق، بول بريمر منذ توليه حكم العراق، بعد الحاكم العسكري غاي غارنر، بمنح آلاف اليهود ذوي الأصول العراقية للجنسية العراقية، حيث سحبت منهم في الخمسينيات وتوجَّه الكثير منهم إلى إسرائيل ، ومنحوا الجنسية الإسرائيلية هناك، ويظن أنه قد سمح للقادة الأكراد للتسلل الإسرائيلي للاستيطان في شمال العراق بغية تحويله لمركز ضغط ضد الدول العربية، وأن يكون ذلك خطوة في طريق المشروع الإسرائيلي ؛ الذي يأمل بإقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، لذلك ازدادت الشكوك والخلافات بين العرب والأكراد في العراق( ) ، وما يؤكد هذه الشكوك أن الكثير من اليهود الإسرائيليين من أصل عراقي، عملوا في المنظمات الدولية غير الحكومية مثل (NGO) ؛ التي تقوم بفعاليات في شمال العراق، كما نظَّم الكثير من اليهود، رحلات إلى شمال العراق وبدؤوا بممارسة نشاطاتهم التجارية في مناطق السليمانية وأربيل، وقد استقبلهم الأكراد بكل حفاوة، إلا أن وجود حركات إسلامية في شمال العراق جعل وجودهم في خطر ؛ لذلك كانوا منعزلين في منطقة (عين كارا) ذات الأغلبية المسيحية والتابعة لأربيل، أما في الموصل فرغم أن 10% من اليهود الذين بقوا بعد الهجرة اليهودية خارج العراق في الخمسينات، قد غيَّروا دينهم بشكل ظاهري، إلا أنهم ظلوا مرتبطين حقيقة بدينهم اليهودي، على غرار يهود الدونمة في تركيا في بداية القرن العشرين، وقد عمل هؤلاء كونهم عراقيين على شراء الكثير من الأراضي في الموصل من خلال الدعم الإسرائيلي لهم بالأموال، بعد أن استغلوا الظروف الاقتصادية السيئة للسكان العراقيين.
وهذا مما أثار السكان غير اليهود في الموصل، حيث رؤوا أن هذه العملية هي عملية شبهة بعملية شراء أراضي الفلسطينيين في الماضي، وأن الهدف الأساسي لهؤلاء هو ضم هذه المناطق لإسرائيل الكبرى، كما قامت الكثير من الشركات الإسرائيلية بعد الاحتلال، بعقد اتفاقيات مع الحكومات العراقية في عدة مجالات، بالرغم من أن هذه الشركات لم تفضح عن نفسها أنها إسرائيلية، على أساس أنها شركات خاصة، كما قامت هذه الشركات بشراء الكثير من المحلات التجارية والبيوت والأراضي في شمال العراق، حيث تدفع لهم أضعاف قيمة بيوتهم، في ظل تشجيع أبناء الشعب العراقي على الهجرة خارج العراق، وقام الكثير من الضباط الإسرائيليين بتدريب قوات البيش ماركة في شمال العراق على القيام بعمليات عسكرية ضد منشآت نووية إيرانية، وإقامة مراكز عسكرية لها ضد نظامي سوريا وإيران والمقاومة العراقية ، لكن الادعاءات الكردية تشكك في صحة هذه الأمور ، وأنه لا يوجد أي نفوذ يهودي أو إسرائيلي في العراق، رغم تأكيدهم أنه لا يوجد عداء بين الأكراد واليهود، ومن الضروري التعاون معهم( ).
وحول العشائرية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، فمنذ تولي بريمر الإدارة المدنية في العراق، عمل على تمثيل العشائر في الحكم، على اعتبار أن هذه العشائر ستعمل على تحقيق الاستقرار في العراق، كونها تمثل حضارة العراق ووحدته ؛ حيث قد يكون في العشيرة الواحدة أفراد من السنة أو الشيعة، أو العرب والأكراد وغيرهم، رغم أن هذه العشائر لا تشكل أكثر من ربع السكان في العراق، لكنهم ظلوا يلعبون دوراً مهماً في الحياة الاجتماعية والسياسية، لذلك ومن منطلق الحرص على إقامة توازن بين الفئات العراقية المتواجدة في مجلس الحكم، فكان إشراكها في الحكم وكسب تأييدها ضرورة للوجود الأمريكي في العراق، وبالفعل فقد أيَّدت أكبر القبائل العراقية وهي قبيلة (شمر) التي كان من بينها (غازي عجيل الياور) مجلس الحكم الانتقالي( )، الذي تم تسميته رئيساً للجمهورية بعد تشكيل الحكومة الانتقالية، فتسلم السلطة اسمياً ، وذلك الأخير ينتمي لعشيرة تنقسم إلى السنة والشيعة، وهذا مما طمئن كل من السنة والشيعة على حد سواء، وعلى هذا الأساس تشكل الحكومة العراقية في الأول من يوليو 2004 بقيادة إياد علاوي، وألقت هذه الحكومة على عاتقها مهمة تشكيل مؤتمر وطني يجمع كل أطياف المجتمع العراقي، ويضع مسودة دستور دائم، ويجري انتخابات عامة لاختيار حكومة دستورية دائمة.
وعلى هذا الأساس أصبحت دواوين العشائر (بيوت رؤساء العشار) ، هي الأماكن الوحيدة القادرة على استيعاب الناس واستقطابهم، إضافة إلى المساجد والحسينات بالنسبة للمراجع الشيعة،فكان المشايخ ورجال الدين بمثابة المؤسسات الحكومية في المناطق التي يسيطرون عليها ، أو الذين لهم نفوذ فيها وكونهم يديرون الشؤون الدينية والاجتماعية والسياسية والقضائية، وفي أغلب الأحيان تكون السلطة الدينية والعشائرية موحدة، فكثير من المشايخ هم في الأساس رجال دين شيعة أو السنة، وبناءاً على ذلك فهم مترابطين بشكل كبير، كما أنهما يسيران باتجاهين متوازيين، وقد كان الاستقطاب الديني والعشائري قد اتخذ خلال هذه الفترة شكلين متناقضين حددتهما طبيعة العلاقة السابقة مع النظام السابق، فيما رأت المؤسسات الدينية والعشائرية في الفرات الأوسط والجنوب في سقوط النظام فرصة تاريخية ؛ لخلاصها من النظام واستعادة دورها السياسي والاجتماعي، لكن رأت نظيرتها في شمال بغداد وغرب العراق أن سقوط النظام ؛ قد أفقدها هيبتها وسلطتها ونفوذها المتزامن مع فقدان أبناءها وظائفهم ومكانتهم التي كانوا يتمتعون بها في ظل النظام السابق، وذلك بعد أن فقد الكثير منهم وظائفهم ومراكزهم العسكرية والأمنية( ) ، ولكسب هؤلاء عملت سلطات الاحتلال على كسب ود العشائر العراقية، عندما دعت أكثر من مائتي شخصية من زعماء العشائر والوجهاء في مناطق الجنوب والفرات الأوسط ، لحضور مؤتمر الناصرية، مستغلة التاريخ الطويل والتهميش والإقصاء الذي عانته تلك العشائر إبَّان فترة النظام السابق، حيث بادر شيوخ هذه العشائر قبل إنشاء الحكومة الانتقالية على تأسيس مجالس محلية لإدارة مناطقهم في جنوب وغرب البلاد، وترأس بعضهم هذه المجلس ووصلت نسبتهم إلى أكثر من ربع مقاعد هذه المجالس ؛ مما أشعر هذه العشائر أنها تشارك في تحديد مصير البلاد أو إدارة مناطقها ولو نظرياً، وبعد تشكيل الجمعية الوطنية المؤقتة خصص عشرة مقاعد لشيوخ العشائر فيها، كما تم إنشاء مركز ديمقراطية العشائر، وتقلد عدداً من شيوخ العشائر مناصب مهمة في إدارة الدولة، وهذا مما شجع الأحزاب السياسية على استقطاب العشائر لتحقيق مكاسب سياسية خلال فترة الانتخابات المحلية والعامة، لأن القانون الانتخابي الذي جرت على أساسه الانتخابات، وخاصة نظام الانتخاب الفردي الذي يوافق أنظمة العشيرة والعلاقات الاجتماعية، وعملت الحكومات العراقية المتعاقبة على استثمار علاقتها بشيوخ العشائر في تشكيل الجيش العراقي، حيث رشَّح كل شيخ عشيرة مجموعة من أبناء عشيرته، مستغلاً انتشار البطالة للحصول على وظائف في الدولة الجديدة، وتم الاعتماد على العشائر في ضبط الأمن والحد من العنف،خاصة بعد نجاح تجربة عشائر محافظة الأنبار في منتصف سبتمبر 2006 عندما شكلوا مجلس إنقاذ الأنبار وذراعه العسكري في مجلس صحوة الأبناء لمحاربة تنظيم القاعدة والتنظيمات المتشددة الأصولية، حيث استطاعت هذه العشائر فرض القانون في أكثر مناطق العراق توتراً، حتى وصل عدد مقاتلي العشائر إلى أكثر من (72) ألف مقاتل، ووصل الأمر أن بعض رؤساء عشائر الأنبار قد طرحوا أنفسهم بدلاً من الوزراء الذين انسحبوا من حكومة المالكي، رغم أن هؤلاء الوزراء المنسحبين ينتمون لجبهة التوافق ، وهذا يؤكد عدم التنسيق بين أبناء المناطق السنية، وانفصال العرف الديني عن العشائري، بشكل أقرب إلى التناقض عندما تكون هناك منافسة على المناصب في الدولة( ).
كما لعبت لجنة الشعائر في مجلس النواب العراقي دوراً كبيراً في عملية تفعيل المصالحة الوطنية في العراق، إلى الحد الذي جعل هذه العشائر تعمل باتجاه طرح فكرة اعتماد نظام المجلسين (النواب والأعيان) في مجلس النواب العراقي، والمطالبة بالمشاركة في عضوية المجلس السياسي للأمن الوطني الذي يتألف من رئاسات المجالس الثلاث (الجمهوري والوزراء والنواب) ؛ إضافة لرؤساء الكتل السياسية، وتشكيل هيئة مستقلة تعنى بشؤون العشائر ؛ لضمان مشاركة أكبر عدد ممكن من شيوخ العشائر في المشورة والقرار السياسي، حتى وصل الأمر أن بعض رجال الدين ورؤساء العشائر، أصبحوا يتدخلون في السياسة الخارجية العراقية، مثل رسالة السيستاني للأمين العام لمجلس الأمن، ورسالته للرئيس المصري حسني مبارك، لشرح وجهة نظره حول ولاء الشيعة للدولة العراقية، وزيارة رؤساء العشائر للولايات المتحدة ولقائهم بالرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، ولكن بالرغم من التدخل السافر لرجال الدين والعشائر في الدولة العراقية، ودورهم السلبي في إضعاف الحكم المركزي للدولة العراقية وحكوماتها، من خلال عدم تقيدهم بقراراتها، إلا أن لهم دوراً لا يمكن إنكاره في إبعاد العراق عن الانزلاق في أتون حرب أهلية معلنة، فكانت فتاوى السيستاني لنبذ العنف في العراق، ودور رؤساء العشائر في طرد الجماعات التكفيرية الأصولية ومليشياتها من بعض المناطق، من خلال مجالس الصحوة، قد ساهمت في إضعاف العنف ونشر الأمن فيها( ).
ورغم ما تحقق للأكراد من حرية وسلطة خلال هذه الحقبة (بعد الاحتلال) ؛ إلا أنهم ظلوا يسعون إلى إلغاء كل ما هو عربي، بل أخذوا يتدخلون في الشؤون الداخلية لمناطق لا يشكلون فيها أكثرية، من خلال قومية متوجبة، تبعد العراق عن أي وحدة وطنية داخلية، وتجعل الشعب العراقي يرى في انفصالهم ملاذاً له للخروج من الأزمات التي يعانيها، فعلى سبيل المثال، أخذ الأكراد يطلقون على مدينة (الموصل) اسم كردستان الحنوبية، ويسمون كركوك، قدس الأكراد، كما افتخرت وزيرة التربية الكردية في الإقليم الكردي بنهاية اللغة العربية من المدارس الكردية وإحلال الإنكليزية مكانها كلغة ثانية ، وتم إلغاء اليافطات العربية من شوارع الإقليم، كما قدم حزب البارتي في 20 يونيو2007 مشروع دستور الدولة العراقية، الذي يراه مناسباً، على أن يحل محل الدستور الذي تمت الموافقة عليه، كمشروع دستور مستقبلي، حيث أن الكثير من مواد هذا الدستور تتضمن الانفصال وإضعاف الترابط مع الوطن العراقي مثل المواد التالية( ):
-المادة الأولى: تدعو لتسمية العراق بالجمهورية الفيدرالية العراقية.
-المادة الثانية: تنادي بأن تكون العراق إقليمين إحداهما عربي، والأخر كردي يضم كركوك، إضافة إلى مناطق من الموصل مثل سنجار ذات الأغلبية اليزيدية.
-المادة الرابعة: يتكون الشعب العراقي من قوميتين عربية وكردية، ويقر الدستور حقوق جميع القوميات على أساس فيدرالي.
-المادة السادسة: للجمهورية العراقية علم وشعار ونشيد خاص يتضمن رموزاً للاتحاد بين العرب والأكراد وفق قانون ينظم ذلك.
-المادة الثامنة: اللغة العربية هي اللغة الرسمية للاتحاد وللإقليم العربي، أما اللغة الكردية فهي اللغة الرسمية للإقليم الكردي.
لكن يلاحظ على هذه المواد عدة أمور يمكن نقدها بكل موضوعية، كونها تتجاهل أن العراق مقسماً إقليمياً إلى 18 محافظة، وأن هناك أعراق أخرى غير العرب والأكراد، وأديان أخرى غير المسلمين، كما أن كركوك ليست ذات أغلبية كردية، حيث تتراوح بين أن تكون عربية أو تركمانية، كما أن معظم سكانها يتكلمون التركمانية بغض النظر عن أصولهم العربية أو الكردية أو التركمانية( )، وإن المطالبة بها هو بسبب نفطها، والمطالبة بمنطقة سنجار ذات الأغلبية اليزيدية هو بهدف السيطرة على الموصل، والتوسع نحو ديالي والكوت بهدف تطويق بغداد وإحكام الحصار عليها، كما أن مفهوم الفيدرالية هو حل غير واقعي لأن النظام اللامركزي هو الأفضل، من خلال منح المحافظات العراقية امتيازات قانونية وإدارية في جميع المجالات تخلصها من المركزية البيروقراطية الشديدة ، ومن السيطرة المتطرفة للمركز في العاصمة، وتمنح لكل محافظة حرية التعبير عن خصوصيتها، مع إمكانية العودة للحكم الذاتي للمنطقة الكردية على اعتبار أنه الحل الأنسب لوضع العراق، فهو يمنح الأكراد حقوقهم الإدارية والثقافية ويمكنهم من التعبير عن خصوصيتهم ويحافظ على وحدة العراق، ويحد من مخاطر تقسيمه إقليمياً أو طائفياً أو دينياً، وإن فشل تجربة الحكم الذاتي في فترة حكم صدام حسين هو بسبب طبيعة النظام الديكتاتورية، وعدم حرية الأحزاب الكردية، وتعاونها مع الخارج ؛ أما بالنسبة للغة الكردية، فليست هناك لغة كردية واحدة بل لغتان مستخدمتان في شمال العراق هي السورانية في السليمانية ، والبهدنانية الكرمانجية في أربيل ودهوك، والوضع العادل هو تدريس كلا اللغتين الكرديتين حسب الغالبية في مناطق الحكم الذاتي الكردية، وأن تدريس اللغة العربية كلغة ثانية وليس ثالثة، بصورة إجبارية من أجل التواصل بين الأكراد وأشقائهم العرب في الوطن العربي، إضافة إلى أن اللغة العربية هي إحدى اللغات المعترف عليها دولياً، ولها قيمة تاريخية ودينية بالنسبة للأكراد والعرب على حد سواء، مع ضرورة تدريس اللغة الكردية في المناطق العراقية الأخرى بشقيها ، إضافة إلى اللغات الموجودة في المجتمع العراقي كالسريانية والتركمانية، وأن تدرس هذه اللغات في الجامعات العراقية كلغات وطنية حية وضرورية ، من أجل إغناء الثقافة العراقية وإنماء دراسة الميراثات المحلية، ومنحها حرية التعبير عن نفسها إعلامياً من خلال السينما والمسرح والاحتفال بمناسباتها بصورة رسمية ووطنية، مثل عيد النيروز وأعياد الميلاد، وأيام عاشوراء، وعيد المولد النبوي، وغيرها، وبالنسبة للعلم العراقي فيجب أن يتضمن جميع رموز المجتمع العراقي وفئاته وخصوصياته.
من هذا المنطلق يرى البعض أن أسباب الخلل في البنية التكوينية للأحزاب العراقية التي ظهرت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، نتيجة لظهور تيارات فكرية سياسية جديدة في العالم، أو كانت موجودة في حقب سابقة، لكن كل هذه الأحزاب عجزت عن تقديم حلول وعن التعبير عن استقلاليتها وولائها الوطني غير الممزوج بولاء آخر، وهذا ما ساهم في وجود ثقافة عصبوية تعتمد على القوة على حساب الثقافة الوطنية، مثل الثقافة الطائفية الدينية والعشائرية والمذهبية والقومية (الإثنية) ، وأن معرفة هذا التناقض بين أهداف الحكومات العراقية ذات العلاقة بالقوات الأجنبية وبين الأهداف الوطنية، سيؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية وسيحقق الاستقلال التام وغير المشروط للعراق( ).
مما سبق نستطيع أن نصل إلى أن النظام الذي جاء بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وتشكيله لمجلس الحكم الانتقالي في ظل حكم السفير الأمريكي للعراق بول بريمر، ثم في ظل حكومات كل من (علاوي، الجعفري، المالكي)، لم يستطع تحقيق الوحدة الوطنية، بل إن هذا الاحتلال وهذه الحكومات التي جاءت في ظل وجود قوات الاحتلال قد أفرزت تناقضات كانت كامنة في المجتمع العراقي وكان يمكن التغلب عليها، أو تأجيلها لفترات لاحقة، وبناءاً على ذلك كانت تداعيات فترة حكم البعث، قد قادت إلى تفجير تناقضات المجتمع العراقي الإثنية واللغوية والإقليمية والطائفية، والعشائرية، وقد تم استغلال هذه التناقضات من خلال جهات خارجية أبرزها الولايات المتحدة التي تحاول أن تحقق استراتيجيتها في المنطقة، وإيران التي تحاول تصدير ثورتها وتحقيق طموحاتها الإقليمية، وتركيا ذات المطامع القديمة في العراق، إضافة إلى بعض الدول العربية مثل السعودية التي تحاول نشر مبادئ السلفية الوهابية من خلال مؤيديها، والكويت التي تتخوف من ظهور أنظمة عراقية تحاول ضمها إليها ؛ وتعتبرها أرضاً عراقية وقد قادت هذه التناقضات واستغلالها من قبل الخارج، إضافة إلى وجود الاحتقان الداخلي، إلى تفجر الأوضاع في الداخل العراقي، فظهرت عمليات الفرز الطائفي، والاقتتال الطائفي، والعشائري، والإقليمي وعملت القيادات الكردية على استغلال هذا الوضع لترسيخ الاستقلال الذاتي، ومحو اللغة العربية من إقليم كردستان وإنشاء ما يشبه الدولة الجديدة في كردستان، مما أدى إلى بروز دعوات إثنية وطائفية جديدة، تدعو لحكم ذاتي، وتظهر نفسها على اعتبار أنها طوائف وأعراق لها خصوصيتها التي يجب احترامها، كما ظهرت المنافسة على الحكم بين الشيعة والسنة من خلال عمليات الاستقطاب الطائفي، والعشائري، وبرزت ثقافة جديدة على المجتمع العراقي تتميز بقسوتها ، حيث أخذت تمجد القوة والطائفة والعشيرة والقومية (الإثنية) والإقليمية دون أن تعير اعتباراً للآخر، فظهرت الأحزاب ذات النزعات الطائفية والإثنية، التي عملت بدورها على استغلال العشائرية، أداة لها في تحقيق مصالحها، وكانت الحكومات العراقية التي ظهرت قد حذت نحو هذه الثقافة، فلم تكن هذه الحكومات سوى حكومات ذات منهج طائفي أو إثني، مثل حكومة الجعفري، أو المالكي، بينما كانت الحكومة الانتقالية أحسن حالاً وأبعد نهجاً عن الطائفية، وهي حكومة إياد علاوي، كون علاوي كان علمانياً وبعثياً سابقاً، وبعيداً عن النزعات الطائفية ، أما إبراهيم الجعفري ونوري المالكي فكلاهما من حزب الدعوة ذو النزعة الطائفية والمرتبط بإيران، والذي عمل على تسخير سلطته لصالح المجموعات الشيعية، كما أن حلفائه القادة الأكراد عملوا على ترسيخ مفهوم الفيدرالية في الدولة العراقية، بقصد العمل على فك أي ارتباط لمنطقة كردستان مع العراق، بل أخذوا يتدخلون في أمور المجتمع العراقي الأخرى، وأصبح مبدئهم مالنا لنا ومالكم لكم ولنا، وبذلك لم يتحقق المحدد الأول من محددات الوحدة الوطنية الذي يدعو إلى وحدة البلاد واحترام لغتها الرسمية وثقافتها الوطنية ؛ حيث سادت الدعوات الانفصالية في شمال العراق، أحياناً ، وفي جنوبه من خلال مبدأ الفيدرالية المقترحة، الذي هو أقرب للانفصال عن العراق، كما لم يعد هناك احترام للثقافة الوطنية العليا ولغتها الرسمية (اللغة العربية)، حيث سادت أعمال العنف بين التيارات الدينية والإثنية، وظهرت العشائرية على سطح المجتمع العراقي، وتم إهمال التراث والدعوات القومية التي تمجد لغة الأكثرية وهي اللغة العربية، حيث ساد التناقض بين التيارات القومية والتيارات الدينية، بظهور رجال الدين كقوة سلطوية موازية للسلطة القومية التي كان سائدة من خلال حزب البعث.
ثانياً : الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي
منذ سقوط النظام العراقي عام 2003 قامت سلطات الاحتلال الأمريكي بحل وزارة الخارجية العراقية على أساس أنها أصبحت تمثل السلطة العراقية ، وأنها قد حلت محلها رغم أن هذا يتناقض مع القانون الدولي من حيث أن الاحتلال غير مشروع ، ومن حيث حل المؤسسات الوطنية في الدول المحتلة ، لكن رأت سلطات الاحتلال أنها تمثل السلطة العراقية وأنها قد حلت محلها ، وما يؤكد ذلك أن الحاكم بول بريمر مثَّل العراق في منتدى دافوس في الأردن في يونيو 2003 ، وبرر بعمله هذا أن الجهاز الدبلوماسي العراقي السابق كان أداةً لتنفيذ السياسة الخارجية للنظام العراقي والمتأثر بفكر حزب البعث ، وبذلك فيجب التخلص منه لبناء عراق جديد ؛ وبذلك فقد العراق خبراته الدبلوماسية وكوادره العاملة في هذا المجال ، بما يتيح المجال لإنشاء جهاز جديد ووزارة خارجية جديدة ذات توجهات تمثلها الإدارة الأمريكية تمهيداً لاقتلاع العراق من بيئته وجذوره العربية والإسلامية ، خاصة أن أجيالاً عديدة قد تربَّت على فكر حزب البعث ومن الصعب تأقلمها مع فكر جديد آخر ، وقررت سلطات الاحتلال حل حزب البعث على أساس أنه قد قاد المجتمع العراقي نحو الضياع وأن حله ضروري من أجل الإصلاح السياسي واستعادة الحريات وإنشاء نظام ديمقراطي ؛ لتعويض الشعب عما عاناه من تجاوزات هذا الحزب ، وقد لاقت هذه الخطوة ترحيباً من بعض الأوساط الشعبية ؛ بسبب الرصيد السياسي السيئ لهذا الحزب في العراق على اعتبار أنه رمزاً لحكم الفرد وقمع حقوق الإنسان ، لكن هذا الإجراء عملياً يهدف إلى تشويه التاريخ القومي ورصيد الفكر القومي ؛ لاستهداف كل ما هو عربي على المستوى القومي ، تحت ذريعة تحرير العراق والمنطقة العربية المحيطة به من أي ارتباطات أيديولوجية سياسية أو دينية تحث على مقاومة الخضوع للغرب وإعادة ترتيب المنطقة( ).
ورغم إسقاط تمثال الرئيس العراقي في ساحة الفردوس في بغداد تعبيراً عن سقوط حزب البعث ؛ كونه الأمين العام للحزب إلا أن الشعب العراقي رفض الاعتراف بسلطة الاحتلال وبشرعيتها ، فكان قد اجتمع الكثير ممن التيارات المعارضة للاحتلال من إسلاميين وقوميين عرب ومستقلين في 8 مايو 2004 ؛ لتشكيل المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي الذي أعلن عن ضرورة العمل على وحدة الشعب العراقي والعمل على إعطاء نهاية للاحتلال من خلال جميع الوسائل المشروعة على أساس أن الدوافع للاحتلال قد انتهت ؛ حيث تحرر الشعب العراقي من الديكتاتورية وثبت زيف الإدعاء بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ، وإن هدف الاحتلال هو إسقاط الدولة العراقية بدافع السيطرة على العراق وثرواته من أجل فرض الهيمنة على المنطقة العربية ، وقد دعى بيان المؤتمر كافة الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية على التوقيع على وثيقة عهد وتبنى ميثاق تفاهم وعمل وطني يجمع العراقيين على كلمة واحدة وضرورة المشاركة السياسية للجميع في هذا المؤتمر وفق ثوابت إسلامية وطنية وقومية وأهم هذه الثوابت هي( ):
1. رفض الاحتلال الأجنبي للعراق رفضاً باتاً وكل ما يترتب عليه من نتائج.
2. العمل بكل السبل والوسائل المتاحة والمشروعة ؛ لمقاومة هذا الاحتلال حتى خروج أخر جندي محتل.
3. الالتزام المطلق بوحدة العراق أرضاً وشعباً وسيادة ، ورفض أي محاولات لتقسيمه على أسس عرقية أو مذهبية.
4. الدعوة لانبثاق هيئة موحدة لعلماء المسلمين في العراق ؛ لتوحيد موقف العراقيين ضد الاحتلال واعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي من مصادر التشريع.
5. العمل على التداول السلمي للسلطة ، وإعادتها إلى صاحبها الشرعي وهو الشعب العراقي.
6. انتخاب جمعية تأسيسية وطنية.
7. رفض الديكتاتورية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً واحترام حرية التعبير.
8. التأكيد على أن العراق جزءاً واحداً لا يتجزأ من الأمة العربية ، والتأكيد على هويته العربية والإسلامية.
9. التأكيد على عدم جواز القوانين الصادرة والتي ستصدر عن أية جهة كانت في ظل الاحتلال.
10. اعتبار كل دعوى أو تصرف أو سلوك من شأنه زرع الفرقة وبثها في صفوف الشعب على أسس عرقية أو مذهبية أن دينية ، جريمة ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى.
11. التأكيد على أن القضية الفلسطينية قضية العرب والمسلمين المركزية الأولى.
12. تأكيد وتكريس روح الولاء للوطن وتحريم الولاء لغير العراق.
13. العمل على إعادة دور القوات المسلحة الوطنية ، وحل المليشيات والتأكيد على المسؤولية الكاملة للاحتلال على ما لحق بالشعب العراقي.
14. العمل على إقامة دولة القانون.
وقد تقرر إنشاء أمانة عامة للمؤتمر من خمس وعشرين شخصية ضمت جميع أطياف الشعب العراقي واختير جواد الخالصي أميناً عاماً لهذا المؤتمر.
كما أعلنت المقاومة العراقية عن برنامجها السياسي الموحد في أواخر مارس 2004 وأبرزت فيه النقاط التالية( ):
1. رفض مطلق وشامل لمنطق الاحتلال وأدواته وعناصره ، وكل ما ينتج عنه من هياكل وعناوين وهيئات عميلة وخائنة للشعب ، ودعوتهم إلى التوبة فوراً واعتبار كل قراراتهم وتوصياتهم باطلة ؛ لأنه ما يبنى على باطل فهو باطل.
2. استمرار المقاومة بكل أشكالها المسلحة والتعبئة الجماهيرية والمظاهرات والاحتجاجات ومقاطعة الاحتلال وهياكله بكل الوسائل الممكنة ، حتى رحيل القوات الأجنبية عن أرض العراق.
3. عودة الدولة العراقية بكل مؤسساتها الوطنية والسيادية والخدمية وعودة الجيش كمؤسسة وطنية موحدة إلى سابق عهدها قبل الاحتلال.
4. سيعلن المجلس الوطني في الوقت المناسب عن تشكيل وحدة وطنية انتقالية لمدة سنتين ؛ تقوم بممارسة السيادة وتمثيل العراق وتعمل على إنجاز المهمات الوطنية العاجلة ، وتضميد الجراح ومساندة فئات الشعب المتضررة وتولي مهمة إعادة البناء لإدارات الدولة ومرافقها الحيوية وكذلك المهمات الوطنية التي تتمثل بالأمور التالية :
 الدعوة خلال سنتين إلى انتخابات جديدة لمجلس وطني جديد ؛ بإشراف جامعة الدول العربية والمراقبين الدوليين والهيئات الدولية المحترمة والمهتمة بالديمقراطية.
 تشكيل مجلس شورى من 150 عضو من أهل الرأي والحكمة من أجل أبناء الشعب العراقي ؛ ليكونوا بمثابة مجلس للحكماء ويقدم المشورة والرأي للحكومة الانتقالية ، ويشترك مع مجلس الوزراء في إعداد دستور دائم للبلاد ضمن كل الحقوق الأساسية للمواطنين ، ويحافظ على وحدة العراق وإنتمائه العربي ويعرض على الاستفتاء الشعبي خلال ثمانية عشر شهراً من تاريخ جلاء الغزاة ، ويعمل مجلس الشورى والحكومة الانتقالية فوراً على إلغاء كل القوانين والقرارات ذات الصلة الاستثنائية التي صدرت سابقاً.
 بعد إقرار الدستور الدائم يجتمع المجلس الوطني المنتخب ومجلس الشورى لانتخاب رئيس للجمهورية ونائباً له لمدة خمسة سنوات ويعرض اسم الرئيس على الشعب في استفتاء عام.
 إطلاق الحريات السياسية بموجب قانون منظم لها ومنها حرية تأليف الأحزاب السياسية والجمعيات ، ومنظمات المجتمع المدني وتنظيم عملية إصدار الصحف وإطلاق الحريات الصحفية واعتماد معايير الوطنية والكفاءة والإخلاص ؛ لتولي الوظائف العامة في الدولة وترسيخ مفهوم دولة القانون والنظام والمؤسسات.
 تشكيل مجلس أعلى لحقوق الإنسان من الشخصيات المعروفة باستقامتها ونزاهتها الوطنية ،والتي تتمتع بصلاحيات واسعة منها التحقيق والتفتيش والمحاسبة للمقصرين في انتهاك حقوق الإنسان العراقي ، وكرامته ويرفع تقاريره وتوصياته إلى رئيس الجمهورية مباشرة ورئيس الوزراء والمجلس الوطني والعمل بروح الوحدة على نبذ الطائفية ، وتثبيت مبدأ المساواة أمام القانون.
 تطوير قانون الحكم الذاتي لكردستان العراق ؛ بما يضمن الحقوق القومية والثقافية لإقليم كردستان ضمن إطار وحدة العراق وسيادته ومناقشة هذه الأمور بروح الحوار والتفاعل مع القوى الكردية ضمن ثوابت الحرص على العلم والسيادة والسياسة الخارجية والأمن القومي العربي.
ومما زاد من مقاومة إدارة الاحتلال ومجلس الحكم الانتقالي الذي تشكل في ظله هو فضائح التعذيب في سجن أبو غريب السيئ الصيت ؛ حيث اهتزت صورة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان على المستوى الداخلي ؛ لذلك فإن رئيس الحكومة الانتقالية انتقد تسريح الجيش العراقي ؛ بسبب ما أصاب النظام الجديد من تدهور في الأمن كما انتقد اتهام جميع البعثيين بالجرائم وأعلن أن هناك بعثيين مقبولين وآخرين غير مقبولين ، وأنه سيسعى للتخلص من الوجود الأمريكي على أرض العراق ، ومما زاد من حدة أعمال المقاومة العراقية ضد الاحتلال هو أن ما ادعته الإدارة الأمريكية من أنها صرفت الكثير من الأموال من أجل العراق لم يكن سوى ادعاءاً باطلاً ؛ لأن معظم هذه الأموال أهدرت ، فقد أصدر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن في الثاني من نوفمبر 2004 أن المبالغ المصروفة على المساعدات الأمريكية للعراق لم يصرف القسم الأكبر منها ، ولم تحقق أي تقدم عملي أو اقتصادي أو اجتماعي أو تنموي في مجالات الكهرباء أو الصرف الصحي والأمن الغذائي أو في مجال نقل السلطة الفعلية للعراقيين ، لم يتحقق أي إنتاج نفطي في العراق ، كما أن الدعاية الكاذبة حول البرنامج التنموي لم يستطع القضاء على البطالة التي تولَّدت في ظل المرحلة السابقة( ).
بعد سقوط النظام وحلول الاحتلال محله غابت كل مؤسسات الدولة وجمدت سيادتها ، وحصل فراغ دستوري وفلتان أمني وتدمير للمرافق الحيوية وقد شجع الاحتلال ما كان موجود من احتقان طائفي وإقليمي ، لكن معظم القوى العراقية كانت ترفض الاحتلال والتدخل الأمريكي ، ولم يكن تعاطف بعض القوى العراقية مع الاحتلال وتأييدها له سوى ؛ بسبب عدم إدراكها لتطور الأوضاع ، إضافة أن أكثرها كان في خارج البلاد ، أما القوى الوطنية التي شكلها الاحتلال ودعمها بشكل مباشر فقد انتهى أغلبها وتلاشت وبقي بعضها معتمداً في وجوده على الاحتلال ، وأغلبها قوى حزبية طائفية ، ويرى أحد القادة البعثيين السابقين وهو صلاح عمر العلي أن الشعب العراقي مازال يعمل من أجل الوحدة الوطنية ؛ حيث عمل على تشكيل لجاناً شبابية تصم جميع أطياف الشعب العراقي لحمايتها من العابثين ، كما أن جميع الأحزاب السياسية ما عدا الأحزاب الطائفية أو الإثنية تحرص على ضمان تنوع قياداتها من جميع أطياف المجتمع العراقي( ).
كما تم تصفيه أكثر من 350 عالم عراقي بعدما فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في احتوائهم للعمل فيها ، أما الذين قبلوا العمل معها فتعرضوا للاستجواب والتحقيق وخضع قسماً منهم للتعذيب ، وبناءاً علية فقد وصل عدد القتلى إلى أكثر من مليون عراقي حتى عام 2008 ، كما ازدادت حملات التبشير بالمسيحية في العراق بغية تحويل فقراء المسلمين عن دينهم تحت دعوى الإغراءات المادية ، كما تعرض الكثير من السجناء العراقيين في سجون الاحتلال لأبشع أنواع التعذيب ، وهذا ما أكدته منظمة (هيومان رايتس ووتش) المختصة بمجال حقوق الإنسان ، حيث أكدت أن هذه الانتهاكات تتم من خلال القادة الأمريكيين في العراق وبأوامر صريحة منهم ، وتحت الضغوط الداخلية وفضائح وزارة الداخلية العراقية أعلن عن إجراء تحقيق حول قضيَّة تعذيب المعتقلين دون الموافقة على إجراء تحقيق دولي مما أثار الأحزاب العراقية ضد حكومة علاوي ولم تتحسن الأمور عن تشكيل الحكومة العراقية الدستورية الدائمة بقيادة (إبراهيم الجعفري) التي اتَّسمت بطائفيتها وإثنيها ؛ لذلك رفض نائب الرئيس العراقي (غازي الياور) حلف اليمين احتجاجاً على ضعف تمثيل العرب السنة ، كما لم تحقق هذه الحكومة سوى ثلاثين بالمائة من المشاريع التي أعلنتها بالرغم من أنها كانت مشاريع في معظمها تدور في مجال ترميم وإعادة التدوير ، فاستمر تدهور الأحوال المعيشية والاجتماعية للسكان من تدهور في مجال الطاقة الكهربائية والاتصالات والمواد النفطية واسشراء الفساد المالي والإداري لأعضاء مجلس الحكم الانتقالي السابق وتصاعد حدة الصراعات تصفية الحسابات بين مختلف الأطراف ، واستمرار مديونية العراق على حالها وهي مائة وثمانين مليار دولار ، ومعدل البطالة يصل إلى ستون بالمائة بحسب تقرير وزارة التخطيط العراقية وازداد معدل الفقر ليصل إلى 45% من العراقيين ، رغم أن العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم ، وفي هذا الصدد أكد رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بغداد أنه قد تم إهدار مليارات الدولارات من العوائد النفطية ولا يعرف مصيرها وأن معدلات التنمية وإعادة الأعمار لم تتقدم ولم تحدث أي استجابة جديدة محلية أو أجنبية كما أن الإجراءات المتخذة مثل إلغاء الرسوم الجمركية أدَّت لتدمير الكثير من الصناعات والنشاطات الاقتصادية والصناعية والزراعية وأصيب القطاع العام بالشلل نتيجة غياب التخصصات والدعم الحكومي ، وأن أكثر من تسعة ملايين عراقي لا يستلمون سوى البطاقات التموينية التي استمرت بعد الاحتلال ، وظهر انعدام الشفافية بخصوص كيفية صرف عشرات مليارات الدولارات على عوائد النفط ولا أحد يعرف من المسئول عن إنفاقها ، ولم تصدر وزارة المالية أي وثيقة توضح كيفية التصرف بهذه الإيرادات( ).
وقد أدت حالة الفوضى التي عاشها العراق بعد سقوط النظام 2003 إلى أن العراق أصبح يستورد عشرة ملايين لتراً من البنزين يومياً بقيمة مائتي مليون دولار شهرياً من الدول المجاورة ؛ بسبب ما تعرضت له خطوط الأنابيب من عمليات تفجير كما فرَّت أعداداً كبيرةً من أطباء العراق إلى الخارج طلباً للأمان ؛ إضافة أن الكثير من المهنيين هرب بعدما تعرض الكثير منهم لعمليات الخطف والاغتيال بالرغم أن الكثير من حالات الاغتيال كانت سياسية في إطار التنافس بين الأحزاب على الحكم ، مثلما فعل التيار الصدري الذي اتهم بقتل رئيس مؤسسة الخوئي الذي عاد من بريطانيا عشية احتلال العراق 2003 ، كما اتهم أيضاً بقتل زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (محمد باقر الحكيم) ، وقد كان تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية لبعض الجماعات من خلال سفيرها الحاكم (بول بريمر) الذي عمل على تحطيم كل مؤسسات الدولة العراقية وتكريس الطائفية في كل المؤسسات الجديدة وإخضاع نظام الحكم للعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإثنيات العراقية المختلفة ، مما أدى إلى تعقيد العلاقة بين الولايات المتحدة والتزاماتها تجاه هذه الجماعات ، وهذا ما فسَّر الاشتباكات بين جيش المهدي وإدارة بول بريمر ، ويمكن تلخيص أهم الإجراءات التي قام بها بريمر فهي تأسيسه لمجلس حكم انتقالي من المعارضة العراقية على اختلاف أطيافها المذهبية والعرقية والسياسية وإصدار قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية الذي اشتمل على عناصر وثيقة حقوق الإنسان ، واستقلال القضاء والسيطرة المدنية على القوات المسلحة واختيار مجلس تشريعي مؤقت وحكومة مؤقتة في نهاية يناير 2004 برئاسة إياد علاوي ، وهذا ما أفرز انتخاب مجلس تشريعي انتقالي في يناير 2005 أقرَّ من خلاله الدستور الدائم الذي نظَّم انتخابات المؤتمر التأسيس الذي بدوره نشر مسودة الدستور وعرضها على الشعب العراقي للاستفتاء والتصديق ؛ حيث تم بعد ذلك اختيار حكومة عراقية جديدة وفق الدستور الدائم بعد انتخابات ديسمبر 2005 وتولت بموجبه الحكومة الجديدة وألغي سريان قانون إدارة الدولة للفترة الانتقالية( ).
ورغم أنه قد روعي في مجلس الحكم الانتقالي تمثيل جميع الطوائف والإثنيات العراقية على أساس أن تنبثق عنها حكومة انتقالية ؛ تلقي على نفسها العمل من أجل تشكيل مجلس دستوري ودستور انتقالي حيث ضم المجلس خمس وعشرين عضو منهم ، ثلاثة عشر من الشيعة و خمسة من الأكراد وخمسة من العرب السنة وواحد مسيحي أشوري وواحد سني تركماني ، لكن هذا المجلس لم يتمتع بشرعية مطلقة كونه تشكل في ظل الاحتلال ، كما أن لكل وزير عراقي في ظله -أو ظل الحكومة الانتقالية (حكومة علاوي)- مستشار أمريكي له الكلمة النافذة على القرار ، وبالتالي فالمجلس لم يكن يتمتع بسلطة تنفيذية أو بشخصية قانونية لها حق ممارسة السيادة ، وقد تم الاتفاق أن تكون رئاسة المجلس دورية بين الأعضاء ، حيث يكون لكل عضو رئاسة للمجلس مدة شهر واحد وقد عهد للمجلس وضع ترتيبات الحياة السياسية وتشكيل الحكومة المؤقتة ، وحصة كل طائفة أو حزب وتسمية وزارة كل فئة وفقاً لحصتها في الحقائب الوزارية ؛ كما تم تشكيل لجنة تنظيمية من العراقيين لعقد مؤتمر انتخابي يضم بعض المرشحين من الأحزاب السياسية ومجالس المحافظات والمجالس المحلية والاتحادات المهنية والجماعات العشائرية والدينية ؛ لتمثيل كل محافظة في المجلس التشريعي المؤقت ، لكن ما يؤخذ على هذه الانتخابات أن الكثير من الحركات السياسية والدينية رفضت المشاركة فيها كالتيار الصدري ، وهذا مما وسم الفوز الشيعي الذي حصل على 48.1 بأنه متناقض أيديولوجياً ، وأنه لم يستطع الحصول على أغلبية الثلثين في البرلمان لتشكيل الحكومة الدائمة ، كما اتهم البعض الائتلاف الشيعي بأنه شكلي وآني ومفتعل ومزور ، خاصة أن بعض الحجاج الإيرانيين في الجنوب قد شاركوا في هذه الانتخابات رغم كونهم غير عراقيين مما جعل توازن القوى داخل البرلمان العراقي هو توازن شكلي ومفتعل ، وقد حاز في هذه الانتخابات الائتلاف الشيعي بـ 48.1 من الأصوات وحصل على 140 مقعد داخل البرلمان ، أما المستقلين فحصلوا على نفس النسبة تقريباً ، كما شاركت بعض الأقليات الإثنية مثل التركمان والأشوريين أو الأقليات الدينية مثل الشبك والفيلية والصابئة واليزيدية( ).
لقد كان من أخطاء مجلس الحكم الانتقالي الموافقة على قرار بريمر باجتثاث البعث العراقي ؛ رغم أن هذا الحزب كان في الحياة السياسية منذ أربعينيات القرن الماضي ؛ لأن ذلك أثار الكثير ممن يعتنقون أيديولوجية بشكل صادق ، كما أن مبادئه لم تكن لتتعارض مع الوحدة الوطنية بالرغم من أن قيادته مارست خلال فترة حكمها الكثير من الأخطاء التي أثَّرت على الوحدة الوطنية ، كما ترافق إجتثاث البعث بعدد آخر من القرارات التي رفضتها بعض الفئات العراقية مثل إعلان التاسع من إبريل -وهو يوم سقوط بغداد- عطلة رسمية ، إضافة إلى إلغاء كل عطل البعث بما فيها عطلة 17 يوليو ، كما لم تنجح كل الجهود التي بذلها مؤتمر المعارضة العراقية الذي عقد بعد سقوط النظام العراقي حول جهود إعادة الأعمار في مؤتمر الناصرية في الخامس عشر من إبريل 2003 ، حيث حدث عكس ما دعت إليه هذه المعارضة ، فزادت الهوة بين الطوائف واشتد العنف( ).
لقد كانت مقاطعة العرب السنة لانتخابات 2005 ، قد أدى إلى خسارتهم معظم مقاعدهم في البرلمان العراقي الجديد ،وذلك بعد أن أعلنت هيئة علماء المسلمين بزعامة (أحمد الكبيسي) الذي كان بمثابة مرجع للسنة على غرار المرجع الشيعي علي السيستاني ، وعندما أدركت هذه الهيئة أن مقاطعتها لن تجدي فعمدت إلى الانخراط في الجيش والشرطة العراقية والمشاركة السياسية ، لكن وقع الخلاف بين أعضائها فانتقلت زعامتها إلى الشيخ حارث الضاري ، الذي دعى إلى الضغط على الحزب الإسلامي - الذي دخل تلك الانتخابات - للانسحاب من العملية السياسية ، مما أثار الخلاف بين الحزب الإسلامي وهيئة علماء المسلمين على اعتبار أن العراق مازال محتلاً ولا يجوز الاشتراك في حكومة تحت ظل الاحتلال ، ورفض البنود التي قررها مجلس إدارة الدولة التي أكَّدت على أن العراق بلد متعدد القوميات والمذاهب ، وأن أفراد الشعب العربي كافة متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والعرق ، وأن من حق السلطة التشريعية الرقابة على السلطة التنفيذية ، وحقها في استجواب أعضاء السلطة التنفيذية بما فيها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء أو أي مسئول آخر رغم أن منصب رئيس الجمهورية هو منصب شرفي ، ولا يتعدى حق الاطلاع والمشورة ؛ لأن السلطة الفعلية بيد رئيس الوزراء الذي هو بدوره مسئول أمام الجمعية الوطنية ، وبناءاً على ذلك كانت نسبة السنة العرب تقارب نسبة الأكراد بينما حظي الشيعة بحوالي نصف مقاعد البرلمان العراقي 48.1% ، أما باقي الأقليات فلم تحظ سوى باثنين بالمائة من المقاعد ، وبناءاً عليه تم الاتفاق أن يكون جلال الطالباني(كردي سني) رئيساً للجمهورية ونائباه كل من غازي الياور (سني عربي) وعادل عبد المهدي (شيعي عربي) نائبي، وتم اختيار (حاجم الحسيني) رئيساً للجمعية الوطنية وهو من العرب السنة ، أما إبراهيم الجعفري فهو شيعي عربي رئيساً للوزراء( ).
إن أهم ما أضر العلاقة بين الشعب والنظام الجديد بعد سقوط النظام هو بروز أكثر من مائة وخمسين حزباً ومنظمة سياسية مختلفة التوجهات والأيديولوجيا القائمة على أسس عرقية أو طائفية ، وبعضها ذو علاقة بجهات خارجية وبعضها يرفض العملية السياسية ، ولكل منها مليشيات مسلحة تترجم تناقضاتها وتعكسها إلى أعمال عنف في الشارع العراقي ، وهذا مما أدى إلى انتشار العنف وفقدان الأمن وتسييس وزارت الدولة لصالح الأحزاب المسيطرة على تلك الوزارات من خلال قياديين لهذه الأحزاب ، بغض النظر عن مؤهلاتهم العلمية وكفاءتهم بل من خلال مواقفهم الحزبية التي من خلالها ترشحوا لتولي تلك المناصب القيادية في الدولة ، وأمتد هذا النهج ليشمل مستويات دنيا في الدولة وقد انقسمت الأحزاب بحسب موقفها من العملية السياسية إلى قسمين هما( ):
1) القسم الأول: له مشروع سياسي محدد ويهدف إلى إعادة الحكم السابق مع إجراء التعديلات عليه مثل هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي والتيار القومي الناصري.
2) القسم الثاني: ويتألف من القوى التي تدعو لإنهاء الاحتلال من دون أن يكون لها مشروع سياسي محدد ومنظم ، ولها ارتباطات إقليمية أو دولية خارجية وهذا ما أنعكس على أداءها الوطني مثل : حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ، وجبهة التوافق العراقية ، وحزب الدعوة والبارتي ، وحزب الاتحاد الوطني.
وبالنسبة للمنطقة الكردية فقد كانت في ظل النظام السابق أحسن حالاً من بقية مناطق العراق من حيث المستوى المعاشي والاجتماعي ، وكانت قد أعادت بنيتها التحتية بشكل موسع وكبير بفضل المساعدات الخارجية والرسوم الجمركية للنفط العراقي.
كما أنه عندما وصل زعيم حزب الاتحاد الوطني جلال الطالباني لرئاسة الجمهورية ؛ دعى لإقامة نظام علماني ديمقراطي ؛ إلا أن التيار الإسلامي رفض هذا الاقتراح واعتبر أن ذلك يسيء إلى الإسلام ، والحل بنظره هو تشكيل جبهة وطنية من مجموعة الأحزاب والعناصر الوطنية الديمقراطية ؛ لإخراج العراق من الصراع الطائفي إلى الوحدة الوطنية ، وأن التركيبة السكانية في العراق لا تسمح بوجود الديكتاتورية أو عودتها وأنَّ العراق سيظل يلعب دوره الرائد في الوطن العربي ، وأن شيعة العراق ولايتهم للعراق وليس لإيران ومرجعيتهم في النجف ، كما تذمر رئيس إقليم كردستان مسعود البرازاني من جماعة أنصار الإسلام في كردستان على أساس أن لها علاقات في كثيرة مع مدن العراق وأنهم يقومون بعمليات إرهابية( ).
وفي مواجهة التحديات التي واجهها النظام العراقي في ظل رئاسة جلال الطالباني ، فقد أكد هذا الأخير أن وزارة النفط العراقية هي من يسيطر على النفط وعائداته تأتي لخزينة الدولة العراقية ، والميزانية العراقية تعتمد بشكل أساسي عليه ، وأن حجم الإنتاج يصل إلى مليوني برميل ، وأنه رغم الفساد الإداري فإنه يأمل بانتهاء مديونية العراق من مدَّخر النفط ، وأن قانون إجتثاث البعث لا يشمل كل الأعضاء البعثيين ؛ لأن القيادة القطرية كان فيها تياراً مناضلاً ضد الديكتاتورية ، وضحَّت من أجل ذلك ، لذلك فلها الحق في العمل السياسي في العراق مثل بقية الأحزاب الأخرى ، في ظل وجود عشرات الصحف والفضائيات والإذاعات ، وتتسم هذه الأحزاب بأنها تنقسم على نفسها حتى وصلت إلى المئات وكلها تدعى الديمقراطية والحرية ، وأن الدستور العراقي يساوي بين جميع المواطنين العراقيين بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الحرية الشخصية ، وأن النظام العراقي الجديد يفرِّق بين المقاومة التي تريد إخراج قوات الاحتلال وبين الإرهابيين الذين يقتلون المدنيين في الأسواق والمساجد وساحات العمل ، ويثيرون الفتنة بين السنة والشيعة وغالبيتهم ليسوا عراقيين ، رغم أن بعضهم من أتباع نظام البعث السابق الذي تدعمه بعض الأنظمة العربية ، لكن على الواقع العملي لم تعمل عائدات النفط على تقليل ديون العراق ولم يعرف مصيرها حيث وصلت ديون العراق إلى مائة مليار دولار أمريكي ، ولم تعرف أرصدة بعض أعضاء النظام السابق في الخارج والتي وصلت قيمة ما هدر من أموال خلال فترة الحكم السابق إلى أكثر من ثلاثمائة مليار دولار( ).
أما القصور الرئاسية التي شيَّدها النظام السابق والتي كانت قد جُهزت بأفخم وأرقى التجهيزات في العالم ، وحصنت تحصينات في منتهى القوة ، وكلَّفت مليارات الدولارات ، فقد استثمرتها القوات الأمريكية حال دخولها بغداد ؛ لتصبح مقرات للإدارة الأمريكية في العراق فأحد هذه القصور حوله الحاكم المدني الأمريكي (بريمر) إلى مقر لقيادة العراق منه ، ووضع فيه حراساً على غرار ما كان عليه في العهد السابق ، حيث وصل عددهم إلى خمسون ألف من الحرس الجمهوري الخاص ، رغم أن حزب البعث كان يؤكد على الدوام على الطبيعة اللاطبقية لأعضائه( )، وكان هذا من الأسباب التي أدت بالشارع العراقي إلى الثأر والانتقام من النظام من خلال عمليات النهب والحملات ضد القصور الرئاسية والمقرات الحكومية ، ولم ينفع النظام العراقي ما قام به قبيل الاحتلال عندما عمد إلى توجيه لزعماء القبائل في 25 مارس 2003 أن يتحملوا مسؤوليتهم في مقاومة الغزو ، حيث أن الرئيسي العراقي كان قد اجتمع بأكثر من ثلاثمائة من زعماء العشائر خلال فترة الحرب على العراق ؛ بقصد حشد التأييد الشعبي له حيث أصدر هؤلاء المشايخ بيانات حماسية جددوا فيها تعهداتهم بالولاء للنظام بعد أن نالوا مكافآت جديدة وكميات كبيرة من الأسلحة( ) ، كما لم تنفع دعوات المراجع الشيعية ورجال الدين السنة قبل الاحتلال بضرورة الحفاظ على المال العام ومقاومة الاحتلال وعدم اللجوء لأعمال الثأر ؛ خوفاً من تكرار ما حدث عام 1991 ، إلا أنه بعد سقوط بغداد ودخول المرجع عبد المجيد الخوئي للنجف وإفتائه بفتوى معاكسة مما حذا بمقتدى الصدر إلى قتله مستغلاً شعبيته وتاريخ أسرته وعروبته في وجه المرجعية الفارسية في النجف ، بالرغم من تبعيته الاسمية للمرجع (كاظم الحائري) في مدينة قم الإيرانية ، زد على ذلك أن الكثير من القبائل التي كانت مهمشة فلم تقاوم الاحتلال مثل عشيرة الدليم التي تم استبعادها وتهميشها زمن النظام السابق ، وقد استغلت إدارة الاحتلال العشائر التي لها علاقات وامتدادات في السعودية والأردن لعدم التصدي للاحتلال ، وهذا ما يفسر تعيين أحد شيوخ عشيرة تميم محافظاً للبصرة بعد سقوط النظام ، كما تم تعيين حسين الجبوري محافظاً لتكريت وغازي الياور رئيساً للعراق وهو أحد مشايخ عشيرة شمر( ).
وتجر الإشارة إلى أنه منذ سقوط بغداد تم تعيين (ألن كينغ) من قبل الإدارة الأمريكية كرئيس لمكتب شؤون القبائل ، الذي عمل على تنظيم عملية ميدانية والتهيئة لمقدمات العمل السياسي نحو بناء النظام في العراق ، وإعداد تركيبة مختارة يضمن من خلالها الولاء لهذه الإدارة من خلال من يتم كسبهم من رموز العشائر العراقية ، وإدخالهم في دورات متعاقبة لتعلميهم أصول ومبادئ الديمقراطية وإعدادهم لتحمل مسؤوليات القيادة في العراق الجديد ، لكن لم تدرك الإدارة الأمريكية المحتلة أن العشيرة العراقية هي خزانة القيم والتقاليد الأصيلة وحاملة لواء الحرية والسيادة ولا يمكن أن تتكيف مع مسار عملية تفكيك المجتمع العراقي في ظل وجود الاحتلال أو الحكومات التي تشكلت في ظله وهي لا تدعم قيم تقليدية أو قطرية رغم منافستها للسلطة السياسية في مسألة الولاء بالرغم أن العشيرة لا تشكل كل المجتمع العراقي ، حيث تصل نسبتها كما ذكر سابقاً لربع عدد السكان( ).
وهذا ما يفسر استمرار المقاومة وازدياد قوتها وازدادت معدلات العنف الطائفي ، خاصة ضد من لا يستطيعون حماية أنفسهم أو استئجار حراس شخصيين لهم وقد قاد معظم العمليات ضد مراكز الاحتلال أفراد بعثييون من النظام لسابق ، وهذا ما حذا بأحد المسئولين الأمريكيين إلى التأكيد على ضرورة القضاء على البعثيين الذين يشكلون الركن الأساسي للمقاومة ضدهم وكانت خطتهم في ذلك تشكيل قوات خاصة لمشاة المارينز الأمريكية والسي أي أيه (CIA) ؛ بغية القضاء عليهم عن طريق الاغتيال والخطف واستغلال بعض رجال العهد السابق من البعثيين السابقين مثل (فاروق حجازي) الذي خدم سنين طويلة في ظل نظام البعث( ).
وقد استسلم البعثيون من الدرجة الثانية (الأعضاء العاملين والأنصار والمؤيدين) قيادة المقاومة العراقية ضد الاحتلال منذ سقوط بغداد ، حيث تم تنظيمهم بشكل جديد وقيادة جديدة وأصبح لهم اتصالات داخلية جديدة خاصة أنهم يعرفون الأمكنة السرية لجميع الأسلحة ، وكان الكثير منهم ضباطاً ومتطوعين وهم يتلاقون مع أقاربهم ويعطون ويتلقون التعليمات وينفذونها في الليل ، أما الأعضاء البعثيين من الدرجة الأولى فقد اختفوا وانتهى دورهم ، ومع تصاعد حدة المقاومة والعنف في العراق في بداية 2004 غادرت معظم العائلات الغنية بغداد ، لكن استمرت المقاومة ضد كل من له علاقة بالاحتلال وبرزت مقاومة ضد القاطنين الذين لا يستطيعون شراء حرَّاس شخصيين لهم من قبل المليشيات الطائفية حيث ظهرت عمليات الفرز الطائفي ، خاصة وأنه أحجم الكثير من الآباء على إرسال أبنائهم إلى المدارس ؛ بسبب شيوع ظاهرة اختطاف الأولاد وعدم وجود كوادر علمية من معلمي المدارس ، خاصة بعد أن قرر بريمر تسريح آلالاف المعلمين على أساس انتمائهم لحزب البعث وأن بقائهم في سلك التعليم سيخرِّج بعثيين جدد ، وإن إعادة تأهيل معلمين جدد سيستغرق وقتاً طويلاً ، لكن هذا الإجراء لم يمنع القيادة القطرية لحزب البعث من التأكيد أنها ستستمر في السعي لاستلام السلطة مرة أخرى في العراق بيد أنها أكدت بالمقابل أن حزب البعث سيقيم تعددية حزبية حرة ولن يكون بمفردة في الساحة السياسية ، حتى أن بعض الوجهاء من مدينة الفلوجة ومعظم من الموالين للبعث أكدوا على الروح الوطنية للشعب العراقي على اعتبار أن ما حصل من أخطاء لا بد من تجاوزها لصنع مستقبل أفضل ،ووصل البعض منهم إلى المنطقة الكردية أبَّان أزمة الفلوجة إلى زعيم حزب الاتحاد الوطني الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس العراقي (جلال الطالباني) ، وطلبوا منه التدخل لرفع الحصار عن المدينة والتدخل في مفاوضات مع المقامة ، ووضع خطة مشتركة بين ممثلي الأهالي وبين الحكومة الجديدة برئاسة علاوي بغرض تحقيق الأمن والاستقرار في المدينة( ).
لكن الكثير من الشيعة كانوا يرفضون وجود البعثيين في المواقع القيادية في النظام الجديد ، بينما رأى الكثير من السنة أنه ليس كل البعثيين قد ظلموا الشعب العراقي وأن الكثير منهم قد تعرض للظلم من أفراد النظام السابق ، وهذا يعني أنه يوجد بعثيين شرفاء يرفضون تقسيم العراق ويقاومون من أجل استقلاله وخروج القوات الغازية منه( ).
لقد قامت حكومة علاوي في يونيو 2004 وحتى يناير 2005 تحت ظروف وجود الاحتلال الأمريكي للعراق ، لكنها استطاعت أداء مهمتين هما إقرار وثيقة الدستور المؤقت وهو قانون إدارة الدولة الانتقالية في 8 مارس 2004 ، حيث بيَّن طبيعة النظام السياسية للدولة ، ومهام الحكومة الفيدرالية مثل الإدارة والسيطرة على سياسة الأمن الوطني ورسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والسياسة المالية والتجارية ومهام الحكومة والإدارات المحلية ، وتم في ظل هذه الحكومة إخراج العراق رسمياً من مظلة الاحتلال إلى انتقال السيادة للعراقيين بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1546) الذي صدر في 8 يونيو 2004 ، وبالفعل فقد تم هذا التسليم في يناير 2005 ، إلا أن هذا التسليم تضمن إعطاء صلاحيات شرعية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها للتدخل في شؤون العراقية تحت مبدأ صون الاستقرار ومنع الإرهاب في العراق رغم أن هذا القرار منح الحكومة العراقية إمكانية الطلب ؛ لإنهاء وجود القوات الأجنبية عن أرض العراق بعد اكتمال العملية السياسية في الفترة الإنتقالية ؛ وبناءاً على ذلك فاز في انتخابات يناير 2005 الائتلاف العراقي الموحد ومعظمه من الشيعة إضافة إلى التحالف الكردي ، إلا أن هذه الحكومة لم تحظ باعتراف السنة ولم يشترك فيها سوى قائمة عراقيون بزعامة الرئيس العراقي السابق (غازي عجيل الياور) ، وكان السبب في عدم اعتراف السنة ؛ أنهم اعتبروها حكومة طائفية تهدف لتثبيت شرعية وجود القوات الأجنبية والمحافظة على نفوذ كل من الشيعة والأكراد( ).
وبسبب الخلاف داخل مجلس النواب العراقي ووقوف الكثير من الأعضاء ضد رئاسة إبراهيم الجعفري للحكومة الدائمة ، ومقاطعة الكثير من أبناء الشعب وفئاته لها وخاصة الأكراد الذين رؤوا فيها ميولاً دينية كون الجعفري ينتمي لحزب الدعوة الإسلامية ، لذلك تم اختيار شخصية أقل تشدداً رغم انتمائها لحزب الدعوة وهو نوري جواد المالكي الذي شكَّل الحكومة الجديدة في مايو 2005 إلا أن هذه الحكومة ظلَّت أكثر طائفية من حكومة علاوي ، حيث أن هذه الأخيرة ضمَّت جميع فئات الشعب العراقي تقريباً بينما كلتا الحكومتين (الجعفري والمالكي) كانتا ذات ميل طائفي ؛ بسبب السيطرة الشيعية على مراكز السلطة التنفيذية وخاصة في الوزارات السيادية ، فعلى سبيل المثال فإن وزير الداخلية في حكومة الجعفري وهو (باقر جبر صولاغ) هو تركماني شيعي ارتكب الكثير من المجازر بحق السنة العرب ، وهذا ما جعل المالكي يبعده عن تولي أي منصب في حكومته ، كما أن حكومة علاوي لم تطرح مشروع الفيدرالية أو تدعو إليه ، إلا أن حكومتي الجعفري والمالكي طرحتاه وسعت الحكومة لتثبيت هذا المفهوم في بنود الدستور الدائم حيث تم تكريس نفي هوية العراق العربي ؛ كبلد متعدد الأعراق والمذاهب ، وحاولت حكومة المالكي اتباع نفس الأسلوب التي أقر الفيدرالية في أكتوبر 2006( ).
وعلى الجانب الأمني فرغم أن القرار 1546 ، دعى للسيادة الكاملة للعراق إلا أنه دعى لإقامة شراكة أمنية بين قوات الاحتلال ، وأن يتم التنسيق بينهما ضد الجماعات المسلحة ، وأن تكون ميزانية الدولة وسياستها الاقتصادية من خلال التنسيق بين الحكومة العراقية والأمم المتحدة ، وعلى ذلك فهذا القرار أعطى سيادة منقوصة للحكومات العراقية ، فقد سعت حكومة علاوي للتقارب مع إدارة الاحتلال ووصفت العمليات المسلحة ضده بالإرهابية ، وأصرَّت على بقاء قوات الاحتلال تحت ذريعة تولي مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار في البلاد ، ريثما يتم تشكيل جيش وقوات أمن عراقية ، وأن تتم مساعدة حلف الناتو في حفظ الأمن في العراق حيث وافق حلف الناتو فيالسابع عشر من عام 2004 على مساعدة الحكومة العراقية في إعادة بناء الجيش العراقي وقواته الأمنية ؛ فتم إرسال سبع وخمسين ضابطاً من الحلف لتدريب قوات الأمن العراقية وإنشاء أكاديمية للتدريب والقيادة ؛ لتأهيل القوات المسلحة العراقية وبعد ذلك سعت كومة الجعفري كسابقتها للتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية وطلب مساعدة اقتصادية منها للمساعدة على إعادة أعمار العراق ، كما أكدت ذلك حكومة المالكي فرغم نقل المسؤوليات والصلاحيات الأمنية إلى قوات الجيش والشرطة العراقيين ، إلا أنها أكدت على مبدأ التعاون مع قوات الاحتلال ، لكنها طالبت بوضع جدول زمني لتسليم القوات العراقية لمهامها كاملة ، بيد أنه على الواقع العملي ظلت هذه الحكومة ضعيفة نظراً لقلة صلاحياتها ، وعدم قدرتها على مواجهة العنف المتزايد في العراق( ).
وقد أتبعت حكومة علاوي إستراتيجية لتحقيق المصالحة الوطنية تمثلت بالنقاط التالية( ):
1) إصدار عفو شامل عن أصحاب الجرائم الصغيرة ممن لم يشاركوا في أعمال المقاومة الخطيرة.
2) الشروع في إجراء مصالحة مع القوى السياسية المعارضة ،والبعثيين السابقين الموجودين في الخارج في محاولة لاستقطابهم.
3) التحرك من أجل استيعاب جماعات الرفض الداخلية وزعماء العشائر لإقناعهم بالتوقف عن المقاومة ، فعلى سبيل المثال لجأ علاوي أبان أزمة الفلوجة في أكتوبر ونوفمبر 2004 إلى الجمع بين الدبلوماسية والقوة العسكرية ؛ للتعامل مع هذه القضية حيث عمل مفاوضة الأهالي من أجل وقف الغارات الأمريكية عليهم في مقابل أن يسلم المقاومون أسلحتهم ونشر قوات الشرطة والحرس الوطني في المدينة.
4) إقامة قنوات حوار مع القيادات التي تمثل السنة العرب ؛ لإقناع أئمة المساجد بوقف التحريض ضد القوات الأمريكية والعراقية وهذا ما أسفر عن إقامة ديوان الوقف السني في نوفمبر 2004 من خلال إبعاد الأئمة الذين يحرضون على العنف في المساجد.
5) شق صفوف المقاومة العراقية من خلال إستراتيجية القوة العسكرية ضدها من جهة وتشجيعها على المشاركة في العملية السياسية من جهة ثانية ، وهو ما يعني استعمال إستراتيجية العصا والجزرة.
أما إستراتيجية الجعفري في تحقيق المصالحة الوطنية فقد اعتمدت على الاهتمام بالحوار مع بعض الجماعات المعارضة كلها ؛ بغية احتواء العنف الدائر في العراق ؛ كما أكد رئيس مكتب الأمن القومي في العراق موفق الربيعي في 6 سبتمبر 2005 عن مبادرة للعفو عن المقاتلين في المقاومة ؛ بشرط إلقاء السلاح وقد حدثت بالفعل خطوات إيجابية، فتم إصدار عفو عن المقاتلين لديها في السجون العراقية وفي سجون الاحتلال.
أما إستراتجية المالكي لتحقيق الوحدة الوطنية فقد اعتمدت على عدد من القرارات كان أهمها( ):
1. إعلان مبادرة المصالحة الوطنية في يونيو 2006 لكن لم تجد لها صداً ؛ بسبب تزايد الدعوات الانفصالية على أسس طائفية وإقليمية وتبني الحكومة لسياسة الإقصاء الرامية إلى إجتثاث حزب البعث المنحل وإتباعها منهجاً عنيفاً تجاه التيارات السياسية الأخرى غير الشيعية ، وهذا ما زاد من الهجمات المسلحة ضدها خاصة بعد إصرار المالكي على ضرورة حل الحركات المسلحة ودمجها في الأجهزة الأمنية العراقية ، حيث رفضت ذلك كل هذه الجماعات وعلى رأسها جبهة التوافق السنية والتيار الصدري.
2. السير قدماً نحو سياسة الحوار وتوسيع مسألة المشاركة في العملية السياسية ، وتشكيل لجنة حكومية مهمتها متابعة قضايا المعتقلين وإطلاق سراح الأبرياء منهم على الفور.
3. تفعيل دور القضاء عبر إحالة المتهمين إلى المحاكم.
لكن عملياً فشلت كل هذه الإستراتيجيات في إحلال الأمن وتحقيق المصالحة الوطنية ؛ بسبب تزايد العمليات المسلحة والعنف الطائفي والسياسي بين الجماعات المتنافسة على الحكم في العراق ؛ إضافة لتدخلات خارجية تغذِّي هذه الحالة وعليه فقد أشار معهد (جون هوبكنز) الأمريكي في تقرير له أن عدد القتلى منذ بداية الاحتلال وحتى عام 2006 وصل إلى 655 ألف عراقي أي ما يعادل 2.5% من إجمالي سكان العراق.
وفي إطار الوضع الاقتصادي أشار القرار 1438 الذي صدر عن الأمم المتحدة في الثاني والعشرين من مايو 2005 ، إلى ضرورة إنشاء صندوق التنمية العراقي ، ومنح برنامج النفط مقابل الغذاء مهلة ستة أشهر يتم خلالها تصفيته ، بحيث تتحول أرصدته ومسؤولياته إلى السلطة ؛ التي تقرر مد العقود السابقة أو إنهائها أو تنفيذها أو تعديلها ، كما أن هذه السلطة هي التي تعيد فرز العقود ومدى صلاحياتها وأهميتها وتقرير مصيرها بموجب السلطة الممنوحة ، وقرر أيضاً أن موارد العراق تقع تحت هيمنة هذه السلطة وتمسك حساباتها مجموعة المراجعين المستقلة التي تقدم تقاريرها إلى هيئة الرقابة ؛ لكي تتأكد من الشفافية وتقرر بعد ذلك أن كل الإيرادات الناتجة عن بيع النفط العراقي تودع في صندوق تنمية العراق ويظل هذا الوضع قائماً إلى أن يتم تشكيل حكومة ممثله للشعب العراقي معترف بها دولياً ، ويضمن القرار للموارد المالية والنفطية والغاز العراقي حصانة من الإجراءات القانونية حتى نهاية ديسمبر 2007 ما لم يقر المجلس خلاف ذلك ، وأن صندوق تنمية العراق يتمتع بنفس الحصانات وتحوَّل إلى هذا الصندوق كل الأرصدة الرسمية والشخصية المستحقة لحكومة العراق بعد تجميدها ، ما لم يكن قد صدر بشأنها أحكام من القضاء أو هيئات التحكيم( ).
لقد أفرز الاحتلال الأمريكي للعراق اقتصاداً قائماً على تحكم طاقم اقتصادي في كل الوحدات الاقتصادية الإنتاجية في القطاع مروراً بالقرارات والأنظمة المختلفة والسياسات القطاعية وصولاً إلى السياسية الاقتصادية الكلية والقرارات المتعقلة بالنظام الاقتصادي عموماً ، فقد جيء بالعديد من المستشارين الاقتصاديين المرتبطين بالإدارة الأمريكية المرتبطة بالشركات الرأسمالية وهذا ما وضع مستقبل العراق الاقتصادي عرضه للهيمنة الرأسمالية بشكل عام ولصراعات النفوذ والتنافس السياسي أيضاً ، ولهيئة شركات محددة بعينها فعلى سبيل المثال المستشار (دان آمستوز) كان مديراً لإحدى الشركات الأمريكية وأصبح مسئولاًَ عن القطاع الزراعي ، والمستشار (توماس فولي) الذي كان مديراً لحملة بوش الانتخابية فأصبح مسئولاً عن القطاع العام العراقي والخصخصة ، والمستشار (جيمس بيكر) الذي كان وزيراً للخارجية الأمريكية فأصبح مسئولاً عن قضية الديون العراقية وغيرهم كثر ، فأصبح هؤلاء هم من يملك السلطة الحقيقية دون أي ضوابط مؤسسية عراقية أو محددات اجتماعية أو التزامات معنوية تجاه الشعب العراقي ، ودون أي مراقبة عراقية في حين أنها تحاسب وتعاقب العراقيين وعلى هذا الأساس تمثلت السياسة الاقتصادية في ظل الاحتلال بعدة أمور منها سياسة الانفتاح وإعادة هيكلة وتقليص لدور القطاع العام ، وإلغاء الدعم للسلع وأسعار الفائدة وتخفيض الضرائب على الشركات والرسوم على الواردات وإلغاء التمييز لصالح الشركات الوطنية في عقود ومناقصات الدولة ، وفتح باب الملكية الأجنبية على مصراعيه دون أي اعتبار لما هو مفيد ومطلوب من هذه الأمور ، وكان القصد من ذلك هو توظيف هذه الملكية لأهداف معينة وفتح القطاع المصرفي للرأسمال الأجنبي دون إمكانية تقدير حركة رؤوس الأموال عند الحاجة ، وإدخال القطاع الخاص والمعايير التجارية ورأس المال الأجنبي إلى قطاعات الخدمات والمنافع العامة والقطاع الزراعي دون ضمانات أو قيود أو رقابه كافيه ، وإهمال حقوق العمال ودور الدولة في التقاعد والضمان الاجتماعي دورها في حماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية ، لذلك فالمشروع الأمريكي لن يأتي بالتنمية الرأسمالية ولن يحقق الاندماج مع الاقتصاد العالمي بل ستدخل شركات تعمل في مجال الموارد الطبيعية والنفط والزراعة والخدمات العامة ، وسيتقرر دورها بعد زيادة الطاقات النفطية لامتصاص الفائض النفطي وبالتالي خصخصة الماء والكهرباء( ).
لكن ازدياد العنف في العراق توقف ستون بالمائة من الشركات الكبرى العاملة في إعادة الأعمار ، ورحل سبعون بالمائة من الخبراء الأجانب العاملين في عدة مجالات وتراجع حجم التجارة بنسبة خمسون بالمائة ، وتذبذبت الحالة المعيشية للمواطن لأدنى مستوى لها ، بالرغم من الجهود التي بذلها بريمر لتغيير أسس الاقتصاد العراقي عبر الندوات الاقتصادية التي تدعو لشرح مساوئ الاشتراكية ومحاسن نظام السوق وأسس النظام الرأسمالي الحر وعمله على تطهير الكتب المدرسية والمناهج من الدعاية البعثية ؛ فتم طباعة الكتب التي تدعو للعولمة وتشجع على الانفتاح على العالم الحر( ).
أيضاً مما زاد من ضعف الاقتصاد العراقي ونقصان الدخل الفردي والقومي هو ارتفاع التهرب في ظل الوجود الأمريكي ؛ بسبب نقص قوات الحراسة الكامنة في مصافي النفط وضعف السيطرة على الحدود العراقية ؛ مما حرم وزارة النفط العراقية من الأرباح التي كان يجب أن تكسبها من الوقود كما أن التهريب أحدث نقصاً في مخزونات النفط في جميع أنحاء العراق وهذا خلق طوابير طويلة للحصول على البنزين ،وأدى الافتقار إلى الديزل إلى توقف الكثير من الآلات التي تعمل به ، كما أن ورائه البيروقراطية الجديدة للبيروقراطية القديمة في عهد النظام السابق ، بحيث لا يستطيع أي فرد أن ينفذ أي خطوة دون موافقة عشرات الموظفين مما جعل وزارة المالية في غاية الضعف ؛ بسبب عدم قدرتها على معالجة المواقف الطارئة ، فلم تكن تشرف في ظل مجلس الحكم الانتقالي سوى على ثمانية بالمائة من الموازنة الوطنية ، وظلت المصافي متوقفة حتى أن البنك الدولي توصل إلى أن العراق بحاجة إلى سبع وسبعين مليار دولار لإعادة أعماره( ) ، وبالرغم من أن هذه السياسة التي اتبعتها إدارة بريمر قد أدت إلى تخفيض الضرائب على الشركات المتعددة الجنسيات وخصخصة أكثر من مائتي شركة حكومية ، والسماح للشركات الأجنبية بأن تمتلك خمسة عشرة بالمائة من الأصول العراقية خارج قطاع المصادر الطبيعية ، وذلك بموجب الأمر رقم تسع وسبعين، كما أصبح بإمكان المستثمرين نقل ما نسبته 100% من الأرباح التي يجنونها في العراق إلى خارج البلاد ، وهذا مما زاد من البطالة ؛ بسبب فقدان الكثير من الموظفين لوظائفهم( ).
لقد كان من نتائج تدهور الوضع الأمني عقب تشكيل الحكومة الانتقالية العراقية وازدياد الخلافات بين الأحزاب السنية والشيعية إلى ازدياد حالات الهجرة القسرية المستندة على أساس طائفي ، حيث أعلنت الأمم المتحدة في يناير 2007 أن العنف في العراق أدى إلى أكبر موجة نزوح في الشرق الأوسط منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 ،وأشارت إلى أن أكثر من اثني عشر بالمائة من سكان العراق هجروا أماكنهم ، كما أشارت نفس تلك التقارير أن العراق يأتي في مقدمة الدول التي تعاني من انتشار حالات الفساد الإداري والمالي وسوء الخدمات الأساسية المقدمة إلى المواطنين مثل الكهرباء والماء والوقود والخدمات الطبية والتعليم ؛ حيث بلغت نسبة الفساد السنوية ستة مليارات دولار وعلى هذا الأساس أصبح العراق على شفا حرب أهلية مدمرة تهدد العملية السياسية ، خاصة بعد أن هدد الأكراد بالانفصال لعدم وجود حل لقضية كركوك وانسحاب بعض الكتل من العملية السياسية مثل الوزراء الموالين للتيار الصدري وتعطل مجلس النواب عن العمل ، بسبب تغيب النواب عن الحضور وعدم اهتمامهم بالمجلس ؛ بسبب انتهازية الكثير منهم ورغبتهم في الحصول على مناصب في الدولة ، فحينما لم يتحقق لهم ذلك أهملوا مجلس النواب وأصبح البعض منهم يتحجج بتدهور الوضع الأمني أو إدعاءاته أنه عنده التزامات في الخارج( ) ، ولم تنفع كل المليارات التي أنفقتها الولايات المتحدة منذ دخولها العراق في تقدم العملية السياسية إلى الأمام ، فقد تصاعدت تكاليف العراق من الميزانية الأمريكية من أربعة مليارات دولار عام 2003 إلى ثمانية مليارات دولار بدءاً من عام 2008 ، ووصل مجمل التكاليف الأمريكية في العراق إلى تريليونين دولار أي ما يعادل ألفي مليار دولار ، أنفق منها أربعمائة مليار دولار من مخصصات الحكومة العراقية من أجل الحرب على العراق ، ولم تستطع حكومة المالكي المنتخبة في 19 ديسمبر 2006 التقدم في العملية السياسية حتى عام 2008 ، وظلت حكومة إثنية طائفية لا تمثل أمال الشعب العراقي في ظل ضعيفها و وعدم قدرتها على توحيد البلاد ، وتفشي الفساد فيها ، إضافة إلى تضاعف أعداد المليشيات الطائفية رغم إعلان الإدارة الأمريكية عن دعمها لبرنامج إعادة أعمار العراق من خلال شركاتها الموجودة في العراق ، حيث أن هذه العقود قد منحت معظمها للشركات الأمريكية دون مفاوضة نظامية وليس لها أي سجلات مالية ولم تؤسس أي وحدة محاسبية لصندوق تنمية العراق في وزارة المالية العراقية ، خاصة أن القرار الأول والأخير هو للمستشارين الأمريكيين ولم يسمح للمجلس الدولي للاستشارة والرقابة من أن يكون أداة للمحاسبة ، وحددت سلطات التحالف طبيعة عمله وأداءه ولم يستطع ممارسة عمله ؛ بسبب أنه منع عنه سجلات الإنفاق والتوظيف وخاصة منتجات النفط كما حدث فساد كبير في التخصصات التي تشكلت لصندوق القوات الأمنية العراقية الممول من قبل وزارة الدفاع والذي خصص له إحدى عشر مليار دولار ؛ إضافة إلى ستة مليارات دولار لبرنامج (القائد للرد الطارئ) ، ولم يستطع (ستيوارت بوين) الذي شغل مفتش عام إعادة أعمار العراق من تقديم المتهمين الكبار الذين قاموا بعمليات فساد كبيرة إلى المحاسبة ، ولم يتقصَّ دور المسئولين الكبار في إدارة بوش أو يكشف الغطاء عن فضائح نفقات القطاع الأمني المستورد( ).
كما تم سرق وتهريب مليارات الدولارات من الإنتاج النفطي من دون أي فعل من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة ، فقد قام المهربون ببيع وإعادة تصدير النفط المكرر مثل البنزين والكيروسين والديزل بالرغم من أن الحكومة تستورد هذه المنتجات لتعويض نقص التكرير ، وهذا ما تسبب بخسائر كبيرة للحكومة العراقية ؛ إضافة إلى هجمات المتمردين على منشآت النفط ؛ إلا أن معظم أسباب هذه الخسائر تعود إلى الفساد الإداري في ظل غياب عدادات قياس تدفق النفط ، حيث قدر أن نصف مليون برميل يومياً لا يعرف مصيرها ، وقدرت خسائر النفط الخام سنوياً حوالي ثلاثة مليارات دولار ، إضافة إلى زيادة المصروفات النقدية دون وجود رقابة وتحكم وتدقيق ؛ فتم صرف أكثر من ثمانية عشر مليار دولار دون معرفة مصيرها ، واختلاس مئات الملايين من قبل مسئولين وضباط أمن من الحكومات العراقية فكان وجود الشركات الأمريكية والمناقصات للتغطية فقط عن عمليات الفساد التي تقوم بها الشركات بالتعاون مع مسئولي الحكومات العراقية ؛ فتم تضخيم تكاليف المشاريع بشكل إجمالي ، إضافة إلى وجود شركات وهمية من أجل تصدير وفق فواتير زائفة ؛ وانتشار ظاهرة غسيل الأموال حتى أن مدقق الحسابات في سلطة التحالف المؤقتة (روبرت ستاين) أدين في يناير2007 ، وحكم عليه بالسجن تسعة سنوات ؛ بسبب ما أدين به من فضائح ، وصرفت ملايين الدولارات على حماية المواقع الحكومية والحراسة الشخصية من خلال شركات أمنية حيث يكلف الحارس الشخصي ألف دولار يومياً ، إضافة لما يتكلفه شراء المصفحات والعتاد ؛ وكل ذلك على حساب إعادة إعمار العراق ، وعلى هذا الأساس كان العراق يخسر من ميزانيته ما قيمته أربع وعشرين مليار دولار أي 120 مليار دولار حتى عام 2008 ، هذا عدا تكاليف تدمير المدن والبنية التحتية وهجرة السكان ووفيات الأجنة والعاهات الدائمة والاستنزاف البشري( ).
وعلى الرغم من التحسن الأمني الذي شهده العراق منذ منتصف عام 2007 وموافقة مجلس النواب في 12 يناير 2008 على تعديل قانون إجتثاث البعث إلى قانون المسائلة والعدالة ؛ إلا أن العملية السياسية ظلت أشبه بالمعطلة إذ أنَّ تغييب الحقائق الوزارية للكتل المنسحبة ظلت شاغرة ، وعجز مجلس النواب عن إنجاز العديد من المشاريع المهمة التي كان لها علاقة بالمصالحة الوطنية ؛ بسبب الخلافات بين قادة الكتل السياسية ، ومن أمثلة هذه القوانين قانون النفط والغاز وتوزيع الموارد المالية وموضوع كركوك والتعديلات الدستورية المرتقبة وقانون السجناء والاختلاف على ميزانية عام 2008 ، حيث أثارت عملية إقرار قانون الموازنة العامة لعام 2008 والبالغة ثمان وأربعين مليار دولار جدلاً كبيراًَ في الأوساط السياسية والبرلمانية والاقتصادية ، ومن أهم المشكلات التي واجهت إقرار الميزانية هي مطالبة السلطات الكردية بنسبة سبعة عشر بالمائة من الموازنة في حين أن الإحصائيات الرسمية العراقية أظهرت أن عدد السكان في الإقليم لا يتجاوز ثلاثة عشر بالمائة ، كما أن الأكراد يطالبون بفصل مخصصات القوات الكردية البيش ماركة عن ميزانية الإقليم ، وربطها بوزارة الدفاع رغم أن رئيس الحكومة المنتخبة نوري جواد المالكي ، طرح مبادرة للمصالحة والحوار الوطني أمام مجلس النواب العراقي في نهاية مايو 2006 ، تضمنت حل المليشيات المسلحة ؛ منطلقاً من الفقرة (ب) من المادة التاسعة من الدستور الذي تحظر تكوين الميليشيات خارج إطار القوات المسلحة ، لكن تصاعد الاحتقان الطائفي والمذهبي والإثني حال دون ذلك ، وأفشل كل المؤتمرات التي عقدت من أجل تحقيق المصالحة الوطنية( ).
وعلى هذا الأساس يمكن تحديد ما عاناه الاقتصاد العراقي في ظل الحكومات العراقية الثلاث بعد معضلات أهمها:
• مشكلة الديون والتعويضات الواجبة عليه للأطراف التي تضررت من جراء غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990 ، حيث بلغ إجمالي التعويضات ثلاثمائة وأربع وخمسين مليار دولار ، أما الديون الخارجية على العراق فوصلت عقب سقوط النظام في إبريل 2003 إلى مائة وخمس وعشرين مليار دولار ، لكن استطاعت حكومة علاوي إسقاط بعض الديون ، وتخفيض ديون أخرى من خلال نادي باريس ، حيث استطاعت إسقاط بعض الديون ، وبناءاً على ذلك استطاعت إلغاء حوالي خمس وثلاثين مليار دولار مستحقة على العراق ، أما حكومة الجعفري فقد استطاعت إلغاء ثمانين بالمائة من ديون الشركات الدائنة والبالغة حوالي عشرون مليار دولار ، إضافة إلغاء ديون شركات دول أخرى والبالغة حوالي ثمان وعشرين مليار دولار ؛ أما حكومة المالكي فأطلقت مبادرة عرفت باسم "العهد الدولي مع العراق" ؛ وهي تهدف إلى إقامة شراكة بين العراق والمجتمع الدولي من أجل استقرار العراق ومواصلة عملية النمو السياسي والاجتماعي والاقتصادي ومكافحة الفساد وإدخال إصلاحات على الدعم الحكومي للسلع والخروج من التنمية الاقتصادية ، وتحسين مناخ الاستثمار وجاذبيته وتطوير القطاع الخاص وإدماج العراق مع اقتصاديات المنطقة ، وقد شارك العراقي في اللجنة التحضيرية لتلك المبادرة في أبوظبي خلال الفترة (10/9/2006 – 31/10/2006) وأهم نتائج هذا الاجتماع هو إسقاط الديون عن العراق من بعض الدول والتي وصلت إلى ثمانين بالمائة من حجم الديون المتبقية( ).
• أما بالنسبة لمشكلة التعويضات الواجبة على العراق للمتضررين من غزو العراق للكويت سواءاًَ كانوا أفراداً أو دول أو مؤسسات ،فهذا مما سبب عبئاً على الاقتصاد العراقي ؛ نظراً لاقتطاع نسبة كبيرة من موارده من جانب الأمم المتحدة للوفاء بتلك التعويضات ، ودفعها للمستحق وقد قامت حكومة علاوي بدفع واحد وعشرين مليار دولار ، وأسقطت ستة عشر مليار دولار من إجمالي واحد وأربعين مليار دولار مستحقة ، وعملت أيضاً على عقد عدداً من المؤتمرات والمعارض المخصصة لجهود الأعمار ووقعت مع البنك الدولي عدة اتفاقيات لتقديم مساعدات لدعم مشاريع المياه والصحة ، وتلقت من صندوق تمويل البنك الدولي حوالي 370 مليار دولار ، ونجحت في الحصول على بعض المنح من الدول الأخرى والتي وصلت إلى ثمانمائة مليون دولار ، بيد أن استفحال الفساد في هذه الحكومة من خلال وزرائها مثل وزير الدفاع حازم الشعلان الذي تورط في الاستيلاء على خمسمائة مليون دولار من ميزانية الوزارة وتهريبها إلى بنوك في لبنان والأردن ، أما حكومة الجعفري فرغم أنها عقدت مؤتمرين لإعادة أعمار العراق إلا أنها لم تقم بجهود فعلية في مجال إعادة الأعمار ، كما أنها اتهمت بالفساد مثل اتهام رئيس مفوضيه النزاهة لكل وزراء هذه الحكومة بالفساد ، كما اتهمت بفتح الأراضي العراقية أمام التدخلات الإيرانية في العراق ، أما حكومة المالكي فقد عقدت عدة اجتماعات من أجل حشد الجهود الدولية والمحلية مثل اجتماعات المجموعة التحضيرية لمبادرة العقد الدولي مع العراق ، والتي اختتمت أعمالها في الكويت في نهاية سبتمبر2006 ،حيث طالبت الدول المشاركة بمنح العراق مائة مليار دولار على مدى خمس سنوات مقبلة ؛ لإعادة إعمار العراق وتقويه اقتصاده ، وحصلت على مليار ونصف المليار من الدول المانحة لصالح جهود الأعمار ، إلا أنها اتسمت بالفساد وسيطرة الشركات الأمريكية خلالها على عقود الإعمار ، وفساد قطاع النفط والغاز الطبيعي ، وبناءاً على ذلك فقد فشلت الحكومات الثلاث في تحقيق إنجازات اقتصادية ملموسة ، فلم تضع أي منها أسس صلبة لبناء اقتصاد السوق والمنافسة الحرة من خلال تحرير تدفق التجارة الخارجية ونشاط الاستثمار ، وبناء الكفاءات الإدارية والعمل بعدد من القوانين والإجراءات في المجالات السياسية والمالية والنقدية ، حيث مازال الاقتصاد العراقي يعاني من التخبط والتراجع الكبير في بنيته ؛ بسبب تفاقم الوضع الأمني الذي أثَّر على المنتجات النفطية ؛ بسبب عمليات التفجير المتواصلة ، أما برامج إعادة أعمار العراق فقد اتسم بالبطء النسبي في ظل الفوضى الأمنية ، رغم أن هذه الحكومات اتبعت عدداً من الخطوات والإجراءات ؛ لإعادة بناء البنية التحتية وبناء ما دمرته الحروب التي شهدها العراق في العقود الماضية ، كما لم ينفذ على أرض الواقع أكثر من خمسة بالمائة من المبالغ المقررة ، وقد اعتلى العراق الترتيب قبل الأخير في مؤشر (مدركات الفساد) الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية في السادس من ديسمبر 2006 ؛ بسبب استمرار الدور السلبي الذي يلعبه وسطاء برنامج النفط مقابل الغذاء في قيادة الفساد في العراق ، وهذا ما انعكس سلباً على اقتصاد الدولة ومؤسساتها المختلفة( ).
مما سبق نصل إلى أن سقوط النظام البعثي في العراق من قبل القوات الأمريكية ، وتشكيل مجلس حكم انتقالي تحت الرعاية الأمريكية ، وتأييدها من خلال المعارضة العراقية التي أفرزت الحكومات العراقية الثلاث علاوي والجعفري والمالكي ؛ لم تستطع هذه الأخيرة ولا مجلس الحكم الانتقالي قبلها إحداث تفاعل إيجابي بين الشعب العراقي وبينها ، حيث كانت المقاومة العراقية التي قادها حزب البعث الذي انتقل إلى صفوف المعارضة ، قد أجهضت أي تقدم على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وازداد انقسام التيارات والأحزاب العراقية عقيدياً إلى والإثنيات والمذاهب والطوائف والأقاليم التي ينتمي إليها أفرادها ، وحدوث عمليات هجرة داخلية وخارجية ؛ بسبب أعمال العنف المحلي وازدياد عمليات الفرز الطائفي وضرب المصالح الاقتصادية للحكومة العراقية والشركات العاملة في العراق من قبل المقاومة العراقية ، إضافة لما حدث من فساد إداري واقتصادي وتهريب رؤوس الأموال وازدياد عمليات التهريب في ظل الحكومات العراقية ، وهذا ما جعل المحدد الثالث من محددات الوحدة الوطنية وهو التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي سلبياً ، كما أن تأثير البعث خلال هذه الفترة كان سلبياً أيضاً ؛ كونه عمل على مقاومة الحكومات العراقية والعمل على استعادة السلطة ؛ مما تسبب في عدم استقرار سياسي أثر على حياة أفراد الشعب ، ورغم ذلك فقد فشل في استعادة السلطة .
جدول رقم (1)
عدد السكان والناتج القومي ونصيب الفرد العراقي
مقارنة بالمتوسط العالمي لعام 2005
السنة 2005
عدد السكان 28 مليون نسمة
الناتج القومي الإجمالي بالمليار دولار (طبقاً لسعر الصرف السائد) 31.7 مليار دولار
متوسط نصيب الفرد منه بالدولار 1132 دولار
الناتج القومي الإجمالي بالمليار دولار (طبقاً لتعادل القوى الشرائية مع الدولار) 31.7 مليار دولار
متوسط نصيب الفرد منه 0 دولار

المصدر: أحمد إبراهيم محمود – حالة الأمة العربية (2005-2006) : أزمات الداخل وتحديات الخارج – تحرير أحمد يوسف ونيفين مسعد – بيروت – مركز دراسات الوحدة العربية 2007 ص 204.





جدول رقم (4)
تطور عوائد صادرات النفط العراقية بين (1998-2005)
القيمة بالمليون دولار
السنة العوائد (مليون دولار)
1998 6790
1999 12104
2000 18150
2001 15685
2002 10400
2003 8627
2004 17751
2005 24058
المصدر: أحمد إبراهيم محمود – مصدر سابق ذكره ، ص 211.
ثالثاُ : مدى تحقيق الحرية والعدالة والمساواة في الدولة
بعد سقوط البعث العراقي على يد الاحتلال الأمريكي ، توقفت مؤسسات الدولة لتقديم خدماتها الأمنية والحياتية ، وترسخت الفوضى وفرضت أعباء جديدة على كاهل المواطن وازدادت البطالة ، وانتشرت مظاهر الفساد الإداري والاجتماعي وأخذ البعض يسرقون أجهزة وأثاث الدولة ومعداتها وعرباتها ويقومون ببيعها في دول الجوار ، وانتشرت تجارة النخاسة من خطف الأطفال والبنات ، إضافة إلى المخدرات وتجارة التزوير للوثائق الرسمية ، ومارست قوات الاحتلال القتل العشوائي ومداهمات المنازل ، والاعتقالات والسرقات وإهانات المواطنين ، مثل إجبارهم على الانبطاح على بطونهم في الشوارع بغية تفتيشهم وسرقة ما في جيوبهم واتباع سياسة الأرض المحروقة ؛ بدعوى البحث عن عناصر المقاومة وضرب التظاهرات السلمية بالرصاص ، ومداهمة الصحف واعتقال أصحابها ، ومداهمة الأماكن الدينية أيضاً وممارسة القصف والقتل تجاهها ، إضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان لآلاف من المعتقلين العراقيين وإساءة معاملتهم ، وقد تم الكشف عن جزء مثير من فضائحها في سجن أبو غريب السيئ السمعة منذ عهد النظام السابق( ).
ومما زاد الأمر سوءاً أن إدارة الاحتلال بقيادة بول بريمر قامت بتعيين مجلس الحكم الانتقالي الذي أصدر قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بموجب الأمر رقم (96) بتاريخ الثامن من مارس 2004 ، وكان هذا بمثابة دستور مؤقت للبلاد متضمناً رسم خطوات إجراء الانتخابات ، وإصدار الدستور الدائم وإنشاء حكومة منتخبة ، ثم صدر القانون بتشكيل مفوضية الانتخابات العراقية في الرابع من مايو 2004 ، ثم قام بريمر بتعيين أعضائها وأغلبهم من حملة الجنسية الأمريكية من العراقيين ، حيث أن من يحصل على الجنسية الأمريكية عليه أداء القسم بالولاء الوحيد والأساسي للولايات المتحدة ؛ إضافة أن بريمر لا يملك الحق في تشريع مثل هذه القوانين ، خاصة أنه أصرَّ على إجراء انتخابات إقرار دستور قبل إلغاء صفة الاحتلال عن العراق ، وفي ظل غياب أي إشراف دولي محايد أو مستقل ، وهذا ما يشكك في تشكيل حكومة منتخبة تعقد اتفاقيات تكبل الشعب العراقي مستقبلاًَ( ).
وفي ظل غياب الظروف الموضوعية ؛ لإجراء انتخابات نزيهة جرت انتخابات صيف 2004 ، وسط مقاطعة أطياف واسعة من الشعب العراقي ، وممارسة مختلف أنواع التزييف ، فكانت النتيجة ولادة حكومة طائفية عرقية قدمت مسودة دستور مستنسخ من قانون المحتل لإدارة الدولة العراقية السابقة ؛ بغية عرضه على استفتاء عام في الخامس عشر من أكتوبر 2005 ، رغم ما في القانون المذكور من مواد تشكل خطراً كبيراً على حاضر ومستقبل العراق ، وفي ظل الاستفتاء الذي قاطعة السنة العرب ، وتدخل بعض المرجعيات الدينية الغير مدركة لخطورته ، فرض الدستور المؤقت على الشعب العـراقي والذي عني به القبول بالاحتـلال.
كما أن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية من قرار ليس من حقها وإنما من حق الحكومة العراقية ؛ هو وضعها لقائمة تضم خمس وخمسين شخصية عراقية وصفتها بالقائمة السوداء وطلبت من كافة الدول المساعدة في القبض عليهم وأن تقوم هي بنفسها بتقديمهم للمحاكمة ، وتحذير الدول التي تؤويهم من مغبة هذا العمل ، وكل هؤلاء أعضاء قياديين في حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي وعلى رأسهم أمين عام الحزب صدام حسين ، كما عملت الولايات المتحدة على تحميل الاقتصاد العراقي المنهك بسبب الحرب تكاليف وأعباء الحرب التي شنتها على النظام العراقي ، وبالتالي إرهاق الأجيال القادمة المثقلة بهذه الديون ، بغية استمرار الهيمنة الأمريكية على العراق ورهن مستقبل العراق واقتصاده لأجيال قادمة وهو حالة من الاسترقاق الأمريكي المعاصر( ).
ولمعالجة الوضع الأمني المتدهور في العراق ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على مجلس الأمن لإصدار القرار 1483 الذي صدر في الثاني والعشرين من مايو 2003 ، الذي حثَّ على تطبيق القانون الدولي الإنساني في اتفاقيات جنيف عام 1949 في لوائح لاهاي للحرب البرية لعام 1907 ، وهو التزام يفرض على الدولة المحتلة ، ويعالج هذا القرار موضوع المفقودين العراقيين ومن جنسيات مختلفة ، وحقهم في استعادة ممتلكاتهم والعودة إلى ذويهم واستعادة جثثهم وإعادة اللاجئين والمشردين ، وتنسيق الجهود الإنسانية وإعادة الأعمار من جانب الأمم المتحدة ، وحماية حقوق الإنسان ، كما أشار القرار إلى تشجيع الجهود الدولية لإعادة بناء قدرات الشرطة المدنية العراقية وإصلاح الجهاز القانوني والقضائي ، كما قرر رفع الحظر عن العراق الذي فرض عام 1990 بموجب القرار رقم 661 ، وحل لجنة العقوبات التي أنشأها هذا القرار باستثناء الأسلحة ، وأن يبقى العراق مطالباً بالوفاء بالالتزاماته في مجال نزع السلاح رغم تأكيد الولايات المتحدة من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل وعدن العثور عليه ، كما قرر مجلس الأمن رفق القرار المذكور1483 على ضرورة محاكمة رموز النظام العراقي رغم أن ذلك القرار يتجاوز اختصاصات المجلس ، وهذا ما دعى مجلس الحكم الانتقالي إلى إصدار قرار بضرورة اعتقالهم ونقل أرصدتهم المالية والاقتصادية إلى صندوق التنمية خاصة بعد تشكيل مجلس الحكم الانتقالي في العراق على أساس أنه يمثل حكومة انتقالية عراقية ، خاصة أنه لم توجد حكومة منتخبة على مدى تاريخ العراق ، وقد حاول المجلس أن يثبت نفسه من خلال الإعلام الغربي عن طريق مقارنة سجلات النظام السابق من جرائم وقتل ومحاكمة رموزه ، وذلك بما يشغل الناس عن المجلس الانتقالي ؛ تمهيداً لصناعة مجلس دائم( ).
إلا أنه بعد مقتل ولدي صدام حسين (عدي وقصي) ظن الكثيرون أن المقاومة البعثية للاحتلال قد انتهت ، لكن أثبتت الوقائع أنها ازدادت بالرغم من قيام قوات الاحتلال بتشكيل قوات حفظ السلام بغية العمل على استقرار الأوضاع في العراق وتغطية هذه القوات بقرار مجلس الأمن على أساس أنها قوات دولية ، لكن عملياً فإن ما قامت به الولايات المتحدة هو لهدف استغلال النفط العراقي في أعمار العراق ، وتوزيع المنافع على أصدقائها وتحصيل نفقات الحرب وتكاليف الوجود العسكري الأمريكي وتعويض المتضررين من أفراد قواتها المسلحة ، وذلك بعد أن تشكلت حكومة انتقالية ثم دائمة رحب بها مجلس الأمن( ).
لقد ازدادت المقاومة العراقية نتيجة الانتهاكات والتعذيب للمعتقلين العراقيين في سجون الاحتلال الأمريكي ، وخاصة في سجن أبو غريب ، حيث ارتكبت عناصر الشرطة العسكرية الأمريكية انتهاكات خطيرة من بينها تصوير معتقلين رجالاً ونساءاً بالفيديو والكاميرا وهم عراة ، وإرغام معتقلين ذكور على ارتداء ألبسة نسائية داخلية ، وتطويق رقاب بعض المعتقلين بسلاسل كلاب والتقاط صور فوتوغرافية معهم ، وإقدام عناصر الشرطة العسكرية على انتهاك أعراض السجينات العراقيات ، وتصوير جثث المعتقلين العراقيين ، وقد أثبت التقرير أن هؤلاء العناصر قد تلقوا مديحاً من رؤسائهم لإقدامهم على هذه الأعمال وأشار التقرير أن هناك ثلاثة حالات من انتهاكات التعذيب وثلاثة عشر قيادياً من القوات الأمريكية مسئولين مسئولية مباشرة عن هذه الأعمال ، وعلى هذا الأساس أكدت التقارير الأمريكية أن هناك تنسيقاً للمقاومة فيما بينها في مختلف المناطق العراقية ، كما أن هناك بيانات تصدر باسم القيادة العامة للمقاومة الوطنية تشير إلى أن هناك تنسيقاً بين قواها ، كما توجد منظمات إرهابية (غير وطنية) ولا تدخل في المقاومة وهي التي تقوم بعمليات إرهابية وتقتل رجال الأمن العراقيين الذين يعملون للحفاظ على أمن المواطنين العراقيين ، رغم استغلال قوات الاحتلال والحكومات العراقية لما وجد من مقابر جماعية للادعاء أنها من صنع النظام السابق على أساس ارتباطاته بالمقاومة الموجودة والتي ما زالت تقوم بعمليات القتل الجماعي في العراق ، إلا أن الكثير من الأدلة أشارت إلى أن الكثير من هذه المقابر لم يكن فقط للمعارضة ، وإنما كان للجيش العراقي المنسحب من الكويت أو الكثير من البعثيين الذين قتلوا أبناء الغزو الأمريكي للعراق، إضافة لما قامت به الفصائل الكردية مع بعضها البعض من عمليات عسكرية مثل القتال بين حزب الاتحاد الوطني والحركة الإسلامية في كردستان العراق ، أو بين اليارتي والاتحاد الوطني قد خلَّفت الكثير من هذه المقابر( ).
وحول صوغ الدستور العراقي فقد اختلفت الفئات السياسية الموجودة على الساحة العراقي ، واتخذ الخلاف حول الدستور بعداً سياسياً وقومياً ومذهبياً منذ الإعلان عن تشكيله لجنة دستورية ، فقد رأت التيارات الكردية ضرورة اعتماد الدستور صيغة الفيدرالية بين العرب والأكراد ، وليس فيدرالية على أساس جغرافي أو إقليمي ، كما دعت الأحزاب السياسية العراقية سواء السنية أو الشيعية رغم أن هذا الدستور قد تضمن ضمانات في شأن احترام حقوق الإنسان ، والحريات العامة وتحريم التعذيب والعقوبات الجسدية وإعطاء حقاً في الجمعية الوطنية لا يقل عن خمس وعشرين بالمائة ، وقد وافق اثني عشر عضو من أعضاء مجلس الحكم البالغ عدهم خمس وعشرين على توقيع الدستور ؛ حفاظاً على الوحدة الوطنية ، لكن هذا الدستور لم تشر بنود مواده على قوات الاحتلال الأجنبية الموجودة على أرض العراق التي أخذت تزج بالمواطنين دون أدلة ملموسة في التورط في أعمال المقاومة ، وتستفز المواطنين بدخولها للبيوت بصورة سافرة ، وتعبث بممتلكاتهم وتهينهم وتقتحم المساجد والحسينيات ، وتلقي بقنابل على المدن بغية تدميرها ، ومعظمها قنابل موجهة بالأقمار الصناعية (القنابل الذكية) على أوكار المقاومة ، كما أنها أصبحت تستخدم وسائل الرشوة والدعاية وتسخر وسائل الإعلام لتحقيق سياساتها ، وتنعت المقاومة بصفات تثيرها بشكل أكبر مثل (فلول النظام السابق ، وأيتام النظام ، والإرهابيين الخارجين ، والسراق ، واللصوص.....إلخ) ، بالرغم من أن المقاومة شملت كل أنحاء العراق ، ولإعطاء شرعية في عدم محاكمة أفراد القوات الأجنبية الأمريكية أقرت إدارة الاحتلال قانون السلامة الوطنية من خلال الحكومة العراقية ، والذي بموجبه يتم الاعتقال العرفي والتوقيف دون قرار من المحكمة ( )والسجن لمدة غير محدودة مما يتعارض مع حقوق الإنسان والديمقراطية ، وكان القصد من ذلك إضعاف المقاومة التي ازدادت بشكل مضطرد نتيجة عدة أسباب أهمها( ):
1) ازدياد الضغط الأمني للقوات الأمريكية وإمعانها في تطبيق الكثير من السياسات الجائرة التي عملت على تفجير الغضب العراقي ؛ بسبب استفزاز مشاعر العراقيين بالتأثير على تركيبتهم الاجتماعية والدينية ، وقد تمثلت هذه التصرفات في أعمال العنف مثل المداهمات الليلية بقصد الترويع والصدمة واقتحام المنازل بشراسة.
2) تردي الأوضاع المعيشية وتفاقم حالة البطالة.
3) تنامي حالة ما يمكن أن يدعى بثقافة المقاومة ؛ لطرد المحتل ؛بالترويج من خلال المجلات الشهرية والنشرات المعلقة والشعارات المكتوبة على الجدران ، في ظل انتشار شبكة الانترنت التي استفادت منها المقاومة العراقية لنشر أفكارها وتعبئة الرأي العام لصالحها.
ومما زاد من تفاقم الأوضاع الأمنية في العراق هو ظهور الفساد في وزارة الداخلية في الحكومات العراقية المتعاقبة ؛ بسبب اختراقه من قبل الكثير من ذوي السوابق الجنائية والإعاقات البدنية ، ممن هم غير مؤهلين لها كما أن الكثير من الأموال المخصصة لوزارة الداخلية يتم تحويلها إلى عصابات متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة في سجون الشرطة ، مثل قوات عصابات متهمة بانتهاكاتها الواسعة في سجون الشرطة مثل: قوات فيلق بدر والبيش ماركة الكردية ، كما تم الكشف عن مئات الأسماء الوهمية التي تتقاضى رواتب من دون عمل لها ، ففي وزارة التموين يتم سرقة المواد التموينية المخصصة للبطاقات ، وانتشرت قاعدة المحاصصة الطائفية والإثنية في حكومة الجعفري ، مما أبعد هذه الحكومة عن الكفاءات والخبرات ، إضافة لما انتشر فيها من محسوبية وتعيين للأقارب وانتشار عمليات النصب المالي المنظم من قبل عصابات المافيا لتهريب النفط والمواد الغذائية وعملية إغراق السوق العراقية بسلع خارجية رخيصة ؛ لضرب المنتجات المحلية العراقية من خلال شركات كبرى تقوم باقتسام الغنائم مع شركائها المحليين في الحكومة ذات المنحى الطائفي العرقي ، وهذا مما أدى إلى تزايد الاحتقان الطائفي نتيجة الصراع على الموارد الاقتصادية والإدارية ، فعلى سبيل المثال أن المنحى الطائفي لكل من وزيري الدفاع والداخلية في حكومة الجعفري ضد المناطق السنية قد أثار بعض التنظيمات السنية مثل تنظيم القاعدة في العراق ، الذي أعلن عن حرب ضد الشيعة ورجالات الدين الذين ينتمون إليها ، إضافة إلى المساجد والحسينيات الشيعية كما أن ظهور الكثير من الصحف الطائفية والسياسية في ظل الحكومة المذكورة والتي وصل عددها إلى 280 صحيفة قد أثار الشعب ضد بعضه البعض والتيارات ضد بعضها البعض ، وهذا ما أثَّر سلباً على الوحدة الوطنية في العراق( ).
لقد صاحب إعداد مسودة الدستور العراقي الدائم خلل أمني عرَّض حياة الكثير من المواطنين للخطر ؛ بسبب غياب التمثيل المتوازن للبرلمان وسيطرة الأحزاب الشيعية على لجنة إعداد الدستور ، حيث أنَّ معظم أعضائها الخمسة والخمسين من الشيعة ، وعلى هذا الأساس جاء هذا الدستور بناءاً على رغبة كل من الأحزاب الشيعية والكردية دون اعتبارات وطنية ؛ لأن بعض المواد تتعارض مع الأهداف الوطنية مثل مبدأ الفيدرالية الذي رآه البعض يبعد النظام الجديد عن الديكتاتورية ، وقد استغلت الأحزاب الشيعية بعض المواد في قانون إدارة الدولة مثل المادة (61) التي تنص على أنه لن ينجح الدستور ، إلا إذا فاز بأغلبية المقترعين ، ولم يصوت ضد ثلثا المقترعين في ثلاث محافظات ، أو أكثر وقد فسَّر هؤلاء كلمة المقترعين ، بأنهم المسجلين في قوائم الانتخابات في الحالة الأولى ، أما في الحالة الثانية فهم الناخبين الذين يدلون بأصواتهم ، وعلى هذا الأساس جاء لفظ الناخب والمقترع في مادة دستورية واحدة بمعنيين مختلفين ؛ بسبب تخوف الكتلة الشيعية من تصويت المحافظات الممتنعة عن التصويت (المحافظات السنية) ، ومن ثم تهديد هيمنة الشيعة على النظام الجديد ، وقد بررت بعض الأحزاب الشيعية قبولها لمبدأ الفيدرالية بأنه إنما جاء بسبب ما تعرضت له من تهميش سياسي وتدهور اقتصادي لشيعة العراق في الجنوب ورغبتهم في تطوير مجتمعهم بقيادة علمائهم الدينيين من خلال موارد الجنوب( ).
تم تكريس عادات وتقاليد لم تكن موجودة في ظل النظام السابق ، خاصة في إحياء الشيعة لأعيادهم الدينية فقد اتسع نطاق الثقافة الطقوسية لديهم ، وقد استفاد الكثير من هؤلاء من ثورة الاتصالات العلنية بعد أن كان النظام السابق قد حرمهم منها من حرية التفكير والاعتقاد والرأي ، فتم إيجاد قنوات فضائية شيعية وصحف شيعية حزبية أو مستقلة ، تعبِّر عن توجهات الأحزاب والأفراد في ظل وجود آلاف المواقع الالكترونية على شبكات الانترنت ، ومعظمها يسرد حجم الظلم والقمع الذي تعرض له شيعة العراق على يد النظام السابق ، وأحقيتهم في الإمساك بالسلطة ، وهذا ما يفسر خروج المظاهرات التي تطالب بإعدام الرئيس العراقي صدام حسين ؛ بسبب المجازر التي تعرضوا لها مثل مجزرة الدجيل عام 1982 ، وعلى هذا الأساس أصبح الوجود الشيعي ثقافياً واجتماعياً واقعاً ملموساً في العراق الجديد ، فأصبحت تقام المجالس الحسينية لاستذكار حدث استشهاد الإمام الحسين (رضي الله عنه) ، وما يحدث فيها من بكاء ولطم للخدود والصدور وضرب الرأس وجرحها بأدوات حادة واستخدام السلاسل الحديدية ؛ لضرب الكتفين والظهور ، وإقامة مسرحية الحدث في الهواء الطلق ويطلق عليها اسم (التشابيه) التي تروي أحداث واقعة كربلاء مع تجسيد لأشخاصها الأساسين ، بحضور أعداداً كبيرةً من الناس بهدف إقامة العزاء بداخلها ، أو الاحتفالات الدينية ، فأصبحت هذه الحسينيات تُستغل بقصد التجارة بها ؛ لأن من حق مالكها أن يبيعها كما أنه في إقامتها يستغل تبرعات التجار واستغلالها للزواج وإقامة المآتم الخاصة ، فجعلوا كل هذه الأشياء مبررة مستغلين شعار حب الإمام الحسين (رضي الله عنه) لجمع الأرباح ، ويصاحب هذه الأعياد تكاليف باهظة ؛ بسبب استدعاء الكثير من قوات الأمن والشرطة لحماية قوافل الحجاج كما أن أعمال صيانة هذه الحسينيات تستخدم من أموال الأوقاف وليس من الخمس( ).
ومما أثر سلباً على انقسام الشارع العراقي هو القنوات الفضائية الشيعية والسنية والكردية وغيرها ، تلك التي تفتقد إلى الحياد كونها تعكس رؤية الأحزاب والحركات وتروج لأفكارها على حساب الحقيقة ونزاهة المعلومة ، حيث ظهرت الكثير من الفضائيات العراقية بعد سقوط النظام فأخذت الفضائيات الشيعية على سبيل المثال تفضح النظام السابق ونشاطاته الاقتصادية ،وأخذت تفضح الأحزاب والتيارات المنافسة الأخرى التي جاءت في عهد الاحتلال على اعتبار أن رؤساء هذه الأحزاب أخذوا يستلغون سلطتهم في الحكومة ؛ لإنشاء شركات وهمية إلا أن بعض الأحزاب السنية أخذت تدافع عن النظام السابق ، الذي رأته أنه كان خالياً من الاضطرابات التلقائية على عكس النظام الذي جاء بعد الاحتلال ، كما أخذت التيارات الدينية المدعومة من قبل الحوزة الدينية في النجف تروِّج لنفسها من خلال زيادة دورها في الحياة السياسية والاجتماعية ، وذلك بقيامها ببناء المدارس والمستشفيات والمكتبات ، وعمل رئيس المؤتمر الوطني (أحمد الجلبي) على الترويج لنفسه من خلال إقامة ما يعرف بالبيت الشيعي وهو منظمة يمارس من خلالها نشاطات كثيرة مثل كفالة اليتيم الشيعي ، كما قام مقتدى الصدر بإنشاء بعض المكاتب للخدمات الاجتماعية واستقبال الشكاوي والدعم المادي للمنكوبين ومساعدتهم على العودة لمناطق سكانهم( ).
كان سقوط البعث العراقي قد أدى لإفراغ الغضب الشيعي المكبوت داخل الشعب العراقي الذي تضرر من النظام السابق ، وقد عبَّر الكثير من المواطنين عن كبتهم من خلال أعمال السلب والنهب للأماكن العامة ، وتشويه الكثير من المباني المرتبطة بالجيش وبأجهزة المخابرات المنتشرة في أنحاء البلاد ، ونهبت الثكنات والمنشآت التي تمتلكها الدولة ، وارتفعت جرائم الشوارع والسطو المسلح والاختطاف والقتل والاغتصاب وعمد مجلس الحكم الانتقالي وإدارة الاحتلال بقيادة بريمر والحكومات العراقية التي جاءت بعده على العمل ، لإجتثاث البعث من المجتمع العراقي من خلال ملاحقة وإبعاد المستويات الأربعة في حزب البعث وهم الذين كانوا في القيادة القطرية وقيادة الشُعب الحزبية أو الفرق الحزبية أو الأعضاء العاملين في الحزب وهم الذين كانوا يمسكون بإدارات الدولة المهمة ، وبناءاً عليه قرروا إلغاء حزب البعث وإبعاد قيادته عن مواقع السلطة ، وحظر كل من شغل المناصب الأربعة الآنفة الذكر في قيادة الحزب ، من تولي أي مناصب عامة في المستقبل وأنه سيتم تقييم هؤلاء الأعضاء في الحزب بالنسبة لسلوكهم وأخطائهم ووضعهم إذا لزم الأمر رهن الإقامة الجبرية ، وضرورة التدقيق في عضويته كل مسئول في الإدارة الحكومية الجديدة والجامعات والمعاهد والمستشفيات والشركات والمؤسسات العامة وحظر عرض صورة الأمين العام لحزب البعث وأشباهه ، أو أحد من أعضاء نظامه أو حزبه ، لكن هذا كان فيه إجحاف بحق الكثير من أبناء الشعب العراقي ؛ الذين لا علاقة لهم بأخطاء النظام السابق والدليل على ذلك هو فوز البعثيين في ظل حكم بريمر في انتخابات جامعة بغداد ليس لموالاتهم للنظام ، بل لأنهم قدموا أفضل القوائم تنظيماً وإن الموافقة على هذه الانتخابات كانت ضرورية لإنهاء الفصل الدراسي الجامعي ، لكن رغم ذلك رأى بريمر أنه لابد لإدارة الاحتلال من إخراج هؤلاء فيما بعد من الجامعة ، إضافة إلى أنه تم إصدار قائمة تضم خمس وخمسين قيادياً في حزب البعث منهم سبع وثلاثين عضواً من الشيعة وهذا ما يؤكد أنه كانت لهم مناصب مهمة في ظل حكم البعث السابق( ).
لقد رأى بريمر أن القضاء على حزب البعث في العراق يكون من خلال إلقاء القبض على الأمين العام للحزب وولديه ؛ معتقداً أنهم هم من يقود المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال ، وعلى هذا الأساس خصص مبلغ خمس وعشرين مليون دولار لكل من يشي عنه ، ومبلغ خمسة عشر مليون دولار لمن يشي عن أحد ولديه، ثم عمل على استقطاب بعض البعثيين من النظام السابق بقصد اتباع سياسة العصا والجزرة ، فتم إعادة أكثر من خمسمائة من الشرطة العراقية السابقة إلى وظائفهم ، بينهم الكثير من القيادات المخابراتية السابقة مثل (زهير النعيمي) ، وبالفعل فقد نجح في قتل كل من ولدي صدام حسين وهما عدى وقصي ، وهذا مما قلل الخوف الذى كان يستحوذ على الشعب العراقي ؛ بسبب قسوتهما ضد أبناء الشعب العراقي ، كما تم اعتقال الكثير من المشتبه فيهم من البعثيين السابقين وإعادة تأهيل بعضهم على احترام حقوق الإنسان ، وبلغ عدد هؤلاء حوالى خمسة عشر ألف شرطي( ).
لكن كل هذه الإجراءات لم تقلل من اللصوصية وأعمال التخريب التي برزت في ظل حكم بريمر ومجلس الحكم الانتقالي ، حيث أخذ اللصوص يقومون بتهريب الديزل في شاحنات صهريجية ثم إلى ناقلات فقط صغيرة ترسل إلى مواني أبو ظبي ودبي حيث الأرباح الكبيرة ، ثم يتم تهريبها إلى الدول المجاورة بمرابح تصل إلى أربعين ضعف السعر المدعوم المتقاضى في العراق، كما استغلت عصابات التهريب عشرات آلاف المجرمين الذين أطلقهم النظام السابق قبيل سقوط بغداد في سرقة كابلات أسلاك الكهرباء لجني النحاس ثم صهره في مصاهر سرية ، وهذا مما أدى إلى إتلاف الحقول النفطية قرب البصرة، وأدى إلى تناقص المتاح في العراق نصف مليون برميل يومياً، أي ما يعادل عشرة ملايين دولار يومياً ، كما أعاقت الأعمال الإرهابية إعمار العراق بالرغم من عشرات المشاريع الصغيرة، وتوقف الشاحنات عبر المحافظات العراقية، والتسبب في وقف بناء المدارس أو العيادات ، وهذا مما أخاف المقاولين الأجانب خاصة بعد أن شن مقتدى الصدر هجوماً على معارضيه وشكل قائمة من بعض الشخصيات التي وصفها بالخونة، وأجاز قتلهم وفق محاكم ادعى أنها شرعية( ).
لقد تأثر الكثير من أعضاء النظام السابق سلباً بسياسة بريمر، التي أتاحت المجال للإستيلاء على مشروعات إعادة الاعمار التي تم تنفيذها في ظل مجلس الحكم الانتقالي ، إضافة إلى تحويل مبنى البلدية في بغداد من مبنى السابع من نيسان (أبريل) وهو تاريخ إنشاء البعث عام 1947 ، باسم آخر وهو التاسع من نيسان (ابريل ) وهو تاريخ سقوط البعث عام 2003 ، خاصة بعد تحويل مجلس الحكم الانتقالي إلى أداة لتنفيذ بعض مصالح البعض مثل عضو مجلس الحكم الانتقالي (أحمد الجلبي) فعلى سبيل المثال أخذ هذا الأخير يضغط على المجلس ، لإعطاء رواتب خمسين ألف دولار لكل فرد منهم في السنة ، بالرغم من أن ميزانية التربية والتعليم خصص لها أقل من ذلك ، إلا أن بريمر رفض ذلك إضافة لما قام به بريمر من تسريح لأكثر من ألف من الأعضاء العاملين في حزب البعث ، ممن كانوا يتولون وظائف في الجهاز الإداري للدولة العراقية ، بعد أن تمت عملية استجواب واسعة لهم ، بسبب أن هؤلاء كانوا يمثلون كل الشرائح العليا وقسماً كبير من أن الشريحة الوسطى في جهاز الدولة العراقية ، فقد ساهم قرار اجتثاث البعث في انتشار حالة الفوضى في المؤسسات العراقية ، وساهم في انتشار حالة الفوضى في المؤسسات العراقية الجديدة سبب الاعتماد على عناصر غير متدربة، وهذا أدى لانتشار حالات الفساد في كل مؤسسات الدولة العراقية الجديدة، كما أدى القرار الأخير إلى فقدان أعداداً كبيرة من الموظفين لمرتباتهم واستحقاقاتهم الاجتماعية الأمر الذى أدى إلى تعميق حال الفوضى، كما أخطأ بريمر عندما عمد إلى حل الكيانات العراقية على أساس أنها ساهمت في اضطهاد الشعب العراقي مثل وزارات الدفاع والإعلام والشؤون العسكرية وجهاز المخابرات ومكتب الأمن القومي، ومديرية الأمن العامة، وجهاز الأمن الخاص وتم حل المؤسسات العسكرية مثل الجيش والسلاح الجوي والبحرية والدفاع الجوى والحرس الجمهوري والحرس الجمهوري الخاص ومديرية الاستخبارات العسكرية، وجيش القدس، وقوات الطوارئ، والقوات شبه العسكرية مثل فدائيي صدام حسين ، ومليشيات حزب البعث ، وأصدقاء صدام ، وأشبال صدام ، والمنظمات المرتبطة بالنظام مثل ديوان الرئاسة وسكرتارية الرئاسة ، ومجلس قيادة الثورة والمجلس الوطني، وتنظيم الفتوة واللجنة الوطنية للألعاب الأوليمبية والمحاكم الثورية والمحاكم الخاصة ، ومحاكم الأمن القومي وكان ينبغي على مجلس الحكم الانتقالي أن يبعد أو يلغى بعضها من هذه الكيانات ، أما إلغائها كلها فهو إجحاف بحق الكثير من الأبرياء خاصة أن إلغائها صادر عن إدارة تمثل الاحتلال، وهذا ماتسبب بفصل أكثر من نصف مليون موظف حكومي معظمهم من الجنود والمدرسين والأطباء والإعلاميين والتكنوقراط والموظفين العاديين ، وهذا ما أدى لحرمان مؤسسات الدولة الجديدة من الخبرات المتراكمة لهؤلاء( ) ، وما يدل على أن هذا القرار كان خاطئاً هو أنه في الثاني عشر من يناير 2008 ، قرر مجلس النواب العراقي إجراء تعديلات على قرار إجتثاث البعث لتصبح تسميته الجديدة "قانون المشاركة والعدالة" ، الذي هدف إلى إعادة عشرات الآلاف من أعضاء حزب البعث الذي شملهم قرار إجتناب البعث إلى وظائفهم والسماح للبعض الآخر بالحصول على حقوقهم التقاعدية .
وقد أشار قانون إدارة الدولة حسب المادة (43) أن القضاء مستقل ولا علاقة له بالسلطات التشريعية والتنفيذية ، وأن المحكمة الاتحادية العليا تنظر في الدعاوى بين الحكومات الانتقالية ،وحكومات الأقاليم وإدارة المحافظات والبلديات والإدارات المحلية ، كما تم تشكيل المحكمة الجنائية التي تهدف إلى تنفيذ التعهدات الخاصة بحقوق الإنسان ، والنظر في الشكاوى المتعلقة بحقوق الإنسان والتحقيق في الشكاوى والادعاءات الخاصة بالتصرفات الحكومية التي تجرى بغير وجه حق ، وخلافاً للقانون ، كما أشار قانون لامركزية الإدارة الإقليمية إلى منع تركيز السلطة في الحكومة المركزية ، وأن تعرض مسودة الدستور الدائم على الشعب العراقي الموافقة عليه وفق استفتاء عام ، بحيث يصدق عليه فيما لو وافق أكثرية الناخبين ، ومعنى هذا أن ثلثي سكان محافظات من الممكن أن تعطِّل الدستور ، وهذا جعل الإقليمية الكردية تستطيع تعطيل الدستور في محافظاتها الثلاث (أربيل والسلمانية ودهوك) ( ).
لكن على الواقع العملي فإن السلطة التنفيذية لم تخضع للقانون ، ولم تستطع السلطات العراقية بأي مراقبة دولية أو زيارة لمنظمات حقوق الإنسان ، أو الصليب الأحمر ، ولم يتم تسجيل أسماء المعتقلين أو إعلام عائلاتهم أو أصدقائهم عن مكان اعتقالهم، وذلك كما يقتضى بذلك القانون الدولي، إضافة إلى سوء التغذية والأشربة داخل السجون ، وانتشار الوضع غير الصحي فيها، وعدم السماح للمحامين بالاتصال بالمعتقلين أو بعائلاتهم أو بالصليب الأحمر أو مجموعات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ، في ظل غياب الرقابة والتحقيق العسكري في بعض المواقع، إضافة إلى الحظر على الصحفيين ومراسلي القنوات الفضائية من دخول المدن المستهدفة بعكس الكوادر الإعلامية المرافقة للقوات الأمريكية على أساس أن هذا المنح هو من أجل حمايتهم ، كما تمَّ مصادرة الهواتف النقالة ، وآلات التصوير ، واحتجاز قسماً منهم مما أحدث تقييم كل المعلومات ، إضافة إلى تدمير كبير للأماكن المقدسة ؛ بسبب القصف على المدن وأماكن المقاومة ، فتم قذف مرقد الإمام على (كرم الله وجهه) في رمضان 2004، وصودرت سيارات الإسعاف واعتقلت الكوادر الطبية، واستولى على المستشفيات مثلما حدث في الرمادي وتلغى في عام 2006، ورغم انتقاد رئيس الحكومة نوري المالكي لهذه السلوكيات التي أقدمت عليها القوات الأمريكية ، إلا أنها لم ترتدع مما حذا بمحافظ النجف وستة عشر من أعضاء مجلس المحافظة إلى الاستقالة ، كما فعل نظرائهم في الفلوجة، وهذا ما دفع رئيس الوزراء إلى وصف هذه الانتهاكات والاعتداءات بأنها انتهاك لحقوق الإنسان ، وما يؤكد على رأي المالكي هو السرقات التي قام بها الجنود الأمريكيون للممتلكات الشخصية والسيارات ، إضافة إلى أنه قد تبيَّن أن 95% من المحتجزين الذين تم اعتقالهم كان خطأ ، ووصل عددهم إلى حوالي سبع وثلاثين ألف شخص عام 2007 ، عدا المئات الذين لم يتم تسجيلهم ولا إحصائهم ، إضافة إلى آخرين محتجزين في أماكن سرية بينهم نساء وأطفال ، رغم أن الولايات المتحدة قد قامت بعد فضيحة سجن(أبو غريب ) ؛ بفرض قيود على ممارسات الاحتجاز العسكري في العراق ؛ إلا أنها ظل قرارها حبراً على ورق( ).
وقد تعرضت الأقليات الدينية للاضطهاد الديني من قبل المليشيات الطائفية ، وأجبر الكثير من المسيحيين على ارتداء الحجاب ، مما أدى لنزوح عدداً كبيراً منهم خارج العراق ، وأهم هذه الأقليات هم السريات والصائبة المندائيين والتركمان، فعلى سبيل المثال تقلص عدد الصابئة المندائيين من (13500) شخص عام 2001 إلى (4000) شخص عام 2006 ، وغادر نصف السريان الذين كان يبلغ عددهم حوالي المليون ونصف قبل الاحتلال ، ونزح القسم الآخر منهم إلى مناطق أكثر أمناً من مقاطعتهم مثل زاحو والموصل ، وهاجر قسماً كبيراً من المسيحيين إلى سوريا ، والمناطق الكردية في شمال العراق ، كما تعرض اللاجئين الفلسطينيين إلى التهديدات والهجرات المستمرة ، وقد تعرضوا لأكثر من 655 هجوماً حتى عام 2007 ، فأصبحوا يعيشون في حالة خوف ورعب ويرغبون بمغادرة العراق ، لكنهم لم يستطيعوا المغادرة بسبب عدم امتلاكهم وثائق سفر إلا أنَّ هذا لم يمنع أكثر من نصفهم إلى السفر خارج البلاد دون وثائق سفر أو من خلال جوازات سفر مزورة ، وبالنسبة للاجئيين العراقيين داخل العراق ، فقد تدهورت أحوالهم المعيشية والصحية والتعليمية والسكنية ، حيث لا تتوافر في الخيام التي سكنوا فيها أو في المباني العامة الفارغة أو المساجد أي أساسيات للمعيشة ، بالرغم من مساعدة أقاربهم في تقاسم موارد المعيشة معهم ، وقد وصل عدد المهاجرين إلى خارج العراق أكثر من خمسة ملايين عراقي ، وطلب الكثير منهم اللجوء الإنساني إلى أوربا ؛ لكنهم عانوا من تشديد سلطات الدول التي هاجروا إليها من تجاهلهم ؛ بسبب عدم قدرة هذه الدول على استيعابهم ، وخاصة في الأردن وتركيا ؛ أما في سوريا التي حوت القسم الأكبر منهم فكانت ظروفهم أحسن بكثير من ظروف الدول الأخرى ، وعمدت المليشيات الطائفية أو السياسية إلى اغتيال الكثير من الكوادر العلمية في العراق، من مدرسين وأساتذة جامعات وأطباء وصحفيين وسياسيين وعاملين وقضاة ، إضافة إلى تعرضهم للاختطاف والاعتقال، وهذا ما اضطر الكثير منهم للهجرة إلى خارج العراق ، بقصد حماية أنفسهم وعائلاتهم ، فعلى سبيل المثال تم قتل أكثر من ألفي طبيب ، وغادر حوالي اثني عشر ألف آخرين، وهذا ما أدى في النهاية إلى إضعاف أنظمة التعليم والقضاء والرعاية الصحية في البلاد( ).
في ظل هذه الظروف أعلنت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق أنها عازمة على استرداد السلطة في العراق ، لكن لن تمسك بالسلطة لوحدها مرة أخرى ، كما أعلن الأمين العام للحزب صدام حسين خلال فترة اختفائه أن البعث لا يعترف بمجلس الحكم الانتقالي ، ولا بأي سلطة تنتج عنه، وأن على الشعب العراقي التكاتف وراء حزب البعث ، إلا أن الولايات المتحدة ومجلس الحكم الانتقالي أخذا يصوران للشعب أخطاء حزب البعث في عهد صدام حسين ؛ بتكديسه للأموال والسلاح لاستخدامها ضد الشعب واضطهاده ، ولم يستطع أن يحدث أي تطور ثقافي أو صناعي ؛ لذلك استمرت بسعيها للقبض على الأمين العام للحزب ، إلى أن أعلنت عن القبض عليه ، مما زاد من المقاومة ضد سلطات الاحتلال ومجلس الحكم الانتقالي ، بعد أن ظلت الكثير من العشائر العراقية ظلت موالية له ( ).
وقد اختلف رؤية الحكومات العراقية لأعضاء حزب البعث حيث رأى علاوي ضرورة إعادة الجيش العراقي إلى سابق عهده ماعدا قوات الحرس الجمهوري ، كما رأى ضرورة إعادة كوادر حزب البعث على اعتبار أن علاوى كان بعثياً سابقاً ، لكنه انتقل قبل احتلال العراق بمدة طويلة إلى صفوف المعارضة ، وعلى هذا الأساس شكَّل علاوي جهاز مخابرات من كوادر حزب البعث السابق في العراق ، كما أقرَّ قانون السلامة الوطنية لمعالجة الوضع الآمن في السابع من نوفمبر 2004 ، وبموجبه تم منح حكومته صلاحية إعلان حالة الطوارئ وفرض حظر التجول وإصدار مذكرات اعتقال والقيام بعمليات تفتيش ومداهمات ، وحل الاتحادات والجمعيات ، وفرض القيود على حركة المواطنين والأجانب والمشتبه بهم ، لكن حكومة الجعفري اتجهت إلى إنشاء المزيد من المحاكم المختصة بجرائم الإرهاب في نوفمبر 2005 ، وبالنسبة لحكومة المالكي ، فقد أغفلت التحرك في الإطار القانوني وأصبحت قراراتها وفقاً للموقف المتأني ، فإذا أخذنا الجانب العملي في التحرك الأمني والعسكري للقضاء على التمرد والمقاومة ، فقد ارتكبت حكومة علاوي بالتعاون مع قوات الاحتلال الكثير من الأخطاء ضد المدن التي ظهرت فيها مقاومة وخاصة في المثلث السني ، حيث قتلت أكثر من (1500) شخص من رجال المقاومة ، ودمرت عدداً من المدن ؛ مما أدى لنزوح سكانها ، أما حكومة الجعفري فقد ركَّزت هيمنتها على المدن السنية من خلال قوات الأمن والشرطة ، وبالنسبة لحكومة المالكي فقد تميزت بطائفيتها ضد المقاومة وضد المدن السنية ، فبسبب ما ارتكبه جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر قامت قوات الاحتلال بمحاصرة مقاره في مدينة الصدر ؛ إلا أن المالكي تدخل لرفع الحصار عن المدينة ، كما أن جميع الصحفيين في عهده تعرضوا للتعنيف بالكلمات القاسية كلما نشروا مقالات عن المقاومة العراقية وعن خسائر القوات الأمريكية أمامها ، كما أجبر محرروا محطات التلفزيون والراديو على استخدام مصطلحات غير واقعية عن القوات الأمريكية مثل قوات التحرير ، بالرغم من أن الصحافة الأمريكية تصف قواتها بأنها قوات احتلال ، إضافة لذلك فقد شكَّل المرجع على السيستاني في ظل هذه الحكومة محكمة لمحاكمة قادة حزب البعث ، وقبول الشكاوى ضدهم بشرط تقديم أدلة ، وهذا مما أضعف من قوة الحكومة العراقية( ).
يتبين مما سبق أن الحرية والمساواة والعدالة ، لم تتحقق في ظل مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله الحاكم العسكري للعراق بريمر خلال السنة التي حكم فيها ، كما لم تتحقق في ظل حكومات كل من علاوى والجعفري والمالكي ، حيث أن ماقامت به القوات الأجنبية من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ؛ إضافة للحكومات العراقية من خلال قواتها الأمنية وقوات الشرطة فيها ، وتدخل هذه الحكومات في الصراع الطائفي من خلال مولاة أعضاء هذه الحكومات للمليشيات الطائفية ، وفقدان الأمن والقانون في ظل استمرار المقاومة والعنف والتوتر الأمني في كافة أرجاء العراق، أضف إلى ذلك أنه رغم قرار إجتثاث البعث الذي أصدره بريمر ، ومجلس الحكم الانتقالي وتبنته بقية الحكومات العراقية ، إلا أن البعث مازال موجوداً بقوة على الساحة العراقية ، وإن كان في جبهة المعارضة ، وهذا مادفع حكومة المالكي، إلى إصدار قانون المسائلة والعدالة الذي يفرق بين البعثيين الذين أخطأوا بحق الشعب العراقي ، وبين من لم يرتكب أخطاء بحقه ، وعلى هذا الأساس فإن المحدد الثالث من محددات الوحدة الوطنية في العراق ، وهو مدى تحقق الحرية والمساواة والعدالة ، لجميع أفراد الشعب العراقي أمام القانون لم يتحقق بشكل ايجابي .
رابعاً : الهوية الوطنية للجيش
في السابع عشر من مارس 2003 بدأت حرب الخليج الثالثة ، وسقطت مدن الجنوب ، أم قصر والبصرة ، وكربلاء والناصرية ، إلى أن سقطت بغداد بعد عشرين يوماً من بدء هذا التاريخ ، لكن مما سرَّع من سقوطها هو تسرب شائعات أن نائب قائد الحرس الجمهوري الفريق ماهر سفيان التكريتي كان قد تركت القتال أثناء المعركة ولاذ بالفرار ، وعلى هذا الأساس لم تعد هناك قوة عسكرية تحمي بغداد إلى أن سقطت في التاسع من أبريل 2003 ، وهرب جميع قادة الجيش واختفى القائد العام للجيش والقوات المسلحة مع أسرته ، وذلك بعد أن رفض إنذار الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قبل بدء الحرب أن يغادر العراق مع أفراد أسرته منعاً للحرب ، وهذا ماحذا بالولايات المتحدة إلى إعلان الحرب على العراق مبررة حربها أن العراق لم يحترم قرار مجلس الأمن في (1441 ) ، وتراخي المجتمع الدولي في إرغام العراق على الامتثال للقرار ، وبناء على ذلك تم احتلال العراق ، ولم يستطع الجيش العراقي المنهلك منذ صعود صدام حسين للرئاسة ، والمحاصر على مدار ثلاثة عشرة سنة أن يقاوم الجيش الأمريكي المتوفرة له كل التقنيات، كما أن الخطة العسكرية العراقية كانت تتوقع أن يحاول الجيش الأمريكي احتلال المدن ، لذلك تم تهيئة المقاومة داخل المدن لكن تفادت المدن مكتفية بتطويقها ، ومحاولة الوصول بأسرع وقت ممكن إلى بغداد ، ثم قامت سلطات الاحتلال بحل الجيش العراقي وقدمت لهذا القرار عدة مبررات أهمها ( ):
1- إن هذا الجيش هو الذي اعتمد عليه النظام ضد الدول الإقليمية مثل إيران ، والكويت ، بالرغم من أن هذا الجيش كان أداة للمخططات الأمريكية من خلال النظام الذي لعب دوراً أساسياً في تنفيذ هذه المخططات بوعي أو بدون وعي.
2- أن هذا الجيش استخدم في انتهاكات حقوق الإنسان ضد طوائف الشعب العراقي ، وأن احتلال العراق مناسبة لإعادة صياغة الدولة في المجتمع ، وإنهاء أقوى جيوش الشرق الأوسط لحرمان العراق من أهم حصونه والزود عن سيادته .
3- إضعاف القوة العربية التي كان الجيش العراقي أكثر دعماً لها، بسبب تقدم صناعته الحربية التي وصلت إلى درجة محاولة تصنع أسلحة الدمار الشامل ؛ وأن إضعاف هذه القوة سيقلب كفة الميزان بين العرب وإسرائيل لو استخدام استخداماً رشيداً.
وقد أدركت الوقائع العملية أن الشعب العراقي لم يدافع بجدية عند بدء معركة الخليج الثالثة ، حيث كان استسلام إحدى فرقه دون قتال في كل من العمارة والموصل وتكريت وبغداد، وقصف قصور الرئيس العراقي ، وهروب بعض المرتبطين مع النظام بروابط كبيرة، كما كان تأثرهم بالحرب النفسية والشائعات التي ساهمت في استسلام القوات العراقية العسكرية ، ولم تفلح مقاومة بعض فصائل الحرس الجمهوري وفدائيي صدام ، والجيش النظامي في هذه الحرب، إضافة لاستعمال الدعاية الأمريكية لدعاية (القنبلة الالكترونية ) التي تعطل شيء كهربائي أو اتصالي، لكن أثبتت النتائج أنها غير صحيحة( ).
ومن الأسباب التي أدت إلى هزيمة الجيش العراقي واحتلال العراق على أثرها هو انعدام التنسيق للحركة الدفاعية ووحدة القيادة ، وغياب التنسيق بين أسلحة صفوف القوات المسلحة بكافة أنواعها ؛ بسبب الموروث الذي كان عليه الجيش حيث كان النظام يعمل على منع أي تنسيق بين القوات المسلحة ؛ خوفاً من احتمال وقوع انقلاب عسكري، حيث كان الحرس الجمهوري لا يخضع لجهاز القيادة والسيطرة الرئيسية للقوات المسلحة ، وهو رئاسة الأركان العامة للقوات المسلحة ودوائرها، كما أن تصميم المعركة الدفاعية وأسلوب الانفتاح للقوات قد استبق عنها بالمفهوم القيادي كل من وزير الدفاع( سلطان هاشم أحمد ) وقائد الأركان ( إبراهيم عبد الستار ) اللذين كانا تابعين لمسرح العمليات المركزي الذى يقوده نجل الرئيس العراقي (قصي) ، ومن ناحية ممارستها لدورها الرسمي في إدارة منظومة القيادة والسيطرة للقوات المسلحة فلم يكن ظاهرياً أو عملياً ، وبناء على ذلك حصل اختلال كبير في هذه المنظومة إضافة إلى تعلق القرار بشخص الرئيس الذى كان يمثل وحدة القيادة ، والذى فرضت عليه كثرة التنقلات خوفاً من الإطاحة به، قد عرقل كثيراً في جدوى هذا القرار الذى كانت الأحداث المتسارعة تتطلب وجود القرار الفوري وليس الروتيني ، فساهمت هذه الظروف في خلق الهزيمة العسكرية للجيش العراقي ( ) .
الإخفاق الاستراتيجي الأول الذى وقعت به القيادة العراقية في أثناء تصديها للغزو الأمريكي، هو تقسيمها العراق لأربعة مناطق عمليات ، وضعت كل منها بإمرة قادة حزب البعث عديمي الخبرة العسكرية ، ولم يدرك النظام، أن هذه المعركة هي معركة ميدانية عسكرية يتعامل فيها فريقان بوسائل الحرب لا بوسائل السياسة ، فهي معركة صراع مهارات وقدرات وإمكانيات مهنية ميدانية ، فلا دور للقائد السياسي على هذا المستوى ، وعلى هذا الأساس فشل هؤلاء القادة في مجابهة العدوان ، ورغم وضعهم لبعض القادة العسكريين كمستشارين ، لكن المستشار ليس قائداً ، فالقائد الميداني هو القائد العسكري الذي يعود على أدائه واستفادته من القدرات المتوافرة في تصميم وقيادة معركته التي ستنتهي بنصر أو اندحار، فكان إدخال العديد من العناصر السياسية التي تتدخل في آليات اتخاذ قرار القائد يعد أمراً خاطئاً ، وهذا ما أدى إلى خسارة في كافة الجبهات التي تم فيها الاشتباك، إضافة إلى عدم وجود وحدة قيادة على أعلى مستوى في البلاد لأنها لم تمارس دورها المنوط بها ؛ بل تحولت هذه القيادة إلى إحدى القيادات الميدانية الأربعة ، وكان تركيز الدفاع عن بغداد على اعتبار أنها الهدف الاستراتيجي للعدو، حيث فرزت قوات الحرس الجمهوري للدفاع عنها، وترك أربعة فيالق عراقية عملياً دون مهام محددة ، حيث أن الفليقان الرابع والثاني لم يكونا على مستوى قوات مراقبة على الجهة الشرقية الإيرانية ، كما لم يقم الفليقان الأول والخامس بأي جهود لإرباك وتشتيت القوات النازحة من الجهة الشمالية ، لأن اجتياحها للمنطقة الكردية كان سيجبر الولايات المتحدة على فرز قوات ؛ لمعالجة المشكلة رغم معرفتها التامة بقدرات القوات العراقية وقادتها ، حيث استطاعت استقطاب قائد الفيلق الخامس والاتفاق معه على وقف إطلاق النار دون مواجهة تذكر ، بعدما أيقن تفوق القوات الغازية ، وسيطرتها الجوية المطلقة على ساحات القتال ، وحرمان العراق المطلق من إمكانية الوجود في الجو، وتدمير قواته الجوية ، وهذا مما أضعف من فرصة النصر على القوات الغازية ، وبالنسبة للشعب العراقي فرغم مقاومته ضد القوات الغازية في بداية الحرب ، إلا أنه بعد احتلال المطار وتوالي الانهزامات والانهيارات في صفوف الجيش ، عُرفت نتيجة المعركة فاختار بعضهم الانشغال بجمع السلاح للتحصير للمقاومة ، بينما انشغل آخرين بنهب ممتلكات الدولة ( ).
إن سقوط بغداد قد أثبت أن بعض المسؤولين في السلطة الحاكمة قد كان لهم دور في الهزيمة ظناً منهم أن ذلك قد يمنحهم الفرصة للعيش في أمن وسلام ، وتوافق مستقبلي مع القوات الغازية ، فقد تم أمر مواقع القيادة ومراكز الوحدات العسكرية وخطوط المواجهة كلها بترك مواقعها ووحداتها وتسليم سلاحها في السابع من إبريل 2003 أي قبل سقوط بغداد بثلاثة أيام ، وهذا ما أدى إلى إرباك المقاومة في الجنوب ، وساهم في استسلام القوات الموجودة في الموصل والرمادي وتكريت وبعقوبة( ).
ويرى بريمر أن أهم أسباب ترك الجنود العراقيين لمواقعهم العسكرية خلال حرب احتلال العراق ، هو بسبب ضنك المعيشة التي عاشها ذويهم وأجورهم الرمزية التي كانوا يتلقونها من القيادة العسكرية ، والاضطهاد الذى تعرضوا له، والإعدام العشوائي على يد ضباطهم ، لذلك لم يكونوا يشعرون بالولاء لقادتهم ، ولم يكن لديهم أي حافز للمحافظة على سلامة وحداتهم في ظل القصف القياسي من خلال القنابل الذكية التي تصب أهدافها بدقة ، وبناء على ذلك فالجيش العراقي قد سرَّح نفسه بنفسه( ).
لقد كانت القوات الكردية البيش ماركة من خلال فصيلها ، حزب البارتي وحزب الاتحاد الوطني، تنتظر لحظة سقوط بغداد للسيطرة على كركوك والموصل ، لذلك كان من الواجب على قائدي الفيلقين الأول والخامس الاندفاع باتجاه شمال العراق ، والقضاء على البيش ماركة قبل سيطرتها على كركوك والموصل ، وهذا كان من الممكن أن يربك الحسابات الأمريكية ، وقد توتَّر الجيش العراقي أيضاً بسقوط جسر القائد على نهر الفرات ، وكان من الواجب على القوات العراقية تدميره لإبادة القوات الغازية ؛ لأن سقوط هذا الجسر قد ساهم في وجود القوات الأمريكية على مقربة من بغداد التي تمثل قلب الإستراتيجية الدفاعية العراقية بقيادة قائد الحرس الجمهوري (قصي) الذي كان يقود أيضاً الحرس الجمهوري الخاص وقوات الحماية الخاصة ، وفرق جيش القدس، وفدائيو صدام الموجودة في بغداد ، ورغم استطاعت هذه القوات دحر الهجوم المعادي الأول الذى شن على مطار صدام الدولي (بغداد لاحقاً) في السادس من أبريل 2005 ، إلا أن القوات الأمريكية قصفت منطقة المطار لمدة أربع وعشرين ساعة ، واستخدمت العتاد الخارق والنابالم ، وتم إحراق أفراد كثيرة من الجيش العراقي بشكل غير طبيعي ، وهذا أيضا مما ساهم في انهيار القوات العراقية ، ليصبح الطريق ممهداً لدخول بغداد في التاسع من إبريل 2003 ، وإسقاط التمثال الكبير للقائد العام للجيش والقوات المسلحة ، في ساحة الفردوس حيث يعتبر هذا التاريخ بداية سقوط الجيش العراقي ، وهذا ما أتاح للواء الأمريكي (173) المحمول جواً والمدعوم بقوات البيش ماركة من دخول كركوك في العاشر من أبريل، حيث تمكنت القوات الأمريكية من توقيع نص وقف إطلاق النار مع قائد الفيلق العراقي الخامس ، والذي بموجبه أمر قائد الفيلق العراقي قواته إلى العودة إلى ثكناتهم أو بيوتهم ، حسب الجدول الزمني لسير العمليات المعد من قبل القوات الأمريكية( ).
كما كانت الدعاية المضللة للإعلام العراقي ، وخاصة من وزير الاعلام (محمد سعيد الصحاف) ، لها دور سلبي في هذه الحرب ؛ لأن الوقائع العملية على أرض المعركة كانت تدحضها ، إضافة إلى الإعلام الغربي ، الذي دحض الكثير منها ، مما أفقد الشعب ثقته بقيادته ، خاصة بعد تصريح وزير الدفاع العراقي (سلطان هاشم أحمد ) الذي أكد فيها أن القوات الأمريكية ، ستصل بغداد بعد عشرة أيام من بدء الحرب على العراق( ).
وقد استعملت القوات الأمريكية في حربها على العراق 2003 إستراتيجيتين هما( ):
1- إستراتيجية الصدمة والرعب التي نجحت في التأثير على إرادة القوات العراقية والشعب العراقي ، بما يحقق تقبل الأهداف الإستراتيجية والتكتيكية المفروضة عليه مع تجسيد الصدمة والترويع باستخدام قدرات تكنولوجية متطورة ومنظومة تسليحية كاملة في إطار المعرفة الدقيقة ، لكل التفاصيل عن الخصم بما يحقق مبدأ المبادرة بالسبق في الوصول إلى الأهداف والسبق في كشف مايدور في عقل الخصم ، ومضاعفة التأثير النفسي على الخصم وإقناعه بأنه فاقد القدرة على الحركة وقدراته الذهنية والحركية لقوات مشلولة ومعطلة ، وهذا مما ساهم في الانهيار السريع لمقاومة القوات العراقية .
2- إستراتيجية القوات الحاسمة ، بما يحقق الاستفادة القصوى من الكثافة النيرانية الهائلة لدى الجانب الأمريكي في ضرب أهداف حيوية مختارة بدقة ، خاصة مراكز القيادة والسيطرة العراقية ومناطق التجمع الرئيسية للقوات البرية وقوات الحرس الجمهوري .
وبتطبيق كل من الاستراتيجيين الصدمة والترويع والقوة الحاسمة ، فقد روعي في بناء القوة العسكرية الأمريكية كثافة الضربات الجوية والصاروخية والتأثير الشديد للعمليات النفسية ، ثم استخدام قوات تتصف بخفة الحركة والسرعة والقدرة النيرانية العالية ، وفى نهاية الحرب كان هناك مزيـج من الاستراتيجيين بما يطلق عليــه( الصدمة والترويع والحسم الاستراتيجي).
وبالمقابل اعتمد النظام العراقي على استخدام استراتيجي دفاعية بخوضه حرب المدن ؛ لاستنزاف القدرات العسكرية لقوات الغزو مع توجيه ضربات سريعة مفاجئة تجذب قوات الغزو ؛ للدخول في قتال مدني بما يعطل تقدم القوات المهاجمة أكبر قدر ممكن ، حتى يتغير الموقف الاستراتيجي لصالح العراق في الأمم المتحدة ؛ إضافة إلى الرأي العام العالمي ، حيث كان العراق يعبئ على مساعدة كل من روسيا والصين وفرنسا وألمانيا ، ولم يدرك أن مصالح الدول الكبرى تتحقق على حساب مصالح الدول الصغرى ، وقد فشلت خطة العراق عندما أدركت القوات الأمريكية هذه الخطة ، فكثفت ضرباتها الجوية والصاروخية على مدن الجنوب مع اندفاع الوحدات الميكانيكية والمدرعة ووحدات المارينز ، وتقدمها بسرعة نحو بغداد ؛ إضافة لذلك فقد أخطأت القيادة العراقية عندما خلطت بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن النظام حيث رأت القيادة أن النظام هو الأساس ، وهذا ما ارتكزت عليه الخطة الدفاعية العراقية ، فعندما اهتز النظام تحطمت الخطة الدفاعية بالكل ، كما كان اعتماد النظام العراقي على الكم وليس الكيف في عملياته العسكرية ورهانه على المعركة البرية، وليس على معركة الأسلحة المشتركة ، حيث تم إخفاع القوات الجوية ، وعدم استخدامها في معركة تعتبر مصيرية ، حيث أنها كان من الممكن أن تحدث خسائر كبيرة في قوات التحالف ، بينما رأى النظام ضرورة الاحتفاظ بها لما بعد المعركة ، إضافة لذلك أن النظام العراقي كان يفرق بين قوات الجيش النظامي وقوات الحرس الجمهوري الذي يتمتع بثقة أكبر لدى القيادة ، وهذا ما أدى إلى وجود حساسيات ظهر تأثيرها أثناء المعركة ، خاصة بعد أن اتخذ خطة الدفاع الثابت حيث خاض الحرب ثلث الجيش العراقي ، استسلم الثلثين الآخرين دون أن يزجا في القتال( ).
كما تم توظيف التطورات التكنولوجية في منظومة (C4TSR) اعتماداً على الأقمار الصناعية للاستطلاع والاتصالات وبثها بأسرع ما يمكن إلى مراكز القيادة والسيطرة والمحطات الأرضية ؛ لتصل في وقت واحد إلى كل من يعنيه الأمر ، وأصبح نظام الاستطلاع بذلك يستطيع تحقيق السرعة مع استخدام الذخائر ذات الدقة المتناهية في إصابة الأهداف بتوجيهها ، إما باستخدام التوجيه الالكتروني خاصة أشعة الليزر أو الأقمار الصناعية والتي كان لها الفضل الأكبر في إصابة وتدمير أهداف مختارة ، حسمت الموقف لصالح قوات التحالف بما حقق لها الهيمنة السريعة على مسرح الأحداث .
لم تكن الروح المعنوية للقوات المسلحة العراقية على مستوى القدرة على مواجهة المواقف المختلفة خلال المعركة لعدة أسباب هي ( ):
1- أن ذاكرة حرب الخليج الثالثة عام 1991 ، وكمية النيران التي استهدفتها في هذه الحرب ، مازالت عالقة في الأذهان ، إضافة لتعرض القوات العراقية لضربات جوية أمريكية قبل الغزو .
2- تأثير الحرب النفسية التي شنتها القوات الأمريكية ، ومن منشورات وتحالف الإذاعات والفضائيات لصالحها ، ما كان له القدرة على إحباط معنويات الجنود العراقيين .
3- إن ثلاثة وعشرون سنة من الحرب أزهقت الجيش العراقي
4- لا يمكن مقارنة الأسلحة العراقية المنسقة ، بالأسلحة الأمريكية المتطورة .
5- عدم تلاحم الشعب مع قيادته .
كما قام بعض العملاء التابعين للقوات الأمريكية بتفجير الألغام في المطار والتي كان من المزمع تفجيرها عند دخول الأمريكيين للمطار ، فكان سقوط المطار مقدمة لسقوط بغداد ، بإلقاء شبكات مغناطيسية فوق جميع المحطات الكهربائية في بغداد ، مما أدى لظلام دامس بسبب انقطاع الكهرباء عن بغداد ، وهذا ما مهد لاجتياحها ورغم خروج فيلقاً من الحرس الجمهوري يزيد عدده عن 50 ألف مقاتل بقصد الدفاع عن بغداد ، إلا أنه تم إلقاء أربعة قنابل عليها، بين كل قنبلة وأخرى ربع ساعة من الزمن ، وقد كانت هذه القنابل كافية لتدمير هذه القوات بالكامل ، بما لها من قدرة إذابة اللحم البشري ، حيث لم يتبقى من الجنود سوى أجزاء من الهياكل البشرية ، فالجيش العراقي كان يحارب بأسلحة تشبه أسلحة القرون الوسطى في مواجهة أقوى تكنولوجيا حربية في العالم، وقد أكَّد الخبراء أن هذه القنابل من طراز (MOAB) ، التي تزن أكثر من تسعة أطنان ومشتقة من النابالم ، وتستخدم الأوكسجين الموجود في الهواء كمولد للانفجار الذي تنطلق منه طاقة هائلة لدرجة أنه يمكن اعتبارها قنبلة نووية مصغرة ، وقد أطلقت القوات الأمريكية على هذا النوع من القنابل باسم (أم القنابل ) ، كما استطاعت الطائرات الأمريكية رصد أجهزة الإرسال الالكترونية للقوات العراقية وتدميرها، مما أثار الكثير من القوات العراقية ، من هذا المنطلق رأى بعض القادة العسكريين أن تسريح الجنود بسرعة في ظل الاعتراف بالأمر الواقع أفضل وسيلة للحفاظ على أرواح أكثر من نصف مليون جندي عراقي ، حيث تم تسريحهم وعودتهم لمنازلهم قبل سقوط بغداد ( ).
كانت القوات الأمريكية تمتلك منظومة جمع المعلومات والصور ونقلها فوراً إلى كل مستويات القيادة الأمريكية ، وتتيح هذه المنظومة للقيادات الأمريكية المختلفة رؤية مسارح العمليات على شاشات الكمبيوتر وشاشات غرف العمليات ومعرفة أماكن القوات المقاتلة سواء الصديقة أو العدوه، ومتابعة اتجاهات التقدم ومعرفة النتائج أولاً بأول ، حيث تمتلك الولايات المتحدة واحد وثلاثين قمراً صناعياً عسكرياً موزعة على خمس شبكات ، إضافة إلى شبكة سرية تابعة لمكتب الاستطلاع القومي ، وعلى هذا الأساس كانت التكنولوجيا الحديثة لقوات التحالف هي مفتاح النصر على القوات العراقية ،وهذه التكنولوجيا اعتمدت أساساً على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتطورة من خلال الأقمار الصناعية التي تقدم شبكة اتصالات بين الوحدات المقاتلة والقيادات العسكرية الأمريكية في الولايات المتحدة (البنتاغون) ، حيث تتم عملية متابعة هذه القوات عبر شاشات تلتقطها الأقمار الصناعية لحظة بلحظة إلى الولايات المتحدة ، وهذا ما أدى إلى تحديد مواقع القوات العراقية وتدميرها ، أضف إلى ذلك أنه تم استخدام الحرب الالكترونية التي أغلقت شبكات الحاسبات العراقية وأوقفت شبكات الكهرباء ، وأحدثت اختناقات لدى الرادار من خلال قنابل نبضية، وقنابل ليزر وميكرويف تصطدم بالحاسبات عبر المناطق العراقية لتجعلها مشوشة( ).
كما استعملت الولايات المتحدة في حربها على العراق 2003 ، أسلحة محرمة دولياً مثل أجهزة حارقة (Mk-77) ، وهي نوع من سلاح النابالم ، والذخيرة الفسفورية البيضاء في الأماكن المكتظة بالسكان المدنيين ، حيث تلتصق مواد هذه الأسلحة بالجلد وتحرقه حتى الموت، كما تم استعمال اليورانيوم المنضب ، وهو من نفايات تخصب اليورانيوم، ويستخدم في اختراق المدرعات والدبابات من مسافات بعيدة، حيث تم استخدام حوالي ألفي طن من خلال الحرب ، وهذا ما أدى إلى تزايد الإصابات بالسرطان وحالات المواليد المشوهة ، وتم استخدام القنابل العنقودية التي تحتوى بداخلها على مئات القنابل الصغيرة المصممة للانفجار بالصدمة ، لتصيب أهدافاً متعددة ، وتؤثر في جسم الإنسان لتحدث نزيفاً داخلياً ، حيث أن 30% من الذين يصابون بها يفارقون الحياة ، وقد تم استخدام أكثر من ثلاثة عشر ألف قنبلة حتى عام 2006 ( ) .
لم يكن الاحتلال الأمريكي للعراق شرعياً في أي حال من الأحوال ، لأنه يخالف المواثيق الدولية ، بسبب أن البند الرابع من المادة الثانية للقانون الدولي التي تنص على أنه لا يحق لدولة عضو في الأمم المتحدة أن تهدد أو تستعمل القوة ضد دولة ذات سيادة لأغراض غير أغراض الدفاع عن النفس ، وهذا ما أكده كل من الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان ، والسابق بطرس غالي ، وبالرغم من ذلك فإن الجيش الأمريكي لم يحترم معاهدات الاحتلال ، حيث ترك البنوك ومخازن الأسلحة والمنشآت النووية والمستشفيات دون حماية ، إضافة إلى المتحف الوطني الذي سرقت منه مائة وسبعون ألف قطعة أثرية ، وتم سرقة آلاف الأطنان من الذخيرة الحية من معسكرات بالجيش العراقي ، وسرقة مركز الأبحاث النووية في (التويثة) الذي كان يحتوى على مائة طن من اليورانيوم ، حيث قامت شاحنات بنقل محتويات هذا المركز إلى جهات مجهولة ( ).
وقد كانت حجج الولايات المتحدة لغزو العراق حجج زائفة ، كون العراق لم يمتلك أسلحة دمار شامل ، ولم يكن يشكل تهديداً للولايات المتحدة ولم يكن له علاقة بتنظيم القاعدة أو بالهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، كما لم يستقبل الشعب العراقي الجنود الأمريكيين كمحررين ، بالرغم من أن الإدارة الأمريكية استغلت المبعدين العراقيين من أجل حربها الدعائية ضد النظام ، وأن يجعلوا منهم حكومة عراقية تابعة للولايات المتحدة ، بحيث تستمر الولايات المتحدة في السيطرة على نفط العراق ، كون النفط عنصر أساسي للنظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ، وما يدل على أن الشعب العراقي كان رافضاً لدخول القوات الأمريكية أنهم أسقطوا أشكالاً تمثل بوش وبلير في حشد كبير، ولم يحتفلوا بذكرى سقوط النظام العراقي ، وأما بالنسبة لمظاهر الفرح فقد كانت صوراً انتقائية( ).
لقد تعاون بعض الضباط الذين كانوا في صفوف المعارضة ، مع قوات الاحتلال الأمريكي وقدموا لها معلومات مهمة ، وقد ساعدت الولايات المتحدة في إقامة جيش لهم سمي (جيش العراق الحر ) ، الذي تم تدريب أعضائه في قاعدة (تسار) في المجر ، كما عمل بعضهم كمستشارين لقادة الوحدات الأمريكية ، وهو ماظهر عند دخول القوات الأمريكية لبغداد ، وهذا ما وفَّر الكثير من المعلومات العسكرية والهامة والدقيقة لوضع الخطة التكتيكية ولتجنيد العملاء في الداخل ، خاصة أن من يقود الحرب ضد القوات الأمريكية بعض الشخصيات الغير مؤهلة عسكرياً وهم قصي وعلى حسن المجيد ، وطه ياسين رمضان ، وعزة إبراهيم الدوري ، على أساس علاقتهم الوثيقة بحزب البعث ، وقد تميز هؤلاء خلال الحرب بالتخبط الشديد ، وبإرهاقهم للقوات في التنقل ، وخاصة قصي ابن القائد العام للقوات المسلحة ، ونائبه في نفس الوقت ، وهذا ماجعل الكثير من قادة الجيش يقرروا الانصراف إلى بيوتهم ؛ بسبب القرارات الخاطئة بعد أن أعلنوا أنهم مستعدين للقتال من أجل الوطن ، وليس من أجل النظام الذي تتحكم فيه أسرة الرئيس ، خاصة أن نائب ابنه وهو ماهر سفيان التكريتي كان قد عقد اتفاقاً مع القوات الأمريكية ، وتم هروبه مع أسرته إلى الولايات المتحدة بعدما نفذ ما اتفق عليه معهم( ).
لقد كان النظام العراقي يدرك أنه في حالة خطر وأنه مهدد، لذلك أعدَّ للمقاومة منذ أكثر من سنة كاملة على احتلال العراق ، وأكدت التقارير الأمريكية أن أكثر من 95% من المقاومة كانوا من أتباع حزب البعث ، ومنهم أيضاً حزب أنصار الإسلام وهو حزب كردى له تشعبات في بغداد ، وقد تكبدت قوات الاحتلال الكثير من الخسائر ، لكن الأرقام التي تنشرها وسائل الإعلام ليست صحيحة ، لأن الجيش الأمريكي الموجود في العراق مؤلف من أربعة أقسام هي( ):
- قسم من الجنود يحمل الجنسية الأمريكية ، والأرقام التي تنشر عن القتلى حولهم هي الأرقام الحقيقية .
- قسم من الجنود مقيمين في الولايات المتحدة ولديهم (غرين كارد ) وهؤلاء لا تنشر الخسائر البشرية حولهم ، ولا يدفنون في الولايات المتحدة .
- قسم ليس لديه جنسية ولا (غرين كارد ) ، ولكن يأملون أن يحصلوا على الجنسية بعد الحرب ، وهؤلاء لا يدخلون في الحسابات كونهم مرتزقة .
- قسم يستخدم للطبخ والغسيل والترجمة من خلال متعهدين أمريكيين ، وهؤلاء ليسوا أمريكيين ولا يحسبون ضمن الخسائر البشرية .
إن قرار تصفية الجيش العراقي ، تتجاوز صلاحيات سلطة الاحتلال حسب القانون الدولي، كما أن هذا الجيش كان يقاوم الغزو الأمريكى غير المشروع للعراق، ولم يرتكب خطأً يؤاخذ عليه في ذلك ، وبعد أن استتب الأمر للقوات الغازية عملت على استخلاص قرار من مجلس الأمن ؛ يسمح بتحويل قوات الاحتلال الأمريكي إلى قوة متعددة الجنسيات توضع تحت قيادة موحدة ، ويكون قائدها أمريكياً، وتخضع ظاهرياً لتوجيه الأمم المتحدة، وهذا يعنى تحويل مجلس الأمن من حفظ السلام والأمن للشعب العراقي ، إلى التصدي للمقاومة ، وعدم الاكتراث لمآسي الشعب العراقي ، وعدم الإهتمام بمشاكله الحياتية ، وعلى هذا الأساس أصبحت الولايات المتحدة تحكم باسم المجتمع الدولي ، وتصادر حق الشعب العراقي في مقاومه الاحتلال، لذلك بدأت الأصوات بالمطالبة بتوسيع دور الأمم المتحدة بشرط أن يكون هذا التوسع سياسياً وعلى حساب سلطات الاحتلال وليس توسعاً عسكرياً، بحيث تحل الأمم المتحدة محل الولايات المتحدة بالتدريج ، وهذا ما أكَّد عليه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في السادس من سبتمبر 2003 ، وقد ظنت الولايات المتحدة أن اعتقالها للرئيس العراقي في الرابع عشر من ديسمبر 2003 ؛ سينهى المقاومة ضدها، لكن خاب ظنها ، حيث استمرت المقاومة وازدادت ، وخاصة بعد إصرار مجلس الحكم الانتقالي على ضرورة محاكمة الرئيس العراقي في العراق ، واعتبرت الأوساط الشيعية والكردية أن محاكمته نوعاً من الوطنية العراقية ؛ إلا أن السنة شعروا أن هذه المحاكمة تستهدفهم ، وأن المحاكمة هي لتحسين صورة الولايات المتحدة وموقفها العسكري( ).
وعملت الحكومة العراقية بعد الاحتلال على تشكيل جيش مجهز بأسلحة خفيفة ، ولم يخضع لدورات تدريبية ،وليس له عقيدة قتالية بحيث لا يستطيع أن يتحمل مسؤوليته بضبط الأمن ، خاصة أن أكثر من ستة ملايين قطعة سلاح في العراق خارج يد الجيش العراقي ، وتملكها الكثير من المليشيات المسلحة ، وأن حل الجيش العراقي الذى كان يقدر عدده بنصف مليون جندي كان خاطئاً ، لأن هذا الجيش كان قادراً على حفظ الأمن وكانت القيادة العسكرية للاحتلال تستطيع إبقاء الجيش العراقي الغير حزبي ، أو جعله كله غير حزبي ، ويحوِّل المتهمين إلى المحاكمات ، فالجيش العراقي كان جيش إجباري يضم كل فئات الشعب العراقي ، وهو البوتقة التي تصنع الاندماج الاجتماعي بين الطوائف ، كما أن المحاكمات ضد أفراد الجيش كان يجب أن تبدأ منذ ثورة 18 يوليو 1958 ، حينما شهدت مدن كركوك والموصل مجازر قام بها الشيوعيون والأكراد ، والدليل على أهمية الجيش العراقي هو أن الجيش الأمريكي لم يستطع إنهاء التمرد في الفلوجه ؛ فتم الاستعانة بالجيش العراقي السابق ، من خلال الحكومة العراقية لإنهاء التمرد فتدخل فوج من الجيش العراقي السابق ؛ لإنهاء هذا التمرد حتى أن معظم كوادر المقاومة التي جمعت جميع فئات الشعب ، كانت تضم ضباطاً من الجيش العراقي السابق، وثبت أن المقاومة غير طائفية أو إقليمية ، ونسبة الأجانب فيها لا تتجاوز اثنين بالمائة، وهذا ما حذا بالمسئولين الأمريكيين إلى الاعتراف أن حل الجيش العراقي كان خاطئاً( )
اختارت الولايات المتحدة أسلوب الحكم المباشر للعراق ، وعينت حاكماً عاماً هو بول بريمر ، ثم عهدت إلى مجلس الحكم الانتقالي المدار من خلال مستشارين أمريكيين ، للحكم باسم الشعب على أساس أن هذا المجلس يمثل الشعب ، ثم أصدرت إدارة الاحتلال سلسلة من القرارات أهمها كان حل الجيش العراقي ووزارة الدفاع وملحقاتها من أجهزة الأمن والشرطة والمخابرات ، ثم حلت وزارة الإعلام ، وسرحت العاملين فيها ، بعد تدمير أجهزة البث المرئية والمسموعة ؛ بقصد انفراد سلطة الاحتلال بالساحة الإعلامية وإرساء أفكارها ، ثم قامت بحل حزب البعث ، واعتباره غير شرعي ، بالرغم من كل التحفظات عليه ، وهذا ماحرم أعداد كبيرة من التنظيم المؤسسي والاستقرار السياسي ، رغم أن الحزب هو مؤسسة اجتماعية فكرية معنوية لا يتحمل أخطاء قادته ، وكان من المفترض محاكمة عناصر الحزب المتورطة بالإساءة للحزب نفسه ، لأن الفكر ظاهرة اجتماعية حرة ليست محل كبت أو إرهاب أو محاكمة ، ثم قامت إدارة الاحتلال بحل الحرس الجمهوري في الحادي عشر من يوليو 2004 ، وكل الوحدات الخاصة المرتبطة بحزب البعث ، ثم دعا بريمر لتشكيل جيش عراقي جديد ، على أساس أن يكون ذلك كخطوة أولى نحو تشكيل قوة دفاع ذاتي وطنية للعراق ، وأن تكون كوادر هذا الجيش محترفة وغير سياسية ، وممثلة للشعب العراقي ، حيث تم البدء بتشكيله من إثني عشر ألف جندي عراقي ،وعهد لشركة (فينيل كوربوريشن ) الأمريكية على تدريبه ، وتم تخريج أول دفعة منه في نهاية 2003 وقد عمل بريمر على جعل الجيش يقوم على أسس طائفية على أساس أن يمثل جميع فئات الشعب العراقي ، لكن مما يؤخذ على هذا الجيش أنه لم يزدد باضطراد ، فظل عدده حتى نهاية 2004 لايزيد عن عشرون ألف وهذا ما يعنى أن مهمته أصبحت لدعم قوى الأمن الداخلي ، وليس الدفاع عن الأمن الخارجي ضد التهديدات الخارجية ، حيث أوكل بهذه المهمة لقوات الاحتلال ، كما أن هذا الجيش ظل خاضعاً للقيادة الأمريكية دون أن تكون له أي عقبة سياسية ، وغير قادر على احتواء المليشيات الموجودة في العراق بحيث يستطيع إذابتها داخله ، ولا يحظى بأي قبول شعبي ، كونه مبني على أساس المحاصصة الطائفية ( )
ورغم انتقال السلطة للعراقيين في منتصف 2004، لكن هذا لم يكن إلا نقلاً شكلياً للسلطة والسيادة دون انسحاب الجيش الأمريكي، خاصة أن الاتفاق الموقع بين مجلس الحكم العراقي الانتقالي، وسلطة الاحتلال أكد على عقد اتفاقيات أمنية عن وضع القوات الأمريكية في العراق، وهذا سيتبعه انكفاء القوات الأمريكية إلى قواعد عسكرية في مواقع محددة في العراق، وذلك بعدما يعمل على عدم إتاحة المجال لأي وحدة وطنية من خلال قيامه بعدة أمور أهمها( ):
1- تعزيز قوة اللبنات الاجتماعية التي شكلت حمايتها تعويضاً عن تفكك السلطة المركزية .
2- تقديم الطائفية على المواطنة في سياق مخطط احتلالي يستنسخ في بعض جوانبه التجربة اللبنانية من خلال تدمير الدولة الحديثة لصالح الدولة المتخلفة.
3- تقويض مؤسسات التكامل والاندماج الاجتماعي الوطنية، وتفكيك مؤسستين حددتا شخصية العراق الحديث ، وهي مؤسسة الجيش الذي جرى حلها ومؤسسة النفط التي تسير في اتجاه الخصخصة.
4- التفكير بتشكيل مليشيات طائفية مسلحة يمكن أن تجعل الصراع الداخلي عرقياً .
5- إن الدستور المؤقت هو ضد الوحدة الوطنية من خلال نصه أن الشعب العربي ، وليس كل الشعب العراقي جزءاً من الأمة العربية .
وفي ظل الحكومات التي جاءت في ظل الوجود الأمريكي الغربي في العراق ، ساد الفساد في الجيش الذي تشكل ، ففي ظل حكومة علاوى قام وزير الدفاع حازم الشعلان بسرقات مالية كبيرة من ميزانية الدفاع العراقية ، كما قام وزير الدفاع في حكومة إبراهيم الجعفري بصلاحيات منح المكافئات على ضباط الجيش العراقي الموالين له ، على أساس أنهم يقومون بتحقيق الأمن ضد المتمردين من عناصر الجيش العراقي السابق، فتم إعطاء ثلاثة ألاف دولار لكل ضابط ، وألف وخمسمائة دولار لكل جندي، لكن ساد قيادة الجيش الفساد الإداري وإنفاق الأموال دون جدوى إلى إهدار قسماً كبيراً من الأموال المخصصة لوزارة الدفاع ، حيث بلغت نسبة الفساد في الحكومة العراقية ووزاراتها المختلفة إلى نحو 70% ، وهذا ما أدى لعدم قدرة الجيش على القيام بمهامه ؛ إضافة لإنهيار الأوضاع المعيشية في العراق ، كما أن احتفاظ المليشيات العاملة في العراق ، والتي تعود لعدة أحزاب ، مثل البيشس ماركة التي يصل عددها إلى مائة ألف عنصر ، وقوات فيلق بدر التي تصل إلى سبعين ألف عنصر ، والتي تتبع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ، مما أدى إلى تردي الوضع الأمني في العراق ، في ظل تأخر إعادة بناء الجيش العراقي على نحو يستطيع من خلاله إنقاذ البلاد من التردي الأمني ، وهذا ما حذا بالرئيس العراقي جلال الطلباني إلى أن يؤكد استعداد البيش ماركة لتحقيق الأمن ، بالاستعانة بقوات فيلق بدر ، وهذا ما أثار الشعب العراقي الذي شكك في الطلباني أهو رئيس لكل العراقيين أم رئيساً للأكراد ؟ ، لكن رغم ذلك لم يستطع الطلباني ولا قوات الحرس الوطني التي تم تشكيلها ، ولا الشرطة العراقية ، المحافظة على الوضع الأمني خلال فترة الاستغناء على الدستور العراقي بين (13-16 ) أكتوبر 2005 ، حيث شهد العراق أعمال عنف ، كان أبرزها مقتل نائب الرئيس العراقي ( عادل عبد المهدي) ، كما ازدادت حالات الهروب في ظل ضعف الجيش والحرس الوطني ، ووصلت نسبة الهروب إلى 40 % ، وازدادت حالات الاغتيالات لعناصر الجيش العراقي من ضباط وجنود( ) .
لقد تكون الجيش العراقي الجديد في 23 مايو 2003 ،وذلك ممن خدموا من القوات العراقية أو إحدى المليشيات المناهضة للنظام القديم ، وأعيد الكثير من أعضاء الفيلق الطبي والهندسي إلى الوزارات المدنية ، وتم التعويض عن تفكيك الجيش العراقي القديم ووزارة الدفاع والهيئات ذات الصلة بها من المخابرات والأجهزة الأمنية والاعلامية والدعائية ، وذلك من خلال تشكيل الحرس الوطني العراقي بواسطة وزير الداخلية (نوري بدران ) الذي شكله من الشرطة العراقية وحرس الحدود ؛ لكن تم استثناء كبار الضباط البعثيين والمسؤولين الأمنيين والمخابراتية( ).
لقد تدهور الوضع الأمني في العراق عقب تشكيل القوات العراقية الجديدة ؛ بسبب انتهاج سلطة الائتلاف المؤقتة سياسة طائفية في بناء القوات المسلحة العراقية بعد قرار حل الجيش العراقي ، حيث أن في معظمها من أفراد ذوى إنتماءات سياسية وطائفية في معظمها شيعية ، إضافة لدخول الكثير من أصحاب السوابق والمتمردين والمجرمين من تجار المخدرات والقتلة والشاذين أخلاقياً في صفوف الجيش والشرطة ، حيث كان الرئيس العراقي السابق (صدام حسين) ، قد أمر بإطلاق سراح أكثر من مائة ألف من هؤلاء المساجين ، قبيل بدء حرب الخليج الثالثة ، وقد رفض البعض من أفراد الجيش العراقي الجديد القتال تحت قيادة أجنبية ، وانتشر الفساد في أجهزة الشرطة في ظل ممارستها الطائفية كرفع الرايات واستخدام بعض العبارات الطائفية ، ومحاكاة هذه القوات للقوات الأمريكية في السير وطريقة حمل السلاح ، مما ولَّد الشك لدى أبناء الشعب العراقي ، حول ولاء قواتهم المسلحة للحكومة والشعب في ظل وجود أكثر من مائة وخمسين ألف عسكري أمريكي على أرض العراق ، تجوب الشوارع في المدن العراقية ، وتنفذ عملياتها فيها إضافة لزيارات المسؤولين الأمريكيين للعراق دون أي تنسيق مع الحكومة العراقية ، ولو حتى لأغراض بروتوكولية ، مما أثار الشك لدى الشعب العراقي في حكومته المنتخبة ، ومدى استقلاليتها ، وهذا مما أفقدها هيبتها لديه( ).
أكد الرئيس العراقي جلال الطالباني أن تدريب القوات العراقية تدريجياً ؛ سيؤدى إلى سحب القوات الأجنبية تدريجياً من العراق وضرورة فتح حوار مع المليشيات والمسجلين وضمهم للعملية السياسية ، وأن البيش ماركة قد دخلوا في الجيش العراقي ، وهناك حوارات لضم المقاومة العراقية للجيش العراقي ، وأن وجود القوات الأمريكية في العراق يقصد به تحقيق الشرق الأوسط الكبير ونشر الديمقراطية في المنطقة ، ولا يوجد في العراق حرب أهلية ؛ لأن الحرب الأهلية تتم بين مجتمعين ، إلا أن الأكراد ليسوا على عداء مع إخوانهم العرب وأن العصابات المسلحة هي عصابات طائفية لا تعبر عن المجتمع العراقي ، ولا عن أي فئة منه ، وإن غالبية الشعب العراقي مستاءة منهم بسبب عملياتهم الإرهابية التي سببت تجميد إعمار المناطق المحرومة من الخدمات خوفاً من الإرهاب ، فجماعة الزرقاوى والقاعدة يعلنون حرب إبادة على الشعب العراقي ، وقد اعتبروا الشيعة هم روافد للفرس ، كما اعتبروا العرب السنة مرتدين ، وهم وحدهم المسلمين ، إلا أن الكثير من البعثيين الموالين للنظام السابق قد دخلوا العمل المسلح على أساس تحرير العراق من المحتل واستقطبوا الحركات الإسلامية إليهم ، خاصة أن الأمين العام السابق للحزب صدام حسين ، كان قد أعد عدة خططاً للتمرد من خلال نائبه عزة إبراهيم الدوري الذي يؤيده الكثير من البعثيين وخاصة في الحرس الجمهوري ، خاصة بعد أن أصبح هو الأمين العام القطري لحزب البعث العراقي ، بعد إعدام الرئيس العراقي( )
كما أكد رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني أن البيش ماركة ليست مليشيات ، بل هي قوة منظمة ومجهزة وملتزمة لها فضل كبير في تحقيق الديمقراطية في العراق وتحريره من الديكتاتورية ، وأن الدستور العراقي أكد أن لإقليم كردستان حقاً في أن تكون له حماية خاصة ، وإنهم جزء من القوات المسلحة العراقية التي تحمي إقليم كردستان ، كما أنها مستعدة لحماية أي جزء من أجزاء العراق أضف إلى ذلك أن الأكراد مع حل جميع المليشيات المسلحة الأخرى ، ولا يجوز قانونياً أن تبقى ، لأن القوات المسلحة العراقية هي القوة الشرعية الوحيدة، كما رأى رئيس برلمان كردستان أن قوات البيش مركة يتلقون نفس تدريبات الجيش العراقي ، ويتعلمون بكليات عسكرية عراقية ، ولهم قدسية عند الأكراد، ورغم أنهم جزء من الجيش العراقي إلا أن لهم وضعهم الخاص ، في أنهم مختصين لحماية إقليم كردستان وعلى هذا الأساس فهم ليسوا مليشيات( ).
لكن مما يدل على تبعية الجيش العراقي وقواته المسلحة ،أن قوات التحالف هي من أنشئها ومولها ، كما أن قوات البيش ماركة خاضت عدة معارك ضد المقاومة ، وكانت متحالفة مع القوات الأمريكية ، وهذا ماعزز النزعة الانفصالية عند الأكراد ، وزاد من استياء العرب لهم ، كما أن القوات التي أنشأتها قوات التحالف ، لصالح المؤتمر الوطني العراقي بقيادة أحمد الحلبي قد خاضت عدة معارك بعد الاحتلال ضد المقاومة العراقية ، وقامت بعمليات سرقة وتزوير وقتل واستيلاء غير قانوني على مقتنيات لأفراد بعثيين سابقين ، كما اشتركت بعض فصائل الجيش العراقي وهي ماتسمى بقوات العقارب ، وهي قوات شبه نظامية تابعة للسي أي إيه ، وتحت إمرة وزارة الداخلية اسماً لكن تحت إمرة قوات التحالف فعلياً ؛ بهجمات على مواقع للمقاومة كما نفذت الكثير من الاغتيالات ضد أفراد بعثيين في النظام السابق ، كل هذه الأمور جعلت التيارات والحركات والأحزاب العراقية ؛ تسعى لأن تكون لها مليشياتها المسلحة عندما وجدت أن الجيش العراقي وقواته الأمنية غير قادرين عن الدفاع عن أفراد الشعب ، وضعفها الكبير أمام قوات التحالف ، ولكن هذا ما أثَّر على الحكومة العراقية وأصابها بالضعف الشديد( ).
وبناءاً على ذلك انقسمت المقاومة ضد الوجود الأمني على أرض العراق الذي تحوَّل إلى ساحة معركة بين التحالف والحكومة الموالية لها ، وبين المقاومة العراقية إلى عدة اتجاهات أهمها( ):
• اتجاهات ذات مرجعية دينية شيعية مثل الاتجاه الديني العراقي والسني ومثاله (كتائب ثورة العشرين ، والفجر ، وجيش الراشدين ، وجيش الفاتحين ) .
• اتجاه ديني سني أجنبي ، مثل جماعة الزرقاوى ، وقاعدة الجهاد في بلاد الرافدين ذات العلاقة بتنظيم القاعدة في أفغانستان .
• اتجاه يرجع إلى المرجعية السياسية : مثل الاتجاه الذي يرجع إلى المؤسسة العسكرية في العراق ؛ بسبب سياسة الإقصاء ،وتسريح المؤسسة العسكرية والأمنية ، وهو يتعاون مع أفراد البعث العراقي ، أو السوري ، أو القومي المشترك ، حيث تم تشكيل منظمات بعثية مترابطة مع بعضها البعض ، مثل كتائب ثورة حزب البعث ، والقيادة العامة للقوات المسلحة المجاهدة ، وفدائيو صدام ....
• اتجاه ديني سلفي كردي ، مثل أنصار الإسلام ، وهو يتركز في شمال العراق
• اتجاه شعوبي مثل جماعة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي (الكادر) .
• اتجاه مصلحي استغلالي نفعي ، يسعى للحصول على موارد مادية من خلال عملياته ، وهو لا يعتبر اتجاهاً شريفاً ، حتى وإن ألحق خسائر بقوات الائتلاف .
لقد ساهم الفساد الذي ساد في وزارة الدفاع العراقية بعد الإحتلال ، إضافة إلى القوى الأمنية ، وهذا ما زاد من حدة المقاومة العراقية ، فقد تم صرف أربعة مليارات دولار على وزارة الداخلية العراقية ، والتي ثبت أنها متورطة في أعمال التعذيب والفظائع ضد المقاومة العراقية ، ولم تستطع الحكومات العراقية المتعاقبة الحد من الفساد رغم إنشائها لهيئات مناهضة للفساد ، فلم يجر محاكمة أو متابعة أي شركة ثبت تورطها في ذلك مثل (هاليبرتون ، وبارسونز) ، خاصة أنه ظل العمل بقرار بريمر رقم 17 الصادر في عام 2004 بإعفاء قوات التحالف من أي محاسبة قانونية أمام القضاء العراقي ، رغم أن القوات الأمريكية ارتكبت عدة انتهاكات لحقوق الإنسان ، ومما زاد من امتعاض الشعب العراقي من وجود القوات الأمريكية ، أنها أصبحت تقوم بإنشاء قواعد عسكرية ضخمة ومكلفة في العراق حتى أن السفارة الأمريكية أصبح لها مطاراتها العسكرية ، ومعسكراتها المحيطة بها ، حيث تعتبر أكبر السفارات في العالم ، ووصل عدد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق ، إلى مائة قاعدة عسكرية مجهزة بالسجون والمستودعات ومراكز قيادات القوات البرية والجوية والطرق ومهابط الطائرات ، ورغم أن قسماً من هذه القواعد قد تم تسليمها للجيش العراقي عام 2006 ، إلا أنه لايزال أكثر من (55) قاعدة عسكرية أمريكية في العراق لم يتم تسليمها ، كما أنه بدء منذ عام 2007 بالعمل لبناء القواعد الثابتة ، وإنشاء الطرق الإسمنتية السريعة ، والاتصالات والخدمات العامة ، ومراكز رفاهية الجنود الأمريكيين في مختلف أنحاء العراق ، وتم إنفاق حوالي مليار دولار عليها وقد سمى البنتاغون هذه القواعد قواعد العمليات الطارئة، كما أن قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال (جون أبي زيد ) ، إضافة للمستشار السابق لبول بريمر (لارى دايموند ) أكدا أن الولايات المتحدة ستحتفظ بوجود عسكري طويل الأمد في العراق بغية حماية مؤيديها لمعتدلين ، وحماية تدفق النفط( ).
لقد قدر عدد القتلى حسب دراسة جامعة هولكنز بين عامين (2003-2006) حوالى (655000) قتيل ، بمعدل (94) قتيل يومياً ، وعلى هذا الأساس تكون قوات التحالف والجيش العراقي ، وقوات الأمن قد فشلت جميعها في حماية العراقيين المدنيين من العنف ، ولا تعكس أي إحصائيات للوفيات مايمكن اعتباره تحسناً في رفاهية وسعادة الشعب العراقي منذ بدء الحرب ، بسبب عمليات العنف المسلح والعصابات الإجرامية وانتهاكات الشركات الأمريكية مثل (شركة بلاك وترز) وانهيار البنية التحتية بسبب ذلك ، وهذا ما أدى لانهيار النظام الصحي وتراجع الخدمات الطبية وهروب الكثير من الأطباء خارج العراق ، حيث تؤكد بعض المصادر ، أن أكثر من نصف الذين قضوا في المستشفيات العراقية ، كان يمكن إنقاذ حياتهم فيما لو توافرت لهم ظروف صحية مناسبة ( ).
وعلى هذا الأساس يكون الجيش العراقي الجديد ، غير ممثل للشعب العراقي كونه تابعاً للقوات الأجنبية الموجودة على أرض العراق، وعدم تمثيله لهوية الشعب العراقي ككيان واحد لا يتجزأ وأفراد هذا الجيش منقسمين على أنفسهم وتابعين لأحزاب وتيارات طائفية وعرقية ، بالرغم من أن بعضهم كان تابعاً للنظام السابق ، ذلك النظام الذي لم يستطع الدفاع عن العراق وكانت أخطائه سبباً في احتلال العراق ، لأنه لا يمكن لإنسان أن يدافع عن وطن أذله وقهره وأهانه بدليل أن المواطن العراقي والجندي العراقي لم يدافع بحماس عن نظام البعث السابق بعد أن سلبه كرامته وأمنه وسلامته النفسية ، لكنه بدء يدافع عن وطنه وعن نفسه بعد احتلال القوات الأمريكية لأرض العراق ، ومن أجل صنع مستقبل أفضل للعراق في ظل سيطرة القطب الواحد الذي تقوده الولايات المتحدة ، التى تستطيع الضغط على مجلس الأمن والأمم المتحدة لتحقيق سياساتها وأهدافها وتسخير قرارات هذا المجلس من أجل مصالحه.
نخلص من هذا الفصل إلى أن حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قاد النظام منذ تسلم صدام حسين للرئاسة وحتى احتلال العراق على يد القوات الأمريكية وتشكيها لمجلس الحكم الانتقالي والحكومات العراقية التي تبعتها ؛ لم يستطع تحقيق الوحدة الوطنية في العراق وفق المؤشرات التي حددتها الدراسة فرغم كون النظام العراقي قد دعى لوحدة البلاد واحترام لغتها ووحدتها وثقافتها الوطنية إلا أنه بفعل قراراته السياسية قد أثر سلباً عليها ، فعدم اهتمامه بشكل متساوي بين فئات المجتمع العراقي وابتعاده عن ثقافة المجتمع الروحية والفئوية بتفضيله لمن يواليه واصطباغه بروح الإقليمية والعشائرية والعنصرية والمذهبية ؛ قد ساهم كل ذلك في إبعاد فئات كثيرة من الشعب عنه ؛ إضافة إلى أنه لم يحسن التفاعل مع الشعب العراقي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً فكانت قراراته السياسية مجحفة بحق الشعب العراقي وسببت الكثير من الكوارث على أبناء الشعب العراقي ، كما أنها أضعفت الاقتصاد العراقي وأهلكت الكثير من أبناءه وأضعفت بالتالي دخل الفرد ونشرت البطالة والتضخم بسبب التي قادت قراراته إليها ، كما لم يستطع حزب البعث تحقيق الحرية والعدالة والمساواة بين فئات الشعب العراقي فكانت الأحكام الجائرة بحق الكثير من الأبرياء وفئات الشعب واستغلال الكثير من المسئولين لمراكزهم على حساب الآخرين واغتناء آخرين نتيجة انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية واعتماد النظام على العلاقة العشائرية والإقليمية والفئوية في استلام المراكز المهمة في الدولة ؛ ولم يستطع الجيش العراقي أن يجمع الشعب العراقي في ظل البعث بفعل افتقاد الشعب العراقي لخيرة شبابه وإهانته لكرامتهم وتمكينه النظام من تشديد قبضته على الشعب ؛ واستنفاذه لكل موارد الدولة ، حيث ترك الشعب العراقي رهينة الفقر والعوز والبطالة والتضخم والمديونية الخارجية ، كما أن النظام الذي جاء بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وتشكيله لمجلس الحكم الانتقالي في ظل حكم السفير الأمريكي للعراق بول بريمر، ثم في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة الممثلة بحكومة كل من (علاوي، الجعفري، المالكي)، لم يستطع تحقيق الوحدة الوطنية، حيث قادت تداعيات فترة حكم البعث إلى تفجير تناقضات المجتمع العراقي الإثنية واللغوية والإقليمية والطائفية، والعشائرية، فظهرت عمليات الفرز الطائفي، والاقتتال الطائفي، والعشائري، والإقليمي وعملت القيادات الكردية على استغلال هذا الوضع لترسيخ الاستقلال الذاتي، ومحو اللغة العربية من إقليم كردستان وإنشاء ما يشبه الدولة الجديدة في كردستان، مما أدى إلى بروز دعوات إثنية وطائفية جديدة، تدعو لحكم ذاتي، وتظهر نفسها على اعتبار أنها طوائف وأعراق لها خصوصيتها التي يجب احترامها، كما ظهرت المنافسة على الحكم بين الشيعة والسنة من خلال عمليات الاستقطاب الطائفي، والعشائري، حيث ظهرت الأحزاب ذات النزعات الطائفية والإثنية، التي عملت بدورها على استغلال العشائرية، أداة لها في تحقيق مصالحها، وكانت الحكومات العراقية التي ظهرت قد حذت نحو هذه الثقافة، ذات منهج طائفي أو إثني، مثل حكومة الجعفري، أو المالكي، بينما كانت الحكومة الانتقالية أحسن حالاً وأبعد نهجاً عن الطائفية، وعمل الأكراد عملوا على ترسيخ مفهوم الفيدرالية في الدولة العراقية، بقصد العمل على فك أي ارتباط لمنطقة كردستان مع العراق، بل أخذوا يتدخلون في أمور المجتمع العراقي الأخرى ،ولم يعد هناك احترام للثقافة الوطنية العليا ولغتها الرسمية (اللغة العربية)، حيث سادت أعمال العنف بين التيارات الدينية والإثنية، وظهرت العشائرية على سطح المجتمع العراقي، وتم إهمال التراث والدعوات القومية التي تمجد لغة الأكثرية وهي اللغة العربية، وساد التناقض بين التيارات القومية والتيارات الدينية، وضعف التفاعل الإيجابي بين الشعب العراقي والحكومات العراقية خلال هذه الفترة ، حيث كانت المقاومة العراقية التي قادها حزب البعث قد أجهضت أي تقدم على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وازداد انقسام التيارات والأحزاب العراقية عقيدياً إلى والإثنيات والمذاهب والطوائف والأقاليم التي ينتمي إليها أفرادها ، وحدوث عمليات هجرة داخلية وخارجية ؛ بسبب أعمال العنف المحلي وازدياد عمليات الفرز الطائفي وضرب المصالح الاقتصادية للحكومة العراقية والشركات العاملة في العراق من قبل المقاومة العراقية ، إضافة لما حدث من فساد إداري واقتصادي وتهريب رؤوس الأموال وازدياد عمليات التهريب في ظل الحكومات العراقية ، ولم تتحقق الحرية والمساواة والعدالة ، في ظل مجلس الحكم الانتقالي وفي ظل الحكومات العراقية ، حيث أن ما قامت به القوات الأجنبية من انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ؛ إضافة للحكومات العراقية من خلال قواتها الأمنية وقوات الشرطة فيها ، وتدخل هذه الحكومات في الصراع الطائفي من خلال مولاة أعضاء هذه الحكومات للمليشيات الطائفية ، وفقدان الأمن والقانون في ظل استمرار المقاومة والعنف والتوتر الأمني في كافة أرجاء العراق، خاصة بعد قرار إجتثاث البعث الذي أصدره بريمر ، ومجلس الحكم الانتقالي وتبنته بقية الحكومات العراقية ، ولم يكن الجيش العراقي الجديد ممثل للشعب العراقي كونه تابعاً للقوات الأجنبية الموجودة على أرض العراق، وعدم تمثيله لهوية الشعب العراقي ككيان واحد لا يتجزأ وأفراد هذا الجيش منقسمين على أنفسهم وتابعين لأحزاب وتيارات طائفية وعرقية .


الخاتمة
نخلص من هذه الدراسة أنه رغم تعدد تعريفات الوحدة الوطنية إلا أنها قادت إلى أنه كل ما من شأنه تقوية الروابط بين أفراد الشعب الواحد، وحل جميع الصراعات التي تحول دون استمرار الدولة والنظام، والمؤشرات التي حددتها الدراسة لهذا المفهوم، هي عناصر رئيسية لقيام أي وحدة وطنية في الدولة،وهي احترام ووحدة البلاد و لغتها الرسمية ( لغة الأكثرية ) ، تحقيق الحرية والعدالة والمساواة لجميع فئات الشعب أمام القانون ، والتفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الشعب والنظام السياسي بما يحقق الرفاهية الاقتصادية للفرد والمجتمع ، والـتأكيد على الهوية الوطنية للجيش على اعتبار أنه ملك للجميع ، وقد أوضحت الدراسة أيضاً أن عد تحقق واحد أو أكثر من هذه العناصر سيؤثر سلباً على الوحدة الوطنية.
وبينت الدراسة أيضاً ماهية الحزبية وأبعادها الأيديولوجية، و تأثير برامجها السياسية على الوحدة الوطنية، فرأينا أنَّ ثمة أنظمة سياسية أحادية الحزبية، وأخرى ثنائية الحزبية، وأنظمة تعددية الحزبية، ، وماهية سلبيات وإيجابيات كل نظام من هذه الأنظمة، لكن أكدنا على نظام الحزب الواحد، ؛ بسبب أن الدراسة ستبحث في النظام الحزبي الأحادي بشكل خاص، كون حزب البعث العربي الاشتراكي وهو أحد أشكال الأحزاب القائدة للدولة العرقية خلال هذه الفترة .
ورأينا أنَّ هناك علاقة تربط بين مفهومي الوحدة الوطنية والحزبية، ووجدنا أن هناك علاقات إيجابية بينهما، بحيث أن وجود الحزبية سيساهم في دعم الوحدة الوطنية وزيادة قوتها، كما وجدنا بالمقابل أن هناك علاقات سلبية بين الوحدة الوطنية ، والحزبية، بحيث أن وجود الحزبية سيساهم في إفراغ الوحدة الوطنية من محتواها، وتناقص قوتها، لكن توصلنا أنَّ النظام الحزبي التعددي رغم سلبياته، لكنه يظل أكثر قدرة على تحقيق الوحدة الوطنية، من النظام الأحادي أو الشمولي، الذي ينفصل عن الشعب بسب أخطائه، وبالتالي سيضعف الوحدة الوطنية.
أيضاً توصلنا أن حزب البعث له أيديولوجية تعتمد على شعار توحيد جميع الدول العربية في دولة واحدة ، وتبني الاشتراكية ، لكن عدم وجود منهج وبرنامج عمل علمي واضح المعالم يمكن للحزب من خلاله تنفيذ أفكاره على الأرض جعله يبقى أسير أهدافه التي بقيت شعارات لم تجد من ينفذها ويحققها ، وظلَّ يعتمد على أكبر قدر من الاستقطاب الحزبي للمنتمين للحزب دون الاهتمام بنوعية العناصر وتأثيرها الاجتماعي، وهذا مما شجع بعض أعضاء الحزب من المغامرين والانتهازيين لتحقيق المطامح الشخصية ؛ وإحداث انشقاقات مستمرة في الحزب منذ نشأته .
ورأت الدراسة أن المجتمع العراقي يحتوي تمايزات عديدة، منها التمايزات العرقية ، والدينية ، والطائفية ، والمذهبية ، والعشائرية ، والإقليمية ، والطبقية ، والحزبية، وأن كل تمايز من هذه التمايزات له تأثيرات على محددات الوحدة الوطنية ، فكلا نظامي البعث وتداعياته -فترة الأخويين عارف- ، لم يستطيعا تحقيق الوحدة الوطنية في العراق لأن كلاهما لم يستطيع حل المشكلة الكردية، و بروز النزعة الطائفية، في فترة الأخويين عارف ، و لم يستطعا التعبير عن الثقافة الوطنية العراقية ولغتها الرسمية خاص بين الأكراد، أو تحقيق الحرية والعدالة والمساواة، فالجيش الشعبي للبعث أعطى سمعة سيئة للنظام، وأضعف الوحدة الوطنية، وانتهازية بعض المسؤولين في كلا عهدي البعث وعارف، ساهم في إضعاف الوحدة الوطنية، ولم يحصل تفاعل سياسي واقتصادي واجتماعي إيجابي بين الشعب والنظام السياسي في كلا العهدين، ولم يعبر الجيش عن الشعب العراقي، خاصة في ظل النظام العارفي الذي اعتمد على فئات ذات خصائص عشائرية وإقليمية ومذهبية وشخصية .
ولم يستطع البعث خلال فترة البكر تحقيق الوحدة الوطنية ؛ بسبب الطابع الديكتاتوري الذي طبع نظام الحكم ، وعدم قدرته على التعامل مع التمايزات العشائرية والإقليمية والحزبية والطبقية ، خاصة بعد النمو الاقتصادي السريع في هذا العهد ، حيث برزت طبقة جديدة مرتبطة بالنظام عشائرياً أو حزبياً أو طبقياً إضافة للفجوة التي تشكلت بين الشعب والمؤسسة العسكرية التي ظهرت كأنها جزءاً منفصلاً عن الشعب ، أيضاً لم يستطع البعث في فترة حكم صدام حسين وحتى احتلال العراق على يد القوات الأمريكية وتشكيها لمجلس الحكم الانتقالي والحكومات العراقية التي تبعتها ؛ أن يحقق الوحدة الوطنية في العراق وفق المؤشرات التي حددتها الدراسة ؛ فرغم أنه دعى لوحدة البلاد واحترام لغتها ووحدتها وثقافتها الوطنية ؛ إلا أنه بفعل قراراته السياسية قد أثَّر سلباً عليها ، وذلك من خلال التمييز بين فئات المجتمع العراقي ، وابتعاده عن ثقافة المجتمع الروحية والفئوية بتفضيله لمن يواليه واصطباغه بروح الإقليمية والعشائرية والعنصرية والمذهبية ؛ واتسمت قراراته السياسية بالإحجاف بحق الشعب العراقي مما تسبب بالكثير من الكوارث على الشعب العراقي ؛ وأضعف الاقتصاد العراقي وأهلك الكثير من أبناءه ؛ فضعف دخل الفرد وانتشرت البطالة والتضخم بسبب التي قادت قراراته إليها ، كما لم يستطع حزب البعث تحقيق ، ولم تتحقق الحرية والعدالة والمساواة بين فئات الشعب العراقي ، حيث كانت الأحكام الجائرة قد طالت الكثير من الأبرياء ، واستغلال الكثير من المسئولين لمراكزهم على حساب الآخرين واغتناء آخرين نتيجة انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية ، وازدياد حدة العلاقة العشائرية والإقليمية والفئوية ، حيث تبين ذلك من خلال استلامهم للمراكز المهمة في الدولة والجيش ، حيث أنَّ هذا الأخير لم يستطع أن يجمع الشعب العراقي الذي فقد خيرة شبابه ، وأثَّر سلباً على كرامتهم ومكَّن النظام من تشديد قبضته عليهم واستنفاذ معظم موارد الدولة ، وتركهم رهينة الفقر والعوز والبطالة والتضخم والمديونية الخارجية ، وقادهم إلى حرب غير متكافئة مع الغرب ؛أدت في النهاية إلى احتلال أمريكي للعراق ، وتشكيل نظام خاضع للإدارة الأمريكية من خلال مجلس الحكم الانتقالي المسيَّر من قبل السفير الأمريكي للعراق بول بريمر، ثم انتقال السلطة للعراقيين تحت المظلة الأمريكية ،الوجود العسكري الأمريكي، وذلك من خلال حكومات كل من (علاوي، والجعفري، والمالكي)، التي لم تستطع جميعها تحقيق الوحدة الوطنية، حيث قادت إلى تفجير تناقضات المجتمع العراقي الإثنية واللغوية والإقليمية والطائفية، والعشائرية، فظهرت عمليات الفرز الطائفي، والاقتتال الطائفي، والعشائري، والإقليمي وعملت القيادات الكردية على استغلال هذا الوضع لترسيخ الاستقلال الذاتي، ومحو اللغة العربية من إقليم كردستان وإنشاء ما يشبه الدولة الجديدة في كردستان، مما أدى إلى بروز دعوات إثنية وطائفية جديدة، تدعو لحكم ذاتي، وتظهر نفسها على اعتبار أنها طوائف وأعراق لها خصوصيتها التي يجب احترامها، وظهور المنافسة على الحكم بين الشيعة والسنة من خلال الأحزاب ذات النزعات الطائفية والإثنية، التي عملت بدورها على استغلال العشائرية لتحقيق مصالحها، فحذت حكومتي الجعفري والمالكي نحو الطائفية والإثنية ، بينما كانت الحكومة الانتقالية بقيادة علاوي أحسن حالاً وأبعد نهجاً عن الطائفية، ، وبالنسبة لحزب البعث خلال هذه الفترة فقد قاد المقاومة العراقية ضد الوجود الأجنبي والحكومات الموالية له ، لكن أثرت مقاومته على الداخل العراقي ؛ مما أجهض أي تقدم على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وزاد من انقسام التيارات والأحزاب والإثنيات والمذاهب والطوائف والأقاليم ، وهذا قاد إلى حدوث عمليات هجرة داخلية وخارجية ؛ بسبب أعمال العنف المحلي وازدياد عمليات الفرز الطائفي وضرب المصالح الاقتصادية للحكومة العراقية والشركات العاملة في العراق من قبل المقاومة العراقية ، إضافة لما حدث من فساد إداري واقتصادي وتهريب رؤوس الأموال وازدياد عمليات التهريب في ظل الحكومات العراقية ، وعدم تحقق الحرية والمساواة والعدالة ، في ظل مجلس الحكم الانتقالي وفي ظل الحكومات العراقية وقواتها الأمنية ، كما تدخلت هذه الحكومات في الصراع الطائفي من خلال مولاة أعضاء هذه الحكومات للمليشيات الطائفية ، وفقدان الأمن والقانون في ظل استمرار المقاومة والعنف والتوتر الأمني في كافة أرجاء العراق، خاصة بعد قرار إجتثاث البعث الذي أصدره بريمر ، ومجلس الحكم الانتقالي وتبنته الحكومات العراقية ، وأصبح الجيش العراقي تابعاً للقوات الأجنبية الموجودة على أرض العراق ؛ مما أفقده استقلاليته وتمثيله لهوية الشعب العراقي ، في انتماء الكثير من كوادره وتبعيتهم لتيارات سياسية وحزبية عديدة .
وبناءاً على ذلك ترى الدراسة أن تحقيق الوحدة الوطنية لا يكون إلا بحكم صالح قوامه الجد والعمل المثمر، القائم على حفظ كرامة الإنسان وصيانة حقوقه في الحكم والتشريع والمجتمع والحياة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال الديمقراطية، وحتى لو كان لها بعض الأخطاء فإن أفضل علاج لها هو المزيد من الديمقراطية، وهذا يضمنه دستور للبلاد يكون حارساً أميناً ودرعاً واقياً للحكومة، التي يجب عليها أن تتقيد به نصاً وروحاً، في كل أعمالها، أما التصرفات الغير دستورية، بما فيها التصرفات الدستورية التي تقوم من خلال دساتير نشأت بأسلوب غير ديمقراطي ( )، تلك الدساتير التي تسود فيها تصرفات الحاكم في إنشائه للدستور، من خلال إرادته هو أو بامتزاج إرادته مع إرادة الأمة، لأن الدستور الصحيح هو الدستور الذي تستقل فيه إرادة الأمة بشكل مطلق دون أي تدخل من الحاكم فيكون وليد إرادتها، وبالتالي فالدستور الذي قد يضَّطر الحاكم إليه، ويصدره، رغم عدم تنازله عن أي شيء من سلطته، والذي يسمى بالمنحة الاضطرارية، لا يكون شرعي على الإطلاق، فهذه التصرفات تضعف سلطان القانون وتوهن الرابطة التي تربط الشعب بالنظام والحكومة وكل مؤسسات الدولة، وتهدد التكوين القومي والخلقي للشعب بالانحلال.
كما أن التشريع في النظام يجب أن يقوم على أسس وقواعد عادلة وقويمة، وليس مهماً إن كان ذلك التشريع بطيئاً كما في نظام المجلسين، لأنه ليس الغرض من التشريع هو سن القوانين بكثرة وسرعة، فأي اختلال في نظام العدالة في المجتمع، فلن تنفع حنكة ولباقة السياسيين، ولا مهارة الإداريين في رأبه، وعلى ذلك فيجب أن يتمتع القضاء بالاستقلال المطلق دون أي تدخل من السلطة السياسية أو أي سلطة داخل الدولة، وإلا فسوف يختل وسيؤدي هذا الإختلال إلى أن تتوقف ثقة الشعب بالحكومة وتأييده لها على ضمانها العدل والحرية والمساواة للجميع على السواء، وإقناعها الشعب بأن ذلك قائم قولاً وفعلاً، وبكل صدق، وإفهامها إياه أن الحكومة لم توجد إلا لخيره وخدمة مصالحه، لا للسيطرة عليه والتحكم به والتمتع بسلطان الحكم فقط، كما يجب على الحكومة أن تصارح الشعب حول الوضع الراهن وتقديمها له حسابات كاملة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية في الدولة، لأن كتم الحقيقة يولَّد في نفوس الشعب سوء الظن بها، فيفقد ثقته وتأييده لها، فإذا ما حققت الحكومة تلك المصارحة، يتحول الشعب إلى كتلة متراصة فيعتقد أن كل ما يصيب بلده يصبه هو، وأن الدولة كلها ملكه، فيدافع عنها بكل أمانة وإيمان.
لكن هذا لا يعني أن يسير المسؤول بوحي الشارع لأن الانسياق وراء جوه العاصف الصاخب وحماسه الملتهب يعد مجازفة بمصير الوطن، على اعتبار أن الشارع غير مسؤول والجماهير غير عقلانية فيه، فالغير مسؤول ينتقد ويعترض، ويطلب ويقترح، لكن المسؤول يزن الأمور بميزان المصلحة والإمكانيات، لأنه عالم ببواطن الأمور، فيجب أن يميز بين ما يجب أن يكون وبين ما يمكن أن يكون، لأن أي خطأ يرتكبه المسؤول قد يقلب الأمور رأساً على عقب، فالوطني الحق هو الذي يواجه الحقائق ويبتعد عن الخيال ويقدم على كل ما يعتقده خيراً وصواباً دون أن يبالي بمن يصفَّق أو يصفَّر، فالاحتراف الوظيفي للمسؤولين هو الذي يبني ويصلح ويبعد الوطن عن كل خطر قد يتعرض له، وهذا الاحتراف قائم على الأخذ والرد والمداورة والمحاورة من أجل جلب منفعة أو دفع ضرراً، لأن الصراحة والخلق القويم والتصرف الحكيم، مع تجنب سياسة الخداع والمكر من أهم أسباب النجاح في معالجة المشاكل وحل القضايا الصعبة، مع أخذ الحذر للحاكم من أن ينتابه الغرور، خاصة إذا كانت حوله حاشية سيئة تزيِّن له سوء عمله، وتجعله يحيد عن الطريق القويم ، ويجب عليه أيضاً أن يعترف أنه من الممكن أن يخطيء مهما بلغ من الحنكة والدهاء السياسي، لكن يجب أن يتلافى هذا الخطأ فور اكتشافه، وألا يكون خطأه في المبدأ ؛ لأن الخطأ فقط بالوسيلة لا في المبدأ، فلا يليق به أن يعد الشعب ولا يفي بوعوده، فالمصارحة وفق القدرات منذ البداية بدون أي رياء أو نفاق سيجعل الشعب يثق به ويتمسك به، وإلا فسيكون مصيره الزوال وابتعاد الشعب عنه، ويصبح ذكرى سيئة للشعب، في حقبة مظلمة من تاريخه، والتي مهما بلغت من القسوة فإنها إلى زوال، فالسحابة التي تمر مهما بلغت من الحجم والمدة فإنها لن تظلم الأفق ولن تدوم إلى الأبد.
كما أن العمل الوطني في النظام الديمقراطي الدستوري، يحتاج إلى رأي عام نيِّر مطلع على الحقائق، من خلال مؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام والصحف، لأنها تنقل أعمال الحكومة إلى الشعب، كما أنها تنقل رغبات الشعب وآماله للحكومة، وتهدي الحكومة أفضل الأساليب والوسائل التي يجب أن تسلكها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وتدلها على مواقع الخلل والخطأ، من خلال نقد موضوعي علمي غايته مصلحة الوطن قبل كل شئ، ولا يكون ذلك إلا بإعطاء وسائل الإعلام والصحف ومؤسسات المجتمع المدني، والحرية التي يكفلها لها الدستور، فلا حياة لمجتمع ولا ارتقاء له، بدون النقد، فالنقد للمعارضين أفضل للوطن من ثناء الموافقين المؤيدين، ولكن هذا النقد يجب ألا يسمح لدعاة الحزبية الضيقة الذين يريدون الاستئثار بالحكم، وتهديد مصالح بعض الفئات وتهديدهم ، أن يصلوا إلى مرحلة من القوة بحيث يمكنهم من السيطرة على الحكم من خلال انقلاب أو عصيان أو ما إلى ذلك، لأنهم بذلك يكونوا أعداء للشعب وللحكم الديمقراطي، فشدة النظام في هذه الحالة يجب أن تكون ضرورية لقمعهم باعتبارهم يحملون أفكاراً هدامة للمجتمع والنظام والشعب، وبالتالي فإن وصول مثل هؤلاء إلى الحكم، سيدمر الديمقراطية، وسينشر الطغيان، وسيولد الحقد والضغينة في نفوس الشعب وسيدفعه إلى الانفجار الذي قد يهدد سلامة ووحدة الوطن، ولتجنب وصول مثل هؤلاء إلى هذه المرحلة يجب على النظام والحكومة، الاستناد بحركتهم الوطنية على مبدأ التربية الوطنية التي تجعل الشعب يقدِّس وطنه، بحيث يتساوى أفراد الشعب كلهم في الحقوق والواجبات، وذلك من خلال إكسابهم مناعة، ضد هؤلاء المروجين للتفرقة الدينية والإقليمية والقبلية والحزبية والعشائرية والطبقية ، وكل تربية لا تقوم على هذا المبدأ، تكون سبباً في تخبط الرأي العام، وانقسام أبناء الشعب الواحد على بعضه، فانحلال الرابطة الوطنية في الشعب هو الذي يفسح المجال لنمو تلك النزاعات الدينية، والإقليمية والحزبية والطائفية ،والعشائرية والطبقية المنافية لمصلحة الشعب والوطن، وهذا ما يفسِّر -في الدول المتقدمة- إدراك وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب لواجبها في الظروف الاستثنائية، حينما يتعرض الوطن للخطر سواءاً في الداخل أو في الخارج، فحبها لوطنها يجعلها تتناسى خلافاتها، وتنبذ الآراء والمشاكل التافهة، أمام مصلحة الوطن العليا، كما أن هذه التربية القويمة ، تجعل المواطن يشعر بالمسؤولية، فيؤدي واجبه في المعمل والإدارة والأرض والجيش والأعمال الحرة، بكل نزاهة وأمانة، وإرضاءاً لضميره، وحباً باستقامة الحكم، وسعياً وراء خلق الثقة في نفوس الناس بالنظام والحكومة، دون أي شيء آخر، وبالتالي يكون هذا الشعب بالمقابل موضع ثقة النظام والحكومة، وموضع تقديرهما، أما أولئك الذين يهملون واجباتهم، ويسيؤون استعمال صلاحياتهم في الحكومة أو في الإدارات المختلفة للدولة، معتمدين على مركزهم أو على شخصيات تحميهم في الدولة، أو على حزب سياسي يستندون إليه، فيجب على الحكومة ألا تتردد في إقصائهم عن إدارتها، حرصاً على سمعتها وعدم نفرة الناس منها.
أما إذا أصبح الحكم أداة استغلال وأعطيت الوظائف والأعمال في الإدارات إلى المحسوبين والمنسوبين لأقارب وأنصار مسؤولي الدولة الكبار، أو المسيطرين على الدولة من خلال الجيش أو الأجهزة الأمنية، فستسود الفوضى ويعم الفساد وستكون النتيجة النهائية سقوط الحكومة أو النظام، وانتشار المظاهرات والإضرابات والاعتصامات وما إلى ذلك ، ولحل هذه المعضلة يقتضي على الإداريين في الحكومة، أن ينموا روح المسؤولية الفردية، وأن يشعروا بواجبهم، كما أن على الحكومة، الإشراف الإداري القوي الذي يراقب سير أعمالهم، والخشية والرهبة من المسؤولية، كما يجب عليها أن تراعي في اختيارهم المؤهلات والكفاءات والأخلاق والمصلحة العامة، والاعتبارات المادية والمعنوية، وأن يخضع تعيينهم وترفيعهم وتسريحهم لقواعد وضوابط عادلة، منصفة، تحول دون التعيين والترفيع الاستثنائي والعزل التعسفي، وتوسع في صلاحياتهم بدرجة تقضي على الروتين الذي يسبب البطيء والتعقيد والفوضى في الإجراءات الحكومية، وعلى الإهمال لمصالح الشعب في الإدارات، ويبقى الإصلاح هو الطريق إلى نهضة الأمة، ذلك الإصلاح الذي يقوم على إدخال الإصلاح على المنهج القديم دون تقويضه ودون التضحية بشخصية الشعب، على شرط أن يكون هذا القديم قد أفرز من قبل الشعب.
كما يجب أن تدرك الحكومة أو النظام، أن هذا العصر هو عصر التكتلات، والاندماج، وإن البلاد التي تلتزم السياسة الإقليمية الضيقة، وتنطوي على نفسها، لا تستطيع الاحتفاظ بكيانها، وصد أطماع الطامعين بها، فلا يمكن أن يكون للدول الضعيفة أصدقاء، وإذا ما أرادت هذه الدول أن تعرض صداقتها على غيرها من الدول، وجب عليها قبل كل شئ أن تسعى إلى تقوية نفسها، وإذا تعذر عليها أن تكون قوية فعلاً، فيجب أن تكون حكيمة في سياستها، ومن الخطأ أن تعتقد أياً من الدول الصغيرة، أن الخلافات في إطار محاولات كل دولة من تلك الدول الكبرى ، هي خلافات قد تجعلها تستفيد منها، خاصة في إطار محاولات كل دولة من تلك الدول جر الدولة الصغيرة، أو مجموعة الدول الصغيرة إلى صفها، بأقوال معسولة مليئة بالآمال والأماني، والسبب في ذلك أنه حالما تتمكن الدول الكبرى من تسوية ما بينها من خلافات، فإن تلك الوعود من الدول الكبرى للصغرى، تصبح حبراً على الورق، وكثيراً ما تكون تلك التسويات على حساب الدول الصغرى التي خدعت بمثل تلك الخلافات والأقوال والوعود.
كما يجب على حكومات وأنظمة هذه الدول ألا تحتقر قوة خصمها، وبالمقابل ألا تجبن أمامه، وليس مهماً أن تخسر في أمر غير جوهري، إذا كان بإمكانها أن تنتصر في أمور أخرى جوهرية، وليس مهماً أن تنحني تحت ظروف قاهرة أمام تيار جارف، لكن الأهم ألا تنكسر وتعرض مصلحة الوطن للخطر، لأن الدول الكبرى نفسها تنحني في مثل هذه الظروف، وترتقب ظروفاً مواتية، فالولايات المتحدة على سبيل المثال قد اعتذرت للصين عن خطأها في ضرب إحدى طائراتها خطأً، في نهاية التسعينات، من هنا كان إدراك بعض القادة السياسيين إلى ضرورة إيجاد تكتلات للدول الصغيرة، للوقوف في وجه مطامع الدول الكبرى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق