نموذج الحب والحرب

أرحب بكل نقد أو استفسار

نموذج الحب والحرب

أرحب بكل نقد أو استفسار

عالم السياسة والاقتصاد والقانون

هذه المدونة تعبر عن الكثير من الأبحاث التي قدمتها

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الجمعة، 21 مايو، 2010

الوحدة الوطنية في الفكر السياسي الحديث ج1

مفهوم الوحدة الوطنية ، ومحدداتها ، والعوامل المؤثرة عليها

سيتعرض هذا المبحث لمفهوم الوحدة الوطنية ، الذي اختلف فيه الباحثين خاصة فى العصر الحديث ، منذ نشوء الدولة القومية في أوربا في القرن التاسع عشر مع التنويه إلى أهم التعريفات التي اعتمدت قبل ذلك أي في العصر الحديث إضافة إلى تعريفات بعض الباحثين السياسيين في القرن العشرين ، وبداية القرن الواحد والعشرين ، حيث سيسلّط الباحث الضوء على تطور هذا المفهوم تبعاً لظروف البيئة الدولية وظروف الدول ، إضافة لاختلاف نظرات الباحثين حول هذا المفهوم.

كما سيتناول هذا المبحث محددات ( مؤشرات) هذا المفهوم ، وفق المفهوم الذي اعتمدته الدراسة ، حيث حددت الدراسة أربعة مؤشرات لهذا المفهوم ، وسيتم التعرض لكل مؤشر على حده ، بحيث نستطيع الإلمام بكل أجزاء هذا المفهوم ، فكل مؤشر مؤلف من عدة عناصر ، كما أن مفهوم الوحدة الوطنية مؤلف من أربعة مؤشرات ، وأي خلل في إحدى هذه المؤشرات سيؤثر سلباً على تكامل المفهوم ، وبالتالي على مفهوم الوحدة الوطنية بشكل عام.

وستناول هذا المبحث أيضا العوامل المؤثرة في الوحدة الوطنية ، على اعتبار أن هناك ثمة عناصر سلبية وإيجابية تساهم في تحقيق الوحدة الوطنية ، بغض النظر عن محددتها ،وعلى هذا الأساس ستتناول الدراسة شرح كل عنصر من هذه العناصر ، ودوره في المساهمة في الوحدة الوطنية أو في إعاقة الوحدة الوطنية .








المطلب الأول
مفهوم الوحدة الوطنية

الوحدة الوطنية مفهوم يتألف من عنصري الوحدة و الوطنية ، وأن مجموع هذين العنصرين يشكل هذا المفهوم ، فالوحدة تعنى تجميع الأشياء المتفرقة في كل واحد مطرد ، أما مفهوم الوطنية فقد اختلف فيه الباحثين ، فبحسب رأى الباحث سليمان الطماوي أن الوطنية هي انتماء الإنسان إلى دولة معينة ، يحمل جنسيتها ويدين بالولاء إليها ، على اعتبار أن الدولة ما هي سوى جماعة من الناس تستقر في إقليم محدد وتخضع لحكومة منظمة ([1]) .
أما رأى عبد العزيز رفاعي فهي تعنى حب الوطن بسبب طول الانتماء إليه ، وأنها تختلف بحسب رأيه عن القومية بما تعنيه من حب للأمة بسبب ترابط أفرادها ببعضهم البعض، بسبب الاعتقاد ، أو وحدة الأصل ، أو الاشتراك بالغة والتاريخ والتماثل في ذكريات الماضي ، لكن بحسب رأيه أن هناك توافق بين الوطنية والقومية على اعتبار أن حب الوطن يتضمن حب الأرض والوطن ، وأن الوطنية تنطبق على القومية بشرط أن يكون الوطن هو مجموع الأراضي التي تعيش عليها الأمة وتدير سياستها الدولة ، ومثال عليها انطباق الوطنية العربية على القومية العربية ، إضافة إلى انطباق القومية الألمانية على الوطنية الألمانية على كل من جزأي ألمانيا ( الشرقية ، والغربية ) خلال فترة الحرب الباردة ، ورغم ذلك قامت ينهما علاقات دبلوماسية دولية ، كما لو كانتا دولتين مختلفتين تماماً ([2]).
ويرى بعض الباحثين أن الوحدة بمفهوم الفكر السياسي المعاصر هي اتحادا اختيارياً بين المجموعات التي تدرك أن وحدتها تكسبها نمواً زائداً ، وميزات اقتصادية وسياسية ، تعزز مكانتها العالمية([3]).
وقد رأى الباحث عادل محمد زكى صادق أن مفهوم الوطنية استمد من مفهوم كلمة الوطن الذي هو عامل دائم وأساسي للوحدة الوطنية ، ومنها كانت كلمة وطني ، وهى ما يوصف بها كل شخص يقيم في الوطن كتعبير عن انتمائه لمجتمعه وتفانيه في خدمته والإخلاص له ، و الأساسي في الوحدة الوطنية هو الإنسان الذي يعيش في الوطن ، والذي ارتبط به تاريخياً واجتماعياً واقتصاديا ، وكان اختياره لهذا الوطن عن طيب خاطر([4]).

وقد رأى نفس الباحث السابق أن الوطنية تختلف عن القومية ، على اعتبار أن الوطنية هي العاطفة التي تميز ولاء الإنسان لبلده أو قبليته أو شعبه سواء أكان ذلك في العصور القديمة أم الحديثة ، وأن الولاء يأتي من خلال الاتصال بالعوامل الطبيعية والاجتماعية ، وهى لا تقتصر على جماعة دون أخرى ، وهى تنظر بشكل دائم للماضي ، أما القومية فهي تعنى الخطة الدائمة نحو مستقبل الأمة ، وأنها تقتصر على مجموعة من الناس لهم كيان الأمة ، فقد تقوم فى ظل القومية الواحدة أكثر من دولة لكل منها استقلاليتها ، وفى هذه الحالة يصبح لكل منها وطنيتها الخاصة بها ، بينما القومية تضم كل الدول المتفرقة وتدفعها جميعاً إلى الارتباط برباط عام ، وشامل مستمد من مفهومها ، وعلى ذلك تجمع القومية عدداً من الوطنيات ، ولكن تظل الوطنيات قائمة ولا تنصهر بشكل كلي فيها ، ومثال على ذلك وطنيات الدول العربية([5]).
لكن الوحدة الوطنية والوحدة القومية تشتركان فيما بعض المقومات التي تعتبر ضرورية لقيامها ، مثل العنصر البشرى ، واللغة المشتركة ، والانتماء القومي والحضاري ، بيد أن القومية لا ترتبط بالضرورة بوجود الأرض مثل القومية اليهودية ، ألا أن الوطنية لا تقوم إلا بوجود مجموعات بشرية مرتبطة بإقليم محدد([6]) ، والوطنية حسب تعريف الثورة الهولندية (1787) هي : " إظهار الحب للبلد من خلال الرغبة بالإصلاح والثورة "([7]) ، وحسب تعريف هارت : الوطنية هي: "حب الإنسان لبلاده ، وولاءه للأرض التي يعيش عليها" ([8]).

نلاحظ مما سبق أن الوطنية هي: شعور عاطفي بالحب للبلد أو الإقليم الذي يعيش عليه الفرد ، أما القومية فتختلف عنها في أنها : تتقيد بالحب للأمة التي ينتمي إليها الفرد بغض النظر عن الإقليم الذي تعيش فيه هذه الأمة ، لأنها لا ترتبط بوجود الإقليم.

وقد اختلف تعريف الوحدة الوطنية عبر التاريخ ، كما اختلف بين الباحثين المحدثين ، نتيجة لاختلاف الثقافات والبيئة الخارجية الدولية ، فقد رأى أبو حامد الغزالي أن الوحدة الوطنية تتحقق من خلال الحاكم (الإمام) ؛ لأنه هو أساس وحدة الأمة ، وأنه محور اتفاق الإدارات المتناقضة ، والشهوات المتباينة المتنافرة من خلال جمعه لها حول رأى واحد ، بسبب مهابته وشدته وتأييد الأمة له من خلال تعاقد سياسي بينهم وبينه على شرط أن يقوم هذا التعاقد على الرضي لا على الإكراه ، وهذا سيؤدى إلى القضاء على التشتت والتضامن في الجماعة من أجل السلطة([9]).
ورأى ميكافيلى أن مفهوم الوحدة الوطنية هو : ارتقاء الحاكم في الدولة إلى درجة القداسة ، لأنه محور الوحدة الوطنية في الدولة ، وإذعان المحكومين لهذا الحاكم وخشيته من ضرورات هذه الوحدة ، لأن الأخذ بآرائهم سيؤدى إلى الفوضى والاضطراب ، لأنهم لا يمكن أن يكونوا طيبين إلا إذا اضطروا لذلك ، ولا تختلف الوحدة الوطنية عن الوحدة القومية في ذلك([10]) ، إلا أن ماتزينى يرى أن الوحدة الوطنية هي وعي المحكومين جميعاً بانتمائهم للأرض التي يعيشون عليها واتحادهم وارتباطهم بها([11])
ويرى هوبز أن الوحدة الوطنية : هي سيطرة الدولة وزيادة مقومتها من خلال الحكم المطلق الذي سيسهم في إضعاف المناوئين لها أو المنافسين لها ، كما يجب على الدولة غرس صفات الولاء وحب الوطن عند الأفراد عن طريق برامج التعليم والتدريب والتوجيه السياسي([12]).
أما عند رسو فالوحدة الوطنية : هي قيام عقد اجتماعي بين الشعب والنظام السياسي القائم ، بحيث يتوحد الشعب في وحدة قومية مصيرية ، وفى إطار من مسؤولية مشتركة يطيع فيها الفرد الحكومة ، التي هي نظام اجتماعي ارتضاه عن طواعية واختيار ، والربط بين السيادة في توحيد الشعب وقيمه ، والتعبير عن إرادته المندمجة في الإدارة العامة ، التي هي محصلة إيرادات الأفراد ، والتي تختلف في مجموعها عن الإيرادات الفردية على اعتبار أنها ليست تعبيراً عن شيء عفوي طارئ ، وإنما هي تعبير عن الوطنية التي تستند إلى القيم والمثاليات ، وتقترن هذه الوحدة بالديمقراطية من خلال حكومة ديمقراطية يستطيع الشعب في ظلها أن يجتمع ، وأن يتمكن كل مواطن من التعرف على غيره من المواطنين([13]).

والوحدة الوطنية عند هيجل هي طاعة القانون في إطار الحرية الممنوحة منه على أن يتوافق القانون مع منطق العدل الذي هو منطق التاريخ ، وقد فسر هيجل هذا التعريف من خلال فلسفته التي رمى فيها إلى تمجيد القومية الألمانية ، وتأكيده أن رسالة الشعب الألماني تجاه العالم هي رسالة مقدسة ، وقد كان لهذه الفلسفة دوراً كبيراً في قيام حركة وحدة ألمانيا ، التي تحققت في النصف الأخير من القرن التاسع عشر([14]).
الوحدة الوطنية عند فيختيه هي اعتبار اللغة العامل الأول في تكوين الشعب الألماني وتاريخه وثقافته القومية ، على اعتبار أن ثقافة هذا الشعب هي ثقافة نقية أصيلة ، فالشعب الواحد يتكون من خلال اللغة القومية الواحدة([15]).

وعند رينان الوحدة الوطنية هي : الاشتراك في تراث ثمين من الذكريات الماضية مع الرغبة في العيش المشترك والحفاظ على التراث المعنوي المشترك والسعي لزيادة قيمة ذلك التراث([16]) ، وعلى أساس هذا التعريف نرى أن الوحدة الوطنية تتمثل في أمرين : الأول يتعلق بالماضي ، والآخر يتعلق بالحاضر ، أي أنها قيم روحية وأخلاقية قبل كل شيء ، لأن الوحدة الوطنية تظهر في الأمة التي تشترك في أمجاد الماضي من ناحية ، ورغبات الحاضر ، وآمال المستقبل من ناحية أخرى ، كما أن الآلام المشتركة تربط وتوحد الأفراد أكثر مما توحدهم الأفراح المشتركة.

والوحدة الوطنية عند ماركس : هي القضاء على الصراع والانقسام بين الأفراد في المجتمع ، من خلال القضاء التام على الملكية الخاصة التي كانت السبب في صراعات الماضي ، لأن وجود تفاوت طبقي اقتصادي في المجتمع هو السبب في ذلك الصراع وتلك الانقسامات ، ويتحقق القضاء على الملكية الخاصة والتفاوت الطبقي الاقتصادي من خلال سيطرة البروليتاريا على مقاليد الحكم في الدولة ، وتحويل الإنتاج إلى الملكية العامة للمجتمع ، وتفسير حالة الصراع والانقسام بنظره ، أن تقسيم العمل قد أنتج الطبقات الاجتماعية التي يقوم التمايز بينها على أساس التخصص في العمل والإنتاج ، ويقع التناقض الأساسي بين طبقتين ، تسعى كلا منهما للسيطرة على المجتمع وتسخيره لحاجتها ، ولكن اتساع الهوة بينهما في النهاية سيؤدى إلى الصدام الحتمي والمصيري أي بين الطبقة التي تملك قوة العمل وبين الطبقة التي تسيطر وتتحكم في هذه القوة([17]) .
ويرى لينين أن الوحدة الوطنية هي تحقيق المساواة التامة في الحقوق بين الأمم ، وحق الأمم في تقرير مصيرها ، واتحاد عمال جميع للأمم كلهم هو البرنامج القومي للعمال والفلاحين والمثقفين الأمميين ، وعلى هذا الأساس تتحقق الوحدة الأممية([18]) ، أما ستالين فله تعريفان للوحدة الوطنية : أما تعريفه الأول فهو يرى أن اشتراك الأفراد في اللغة والأرض والحياة الاقتصادية أو في التكوين النفسي الذي يتجلى في الخصائص التي تصف الثقافة القومية ، ويكون ذلك الاشتراك من خلال استقرار الأفراد تاريخياً على أرض محددة([19]) ، أما تعريفه الثاني فهو يرى أنّ إلغاء جميع الإمتيازات القومية لأفراد الدولة من خلال قانون يسرى على جميع أنحاء الدولة ، ويمنع كل تقييد على حقوق الأقليات مهما كان أصلها أو دينها سيحقق ذلك الوحدة الوطنية([20]).

والوحدة الوطنية عند لوك : هي قيام سلطة عامة يقبل بها جميع أفراد الشعب وفق إيراداتهم الحرة ، فتكون السيادة للشعب ، ويجب أن ياتى الحكام من الشعب ، وأن تتطابق مصالحهم وإيراداتهم مع مصالح وإيرادات الشعب([21]).

والوحدة الوطنية عند انجل : هي نوع من التكامل التفاعلي المستمد من علاقات التأثير والتأثر المتبادل بين الفرد والجماعة التي ينتمي إليها ، وبين الجماعات بعضها مع البعض الآخر، والمستمد من كل ما من شأنه أن يزيد من تماسك الأفراد والجماعات ويدعم تضمانهم الداخلي([22]).
وعند بلاك الوحدة الوطنية : هي البوتقة التي انصهرت فيها القوميات والجماعات الثقافية ذات اللغات المتعددة والأديان المختلفة([23]).
لكن يرى الباحث الكندي "غلين ويكشفن" ، أن الوحدة الوطنية هي الأثر الذي يحدث نتيجة أسباب معينة في المجتمع ، حيث تقود هذه الأسباب إلى ترابط الشعب مع بعضه البعض؛ بحيث يمنع هذا الترابط أي دعوات انفصالية في البلاد ، وأنه لإدامة الوحدة الوطنية لابد من معرفة الأسباب التي تؤدي إلى تدميرها، مثل :انعدام الأمن ،وتأكيد المصلحة الخاصة على المصلحة العامة ،و التمييز بين المواطنين من قبل الحكومة ، ووجود محسوبية في أجهزة الدولة ، كما يرى نفس الباحث أن زيادة الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية ليس حلاً لتحقيق الوحدة الوطنية ، بل إن أفضل الحلول هو: التأكيد على الحريات الفردية للمواطنين([24]) .
كما عرفها عدداً من الباحثين العرب المعاصرين ، واختلفت تعريفاتهم حولها أيضاً ، بسبب اختلاف ثقافاتهم وتأثرهم بالمدارس الفكرية الغربية ، واختلاف أيديولوجياتهم السياسية ، وأوضاع الدول العربية التي نشأوا فيها .
فحسب رأي محمد سليمان الطماوى أن الوحدة الوطنية هي قيام رابطة قوية بين مواطني دولة معينة ، تقوم على عناصر واضحة يحس بها الجميع ويؤمنون بها ، ويستعدون للتضحية في الدفاع عنها([25]).
ويرى جواد بولس : " أنها تعنى التعايش بين المجموعات الدينية والعرقية داخل الدولة "([26]) .
أما عبد العزيز الرفاعى ، فيرى أنها تجمع كل المواطنين تحت راية واحدة من أجل تحقيق هدف سام هو فوق أي خلاف أو تحزب في ظل ولاء أسمى يدين به كل فرد من أفراد المجتمع ، ويحكم انتمائه للوطن ، بحيث يجب هذا الانتماء أي انتماء طائفي أو مذهبي([27]) .
وهى عند عبد الرحمن خليفة تعني : عدم وجود صراع محلي في المجتمع أو عدم وجود تفاعلات تتصف بالعنف([28]) .
وعند عادل محمد زكى صادق هي : حاصل لإيرادات مجموعات بشرية مختلفة النزعات والغايات والمصالح ، رأت أن في صالحها قيامها ، وبناءاً على ذلك فهي محصلة مجموع الإيرادات المختلفة ، وهى صورة حقيقية وصادقة لجميع الاتجاهات والأبعاد ، وهذا يعطيها قوة وسلطة تستطيع أن تعكس كل ما كان يحمل في نفوس هؤلاء الأفراد المختلفين في أصولهم ونزعاتهم ، وقد جمعتهم الأرض الواحدة ، وقام بينهم اقتناع شامل بأبعاد كل ما يعترى علاقاتهم من تناقضات وصراعات وانفعالات ويعملون من أجل غاية واحدة([29]).
ويرى محمد عمارة أن الوحدة الوطنية هي التآلف بين أبناء الأمة الواحدة من خلال الروابط القومية على أساس من حقوق المواطنة التي ترفض التمييز والتفرقة بين أبناء الأمة بسبب المعتقد والدين([30]).
كما يرى عبد الرحمن الكواكبى أنها : تجمع الناس على أساس قومي بغض النظر عن الاختلاف في العقائد والمذاهب الدينية([31]).
ويعتبر التكامل القومي مرادفاً للوحدة الوطنية وقد عرفه الباحث قاسم جميل قاسم بأنه تجميع الجماعة المتباعدة من المجتمع ودمجها في كل أكثر تكاملاً أو محاولة خلق قومية واحدة من عدة جماعات صغيرة من خلال ربط الجماعات وتحقيق التماسك فيما بينها ، ويكون الغرض من التكامل القومي هو التحول بالولاء من المجتمعات الصغيرة المتعددة إلى المجتمع الكبير الواحد([32]).
وبحسب تعريف عبد السلام إبراهيم بغدادي أن الوحدة الوطنية هي وجود نوع من الاتفاق والوفاق على ثقافة وطنية مشتركة وإطار من التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين النظام السياسي وأعضاء الجماعة الوطنية من جانب ، وبين الجماعات الإثنية المختلفة ( بعضها عن بعض) من جانب آخر ، يحدث يتحقق التفاعل والتلاحم بين جميع أعضاء الجماعة الوطنية (عموم سكان دولة) ، بغض النظر عن إنتماءآتهم الإثنية المختلفة ( بين أغلبية وأقليات ) أو خليفاتهم الثقافية السياسية الفرعية أو انتمائهم الإقليمية أو القبلية([33]).
كما أورد نفس الباحث السابق تعريفاً آخر للوحدة الوطنية ، حيث عرًفها بأنها الظاهرة أو الواقعة الاجتماعية التي تتجسد في تفاعل وتواصل جميع أعضاء الجماعة الوطنية ، أي جميع سكان الدولة من أجل تحقيق أهداف مشتركة تخدم مصالحهم جميعاًُ ، دون أن يعنى ذلك إلغاء الخصوصيات الفرعية لبعض أعضاء الجماعة الوطنية ( عموم السكان) من جانب ، وبما يميزهم ككل من جانب آخر عن غيرهم من الجماعات الوطنية الأخرى بسمات ثقافية معينة ، بحيث لا تشكل تلك الخصوصيات الفرعية عائقاً أو مانعاً ، أمام إظهار جميع أعضاء الجماعة الوطنية الواحدة ، أي أبناء الوطن الواحد ( أغلبية أو أقليات) في هوية ثقافية وطنية واحدة أو مشتركة ، إزاء غيرهم من الجماعات الوطنية الأخرى أي أبناء الأوطان أو الدول الأخرى([34]).
وبناءً على هذين التعريفين يكون مفهومنا المعتمد للوحدة الوطنية لكن بعد أن نزيد عليهما عنصر آخر وهو أن يكون عنصر هوية الجيش ( المؤسسة العسكرية) منبثقاً من الشعب بحيث يتحقق الاندماج والانصهار بين المؤسسة العسكرية وأفراد الشعب بجميع فئاتهم ، وعلى هذا الأساس تكون الوحدة الوطنية حسب مفهوم هذه الدراسة بأنها تعني : تحقيق التفاعل والتلاحم والتعاضد بين جميع أفراد الشعب بغض النظر عن إنتماءآتهم الأيديولوجية أو الثقافية أو الدينية أو المذهبية أو الإثنية أو اللغوية أو الإقليمية أو الطبقية أو العشائرية بما يساهم في تحقيق الأهداف التالية :
1- احترام وحدة البلاد ولغتها الرسمية ( لغة الأغلبية ، وثقافتها الوطنية)
2- تحقيق الحرية والعدالة والمساواة لجميع فئات الشعب أمام القانون .
3- تحقيق التفاعل السياسي والاقتصادي والإجتماعى بين الشعب والنظام السياسي بما يحقق الرفاهية الاقتصادية للفرد والمجتمع.
4- التأكيد على الهوية الوطنية للجيش ( المؤسسة العسكرية ) على اعتبار أنه ملك للجميع ولا يخص فئة معينة من فئات المجتمع.

وسيوضح المطلب الثاني جزئيات كل عنصر من هذه العناصر ومدى أهميته بالنسبة لمفهوم الوحدة الوطنية التي اعتمدتها هذه الدراسة ، على اعتبار أن أي خلل في أي جزء من جزئيات أي محدد (مؤشر) من هذه المؤشرات سيضعف هذا المؤشر في تأثيره الإيجابي على الوحدة الوطنية في الدولة ، كما أن تكامل هذه العناصر وبالتالي تكامل المؤشرات فيما يتعلق بالمفهوم المعتمد في الدراسة سيقود إلى تحقيق الوحدة الوطنية في الدولة.

نلاحظ مما سبق أن هذا المطلب قد أوضح اختلاف مفهوم الوحدة الوطنية في الدولة بين المنظرين والقادة السياسيين ، بسبب اختلاف أيدلوجيات وثقافات وبيئات كل هؤلاء عن بعضهم البعض ، لكن اتفقوا جميعاً على أن الوحدة الوطنية ، هي انصهار جميع أبناء الشعب في بوتقة واحدة وكيان واحد ، وعدم وجود أي صراع فيما بينهم ، بحيث يؤمن الجميع أنهم أبناء وطن واحد ، إلا أن وسيلة تحقيق ذلك قد اختلف معظم الباحثين حولها ، فبعضهم رأى أن اللغة هي مصدر الوحدة الوطنية ،وبعضهم الآخر رأى أن إيمان الشعب بالحاكم وطاعته هي أساس هذه الوحدة ، وبعضهم رأى أن الإرادة الحرة للأفراد هي التي تصنع الوحدة الوطنية ، وآخرون رؤوا أن إنهاء الصراع الطبقي في المجتمع هو السبيل إليها ، وعلى هذا فان للوحدة الوطنية هدف واحد لكن وسائلها قد اختلفت باختلاف الباحثين نتيجة اختلاف أوضاعهم عن بعضهم البعض.








المطلب الثاني
محددات الوحدة الوطنية

لا تقوم الوحدة الوطنية إلا على عناصر أو محددات يستطيع من خلالها الباحث السياسي معرفة إذا كان ثمة وحدة وطنية في هذا البلد أم لا ، وقد رأينا أن الدراسة اعتمدت على مفهوم محدد له عناصر (محددات) تكوًّنه ، فما هي هذه العناصر التي اعتمدتها الدراسة ؟ وما أثر كل منها على مفهوم الوحدة الوطنية في الدولة ؟ هذا ما سيبنه هذا المطلب من خلال شرح كل مؤشر على حدة ، وتبيان تأثيره على مفهوم الوحدة الوطنية ، إضافة إلى تبيان الخلل في الوحدة الوطنية عند عدم وجود هذا المؤشر أو وجوده بشكل منقوص بحيث لم تكتمل أجزاءه كلها.

أولاً : احترام وحدة البلاد ولغتها الرسمية ( لغة الأكثرية) وثقافتها الوطنية.
· احترام ووحدة البلاد :
إن احترام البلاد ووحدتها هو مقوّم أساسي في تحقيق الوحدة الوطنية في الدولة ، ويقع العاتق على الدولة في تحقيق ذلك ، فالدولة التي تريد الحفاظ على الوحدة الوطنية عليها إتباع ما يلي ([35]):
1- تعويد الشعب على ممارسة حق النقد والنقد الذاتي.
2- الاهتمام بمنظمات الشباب والمرأة ، والنقابات العمالية ، والجمعيات التعاونية الزراعية ؛ ليتعود أفرادها على العمل الجماعي والاهتمام بالأمور العامة ،ومحاولة كشف الأخطاء وترشيد العمل ، وكل ذلك يساعد على التفكير العلمي المنظم ، وينمى في المواطن ملكة النقد البناء .
3- تملك الشعب لوسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفاز ..الخ، لأن من يسيطر على هذه الأجهزة يشكل الرأي العام .
كما يجب على الدولة أن تستنكر أي تعصب وتنشر الوعي والتسامح وسعة الأفق وبذلك تستطيع القضاء على التعصب([36]) ، وإدراك الدولة أن حق وحدة الوطن والتراب الوطني هو أساس محل سيادة الدولة ، ورد كل حق آخر مدعي للانفصال عن سيادة الدولة ، وما يتبع ذلك من تجزئة للوطن وللسيادة وهما حقان ثابتان([37])، وهذا يتوافق مع المبادىء الدولية فقد جاء في الفقرة رقم (1514) من قرار الجمعية العامة الأمم المتحدة فيما يتعلق بحق الدول في الحفاظ على وحداتها الوطنية :" إن كل محاولة ترمى إلى القضاء الجزئي أو الكلي على الوحدة الوطنية أو الوحدة الترابية لبلد ما تكون مناقضة لأهداف ومبادىء ميثاق الأمم المتحدة"([38]) ، كما جاء قرار هيئة الأمم المتحدة رقم 2625 في سنة 1965 بقوله :" يرفض تأويل نصوص مقررات الأمم المتحدة ، بما يمكن أن يسمح أو يشجع أي عمل كيفما كان نوعه من شأنه أن يقسم التراب الوطني أو الوحدة السياسة لأية دولة مستقلة ، وذات سيادة ، أو يهدد بتقسيمها كلياً أو جزئياً"([39]).
أيضاً جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 143/46 ، حول المساعدات الإنسانية التي تقوم من بعض الدول بقصد التدخل في شؤونها الداخلية بما يمس سيادة واحترام وحدة البلد الذي هو بحاجه إلى هذه المساعدات : " السيادة والوحدة الترابية والوحدة الوطنية للدول يجب أن تحترم بشكل كامل ومتطابق مع ميثاق الأمم المتحدة ، وعلى هذا الأساس فان المساعدة الإنسانية يجب أن تقدم بموافقة البلد المعنى ، ومبدئياً على أساس طلبه من ذلك المبدأ"([40]).
وبالنسبة لمبدأ حق تقرير المصير الذي تطالب به بعض الأقليات العرقية أو الدينية في الدولة ، فهو ليس في جوهره سوى وسيلة لغاية نبيلة ، وللاعتداد بالغاية النبيلة وحتى يمكنها أن تنتهج أثرها القانوني يجب أن تكون الوسيلة مشروعة للوصول إلى غرض مشروع ، أما إذا كانت الوسيلة غير مشروعة ، وتهدف إلى غرض غير مشروع فلا يمكن الاعتداد بها ولا يمكنها أن ترتب أي أثر قانوني لأن العبرة دائماً بالوسيلة ، فلا يمكن التضحية بالغرض المشروع ولا يمكن الاحتجاج بالوسيلة المشروعة ، وهي حق الشعب في تقرير مصيره للوصول إلى غرض غير مشروع وهو تقسيم البلاد ، وعلى هذا الأساس يجب على قيادات الدول أن يلتزموا بتجاهل هذا المبدأ إذا كان استعمال هذا الحق والتمتع به يؤدى إلى تقسيم البلاد ، لأن تقسيم البلاد هو تقسيم للسيادة ،والسيادة لا تقبل النزول عنها ولا تقبل الانقسام([41]) ، لأن استعمال هذا المبدأ لم يكن سوى لتصفية الاستعمار ، وليس وسيلة للتخريب أو وسيلة للانقسام وتفتيت الكيانات الوطنية ، ولا للإيقاع بالدول المستقلة ، وذات السيادة في نيران الفتن الداخلية التي تشغلها عن التنمية وتحقيق الرفاهية والعدالة لأفراد الشعب .
كما انه إذا كان استعمال هذا المبدأ أو التمتع بحق الشعب في تقرير مصيره يؤدى إلى تقسيم الدولة ، فإن هذا المبدأ يكون ضد المنطق السليم ، وضد الاقتصاد والمصلحة ، وضد الحرية والديمقراطية ، وضد الاستقرار والسلام ، وضد البلاد وتاريخها ، وضد الجماعة المطالبة به نفسها ، ويصبح هذا المبدأ نقيض لما وضع من أجله ، لأنه عندما وضع عقب معاهدة فرساي عام 1919 جاء فيه " يمكن تطبيق مبدأ حق تقرير المصير إلا إذا تعارض مع المصالح الإستراتيجية أو الاقتصادية أو السياسية " وعملياً فإن تقسيم البلاد يتعارض مع هذا كله ، وبالتالي فلا يمكن أن يكون وسيلة لتقسيم الدولة لأنه ضد مصالحها ([42]).
والفكر السياسي المعاصر يؤكد حقوق الشعوب في التميز ، لكنه يعنى بذلك التحرر الحقيقي وليس التشتت ، لذلك فمن الواجبات الملقاة على عاتق الدولة القيام المستمر بدور الوحدة وممارسة الانسجام بين فئات الشعب في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية ، مهما اختلفت النظرات إلى هذه الوحدة من المركزية القوية إلى الاتحادية المرنة ، لأنه إذا كان حق الشعوب في تقرير مصيرها ينطلق من وعى خلقي يرتبط بمبدأ حقوق الإنسان ، فإن ضمانة الوحدة الوطنية ضمن الوحدة الترابية تنبع من ضرورة حيوية ومن حق طبيعي ، وإن ضرورة الحفاظ على البقاء يسمو على الاعتبارات الأخرى([43]).
فمبدأ الانفصال غير مقبول حتى لو استند إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها ؛ لأن هذا المبدأ يتنافى مع مبدأ وجود الدولة ككيان منظم حقق وحدته وأصبح واقعاً ملموساً ، لذلك فيجب على القيادة السياسية في الدولة رفض كل مشروع يمس وحدة البلاد وتقسيم شعبها ، لأن الوحدة الوطنية شيء أساسي لا يمكن التفريط فيه ، كما يجب عليها أيضاً ألا تقبل تطبيق هذا الحق على جزء من الدولة أو الشعب ، إذا كانت تدرك أن ذلك يشكك في وحدة الدولة ويمس في وحدتها ووحدة شعبها([44]).
فالحفاظ على وحدة الشعب واجب مقدس يفرضه الدستور على القيادة السياسية في الدولة ويجعله واجباً دستورياً بالنسبة لجميع المواطنين ، وبناءاً على ذلك جاء في الدستور المصري الصادر في 13 سبتمبر 1972 ، بشان حماية الوحدة الوطنية في المادة الأولى منه([45]):
" حماية الوحدة الوطنية واجب كل مواطن ، وعلى جميع مؤسسات الدولة والمنظمات الجماهيرية العمل على دعمها وصيانتها ، ويقصد بالوحدة الوطنية في تطبيق أحكام هذا القانون القائمة على احترام نظام الدولة كما حددها الدستور على وجه الخصوص :
1- تحالف قوى الشعب العاملة.
2- تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة.
3- حرية العقيدة وحرية الرأي بما لا يمس حريات الآخرين أو المقومات الأساسية للمجتمع.
4- سيادة القانون.

وفي نفس السياق يقول جورج فيدل :
" إن من واجب رئيس الدولة أن يدافع عنها أمام الخطر الانفصالي لأنه واجب دستوري ، وأن حماية الوحدة الوطنية هو جزء من القانون الدولي ، ولكن هذا لا يعنى أن يمارس رئيس الدولة القمع للحفاظ على السيادة ، بل عليه أن يتعامل مع حركة الانفصال بالنظر إلى قوتها أو ضعفها ، ففي حال قوتها يمكن التعامل معها والاستجابة لبعض رغبتها وحل بعض مشكلاتها في إطار المحافظة على سيادة الدولة الأم، لأن إعمال الحكمة والحنكة السياسة أمر لابد منه ، وأن يكون مثل ربان السفينة آخر من يغادر موقع القيادة ، إذا تغلبت الحماقة على الحكمة "([46]).
فوحدة الشعب هي ركيزة أسباب القوة في الدولة ، وبدون هذه الوحدة تفشل الشعوب في تحقيق أهدافها وتتعرض للفناء ، وعلى هذا الأساس فإن أعداء الوطن يعملون على تدمير وحدة الشعب ، لأن ذلك سيكون وسيلتهم لتحقيق أهدافهم ، من هنا كانت صيحة ستالين عقب الهجوم النازي على روسيا عام 1940 بقوله " دافعوا عن أرض الآباء والأجداد "([47]) فهو قد اعتمد على الإحساس الوطني أكثر من اعتماده على العقيدة السياسية لأن الدفاع عن البلاد هو مسؤولية كل مواطن في البلاد ، أما الأيدولوجيا فقد لا يقبل بها جزء من الشعب.

كما أن القضاء على الطائفية والعنصرية في المجتمع لا يتم إلا من خلال المسؤولية الجماعية لأفراد الشعب وقياداتهم ، فالإحساس بالاشتراك بالمسؤولية يجعل الجميع يتطلع إلى موقف فكري بناء ومستنير لكل أهل الوطن من جميع فئاتهم ، ويتجاوز هذا الفكر صفحات الماضي بما فيه من تناقضات ، فعصرنا هو عصر التكتلات الكبيرة ، لأن التطورات التي حدثت في الحياة الاقتصادية وفى الوسائل الحربية والتكنولوجية وثورة الاتصالات ، صارت تحمل الجميع على التكتل الجماعي ، حتى وإن كانت تلك الجماعات متباينة تاريخياً وثقافياً ولغوياً ، وعلى هذا الأساس يعتبر الفرد الصيني نفسه ينتمي حضارياً إلى حضارة واحدة تتضمن ثقافة وقيماً ومبادىء تختلف عن ولاءه القومي ، وهذا ماساهم في تشكيل الاتحاد الأوربي الذي اعتبر الفرد نفسه فيه لا يتناقض حضارياً وثقافياً مع أي فرد آخر في أوروبا ، أما انتماء الفرد عضوياً إلى عشيرة أو طائفة ، وموالاته لها وتفضيلها على موالاة الوطن والدولة ، فسيقود إلى إضعاف وحدة الشعب التي تؤدى إلى إضعاف الوحدة الوطنية ، إضافة إلى أن تناقض الفرد الريفي مع الفرد الحضري في بعض المجتمعات المختلفة سيضعف الوحدة الوطنية([48]).
فالتكامل القومي يؤكد على الولاء القومي أو الوطني ويتجاور الو لاءات المحلية ، والتكامل الإقليمي في الدولة يؤكد على امتداد السلطة المركزية على كامل إقليم الدولة ، والتكامل القيم يأتي من وجود تناسق موحد في القيم بما يكفل الحفاظ على النظام الاجتماعي واستمراريته ، والتكامل بين الصفوة والجماهير يؤكد على وحدة السلوك الجماعي والقدرة التنظيمية لتحقيق الغايات المشتركة ، وعلى ذلك فيجب أن تجتمع الدولة جميع هذه التكاملات للمساهمة في وحدة الدولة ووحدة شعبها ، واحترام هذه الوحدة ، لأنها تساهم في تحقيق الوحدة الوطنية في الدولة([49]).

· احترام اللغة الرسمية للدولة ( لغة الأكثرية) :

تعتبر اللغة الرسمية في الدولة من العناصر الأساسية في تحقيق الوحدة الوطنية فيها ، لأن عملية الاتصال بين الفئات والأمم داخل الدولة التي تحتوى على خليط غير متجانس من الأعراق والطوائف والإثنيات يتحدد على أساس لغة أكبرها([50]) ، ولقد أثبتت التجربة الأوروبية أن تحقيق الوحدة الوطنية لهذه الدول كان من خلال اللغة التي وحدتهم في دول مستقلة ، وكان ولاهم لحكومة واحدة تقود وتحكم بلغة الشعب ، لكن هذا ليس قانوناً ثابتاً بل له بعض الحالات الشاذة ، ففي الصين لا يتكلم الشعب لغة واحدة عملياً ، ولكنه يتكلم لهجات عديدة متباينة وغير مفهومة ، لكن المثقفون منهم يتصلون فيما بينهم بلغة واحدة وهى لغة بكين ، وعلى هذا الأساس فرض النظام الشيوعي الصيني ومن قبله نظام تشانج كاي تشيك ، لغة واحدة على البلاد هي لغة إقليم بكين ، ووضع نظاماً من الكتابة لكل الصين ، وهذه العملية سهلتها وتطلبتها عملية الاندماج الاقتصادي والسياسي السريعين لهذه المنطقة([51]).

والحوارات التي تدور حول اللغة الرسمية للدولة تخفي ورائها قضايا تتعلق بالحقوق اللغوية للأقليات داخل الدولة ، وبالتالي تنتج إحساساً بالهوية المتميزة مع أبناء الوطن الآخرين ، لكن هذا لا يحصل إلا عندما تكون سياسة الدولة خاطئة ، لأن المنافسة بين الفئات العرقية واللغوية داخل الدولة تكون بناءة عندما تكون سياسة الدولة ناجحة([52]) .
وهذا ما يفسر شيوع اللغة الفرنسية الحالية في كافة أرجاء فرنسا ، حيث أنه حتى عام 1789 وهو عام الثورة الفرنسية ، لم يكن يتكلم بها سوى 50 % من السكان و 12% فقط يتكلمونها بشكل صحيح ، أيضاً الإيطالية لم يكن يتكلمها سوى 2.5% من السكان حتى عام 1860 ، لكن سياستي الدولتين ساهمتا في نشر اللغة ( لغة العاصمة) وبناء الدولة ، وبالتالي تحقيق الوحدة الوطنية من خلال اللغة([53])، وينطبق نفس الأمر على مواطني الولايات المتحدة الذين في معظمهم من أصول مهاجرة ، ولم يطالبوا بأي امتيازات لغوية أو امتيازات أخرى لقوميتهم ، من قبل الحكومة الفيدرالية ؛ بسبب السياسة الديمقراطية للحكومة الأمريكية ، التي جعلت النداءآت الموجهة إلى كل أصل من الأصول لتكوين روابط مشتركة ( كالأيرلنديين ، والبولنديين .... الخ) حيث كانت هذه السياسية مثمرة وجيدة وتخدم الوطن([54]).
وعلى العكس من ذلك فإن السياسات الخاطئة لجمهورية مولدو فيا ، جعلت النزعة الانفصالية عند الأتراك والروس الموجودين داخلها بحكم تمايزهم اللغوي ، وهذا ما حدث بين الصرب والكروات حيث انفصل الاثنين عن بعضهما البعض ، بسبب غياب لغة الحوار ، وعدم الاتفاق على لغة رسمية محددة تجمع أجزاء الوطن الواحد([55]).

لذلك فاللغة بما تحمله من ترابط بين الناس ببعضهم البعض ، وواسطة تفاهم بينهم وآلة للتفكير وواسطة لنقل الأفكار والمكتسبات من الآباء إلى الأجداد ، وبما تؤديه من وحدة الشعور ، والتفكير على الذين يشتركون بها ، وتجعلهم يتعاطفون ويتماثلون ويؤلفون أمة لها دور أساسي في تحقيق الوحدة الوطنية في الدولة ، وهذا ما أكده الفيلسوف فيختيه ، من أن اللغة هي التي تجمع الأمة ، وأن التربية والتاريخ بها وبالمبادىء العلمية سيقود إلى نهوض الأمة([56]).
لكن هذا لا يعنى إلغاء الخصوصيات للأقليات اللغوية والعرقية داخل الدولة ، من خلال ممارستهم للغتهم ، لأن ذلك سيساهم في إضعاف الوحدة الوطنية ، بسبب أن هذه الأقليات ستعتبر أنها مضطهدة ؛ بسبب منع لغتها من التدوال ، فعلى سبيل المثال ، القانون القومي الجزائري الذي صدر عام 1995 ، ونص في متنه على :
" جعل اللغة العربية لغة قومية ، وفرض غرامات ثقيلة على استعمال أي لغة أخرى في المعاملات الرسمية "،اعتبر تعد على ثلث السكان الجزائريين الذين يتكلمون البربرية ، لذلك تم تعديل هذه المادة بحيث يكون للغة البربرية مكانتها ، مع احترام اللغة الرسمية للدولة ، وهى لغة الأكثرية العربية"([57]).

فاللغة عامل موحد للوطن وللشعب إذا كانت اللغة الرسمية لأكثرية أبناء الوطن وإن تداولها وتعلمها واجب كل مواطن في الدولة سواء كان من الأقليات أم من الأكثرية ، ولكن يجب أن يكون ذلك من خلال توعية الشعب الواحد وتحقيق الاتحاد والوئام بين أفراده ، لأن القلوب لا تتفق إلا إذا اعتادت الاتحاد والوئام منذ الصغر ، وهذا يتحقق من خلال السياسة الحكيمة للدولة التي تراعى فيها كافة أفراد الشعب ، وتتيح المجال للأقليات اللغوية لممارسة حقوقها اللغوية ضمن قوانين وأعراف الدولة ، ولا تعمل على إلغاء خصوصيات هذه الأقليات حيث تتأقلم وتنصهر مع بقية فئات الشعب ، فكثير من الأزهار والنباتات أتت من الخارج وتأقلمت في البيئة التي جاءت إليها ، وأصبح شأنها شأن النباتات الأصلية التي لا يعرف أي شئ عن أصولها.

· احترام الثقافة الوطنية للدولة ولأبناء الوطن :

الثقافة الوطنية مركب يحتوى على المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات ، التي حصل عليها الإنسان كعضو في المجتمع([58]) ، ومن المعلوم به أن كل جماعة وطنية لا يمكن أن تتطابق مع غيرها في سماتها الأساسية الروحية والمادية والفكرية والعاطفية ، كما يوجد ثقافات عديدة داخل المجتمع ، حيث نشأ ذلك الاختلاف والتباين بين هذه الثقافات ؛ بسبب عوامل كثيرة منها اللغة ، والدين ، والعرق ، وغير ذلك ، أو بسبب عوامل اجتماعية ، مثل الطبيعية الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد ، وعلاقة ذلك بالمستوى الاقتصادي والحالة التعليمية ، إضافة إلى العوامل الاجتماعية مثل وضع أي جماعة فرعية داخل الدولة بحكم الإقليم الذي تنتمي إليه([59]).
ووجود ثقافات فرعية إثنية ضمن إطار الثقافة الوطنية أو السياسية السائدة لا يؤثر سلباً في تماسك الجماعة الوطنية أو تلاحمها ، ولا يقوض وحدتها الوطنية ، لأن مثل التنوع الثقافي لو أحسن توظيفه فإنه لن ينال من الثقافة الوطنية الشاملة ، الواحدة ، أو الموحدة ، بل قد يثيرها و يغذيها([60]) فعلى سبيل المثال : التراث الذي ينسب لجماعة ما في الدولة في الدولة ، يساهم في رفع مكانة جميع أفراد الدولة حتى ولو لم يتعلق ذلك التراث بهم ؛لأن الآخرين من سكان الدول الأخرى لا يميزون تبعية هذا التراث ، بل يعتبرونه لكل سكان الدولة([61]) .
كما أن قيام النظام السياسي بتبني سياسة واحدة وجامعة ونشرها على مجموع أفراد الجماعة الوطنية ، ودون تجاهل أو تجاوز الثقافات الفرعية ، بما يخلق وحدة ثقافية سياسية شاملة لجميع أعضاء الجماعة الوطنية ، مع الحفاظ على الخصوصية الفرعية ، سوف يسهل من عملية بناء وحدة وطنية متماسكة([62]).
وانتماء الفرد إلى الثقافة الوطنية العليا هو أساس الانتماء إلى الجماعة الوطنية لأنه قاعدة المساواة في الاشتراك بالسلطة ، فسيطرة الثقافة العليا على الثقافات الدنيا تلغي التفاوت في الاشتراك في السلطة ، حيث أن هذا التفاوت الذي يقوم عليه في البداية العزل السياسي لبعض الجماعات يولد من فقدان ثقافة عليا مشتركة ، كما أن الثقافة العليا لا تصبح ثقافة شاملة وشمولية بالمقارنة مع الثقافات الدنيا إلا لأن محركها الأساسي يكون بناء الدولة لا بناء المذهب([63]).
كما أن الثقافة هي التي تحدد الأسس النفسية والاجتماعية للشخصية على أرض الدولة ، حيث تقوم تلك الشخصية بتعديل الأسس على ضوء التجربة الاجتماعية التي تعيشها وتمر بها ، وذلك في سياق التغيرات والتبادلات التي تمر بها الثقافة بناءاً على منطقتها وقانونها في عمليات التخلي والاكتساب، التي تقوم بها داخل شروطها الخارجية([64]).
ولكل شخصية اجتماعية ردودها واتجاهاتها وسلوكها الاجتماعي النابع من وحدة العلاقة الجدلية بين الثقافة والشخصية الأمر الذي يؤدى إلى اختلافها عن الشخصيات الاجتماعية التي تكون خارج الدولة ، لأن هناك ثمة قواسم مشتركة بين الشخصيات الاجتماعية في المجتمع ، لأن الوحدة والتنوع في الشخصيات الاجتماعية ظاهرة محلية ووطنية قومية وعالمية ، وهي خلاصة الاختلاف والتشابه في التجربة الاجتماعية وفى نشاط الناس الثقافي والحضاري داخل المجال الجغرافي على اعتبار أنه الموقع والمكان لهذه الشخصية([65]).
وكل تغير تمر به الشخصية يكون محكوماً ومنقاداً لمجموعة من القوانين العامة داخل وحدتها واستقلالها الجدلي ، حيث تكون العنصر المشتركة بين الشخصيات ؛ بسبب تناقض القوانين العامة مع القوانين الخاصة ، والذي بناءاً عليه يحدث التناقض في الحياة الاجتماعية ويجعلها تنفرد بخصوصية معينة محددة ([66])، كما يلعب الصراع الفكري ، والتطور التكنولوجي في أدوات الإنتاج ، والعوامل التاريخية والجغرافية في بروز الثقافات المختلفة أو تطورها([67]).

ويرى إبراهيم العيسوى أن حدوث انصهار للعناصر المختلفة داخل الدولة من خلال الاختلاط والذوبان والامتصاص سيؤدى إلى تجانس جنسي وحضاري طبيعي ، وثقافي سواء كان دينياً أم لغوياً ، والسبب في ذلك يعود إلى التقارب الجذري بين معظم العناصر والموجات المستقرة أو التي دخلت ، وهذا يؤدى إلى عدم وجود حاجز لونى أو ديني أو لغوى ، كما أن صغر مساحة الدولة سيكون له دور كبير في ذلك([68])، لكن عدم وجود مساواة داخل الدولة مع وجود عملية انصهار للجماعات العرقية و الدينية المختلفة داخل الدولة ، لن ينتج وحدة وطنية ، فالهنود والأفارقة الذين استوطنوا في منطقة الكاريبي ، عانوا من التمييز العنصري من قبل العنصر الأوربي الأبيض الذي حاول صهرهم في بوتقته ، مع استمرار سيطرته الاقتصادية و السياسية ، في دول الكاريبي ، مما جعل الأعراق من أصول إفريقية ، وهندية ، تسعى إلى الحفاظ على هويتها الثقافية ، مما شكل حاجزاً ساهم في إضعاف الوحدة الوطنية([69]).
كما يتضمن احترام الثقافة الوطنية للدولة ، وأفراد شعبها ، احترام دين الدولة الرسمية ودين أفرادها، فالدين هو الأسلوب الأساسي الذي يطبع تصرفات الإنسان وتفكيره ودفق عواطفه بطابعه ، وهو أفضل سبيل لتقويم الإنسان ، وقد انقسم الناس إلى أديان ، وانقسم كل دين إلى مذاهب ، حيث نشأت هذه المذاهب من التفسيرات المختلفة له ، وكل محاولة لتوحيد الأديان أو القضاء على التنوع وصهر المذاهب والأديان كلها في دين واحد ، ستخون إحدى قضايا الدين الأساسية ، وهى السلام ، لأن فرض هذه الوحدة لا يحصل إلا بالحرب والعنف([70]) ، وفى ذلك بقول عضو الجمعية التأسيسية في الثورة الفرنسية ( فوكروا) :
" إن من نره في كل مكان من الاحتفال بيوم الأحد والتردد على الكنائس يعنى أن غالبية الفرنسيين تريد العودة إلى العادات القديمة ، ولم يعد الوقت مناسباً لمقاومة مثل هذا الميل القومي .... إن الأغلبية الكبرى من البشر بحاجة إلى الدين ، والشعائر والكهنة وقد مر بعض الفلاسفة المحدثين ومررت أنا شخصياً إلى نفس الخطأ عندما اعتقدنا بأن نشر التعليم في أوساط جماهير الشعب سوف يؤدى إلى تدمير الأحكام المسبقة الدينية ، فالواقع أن هذه الأحكام المسبقة والعقائد تشكل بالنسبة للعدد الكبير من البؤساء مصدر للعزاء ، وبالتالي فينبغي أن نترك لجماهير الشعب كهنتها وهياكلها وطقوسها"([71]).

وعلى ذلك فيجب على القيادات السياسية عدم التدخل في أديان المجتمع ، لأن ذلك يؤثر سلباً على الوحدة الوطنية وفى ذلك يقول رفاعة الطهطاوي :
" إن الملوك إذا تعصبوا لدينهم ، وتدخلوا في قضايا الأديان ، فإنما يحملون رعاياهم على النفاق ، وينزعون منهم الحرية فلا يوافق الباطن الظاهر"([72]).
كما يجب على أفراد الشعب أن يكونوا متسامحين وأن لا تؤثر فيهم الأخطاء الفردية التي تحصل من بعض المتعصبين الذين لا يهتمون بمصير الوطن ، ووحدته الوطنية والمصيرية ، وفى ذلك يقول الإمام محمد عبده :
" إن التحامل على شخص بعينه لا يعنى أن يتخذ ذريعة للطعن في طائفة أو أمة أو ملة ، فإن ذلك اعتداء على غير متعمد ، ومحاربة لغير محارب ، وكما يقال جهاد في غير عدو وضرره أكثر من نفعه ، إن كان له نفع فإنه يثير الساكن ، وينطق الساكت ، ويؤلب القلوب المتفرقة على مقاومة رأى الطاعن ، ومخالفته إلى عكس ما يريده ، فليس من اللائق أن يعمد أحد إلى إحدى الطوائف المتوطنة في أرض واحدة فيشملها بشيء من الطعن أو ينسبها إلى شائن من العمل ، تعللا بأن رجلا أو رجالا منها قد استهدفوا لذلك ، فإنه مما يرسل العداوات إلى أعماق القلوب ، ويدلى بالضغائن إلى بواطن الأفئدة ، فإذا تنافرت الطوائف تشابكت كل منها بما يحط شأن الأخرى ، فكانت كل مساعيهم ضرراًُ على أوطانهم ، فالتوى على الطاعن قصده ، وبعدت عنه غايته ، فقد كان يريد بقوله انتقاص شخص واحد تأديباً له أو استصراخاً لدفع سره ، فادى سوء استعماله إلى خيبة آماله"([73]).

لكن استبعاد الطائفية والشقاق الديني من صفوف أبناء الوطن الواحد ، لا يعنى انتهاء الخلافات والتناقضات بين الشرائع الدينية لأبناء الشعب ، ولكنه يعنى إقرار حقيقة أنها أمة واحدة ، تضع الخلافات الدينية والتناقضات المذهبية في إطارها وحجمها ، وتعالجها بالحوار والحكمة والموعظة ، كما أن الاختلاف في الفكر له دوره في إثراء المجتمع ، واكتساب الطابع الإنساني البريء من العنصرية وضيق الأفق والنظرة الوحيدة الجانب ، ومسئولية ما يحدث من طائفية أو شقاق في المجتمع ليس مسؤولية أي دين من الأديان ، وإنما هو مسؤولية الدولة ، ومسؤولية رؤساء الأديان، الذين قد يبررون تجاوزات القيادات السياسية في الدولة([74]) ، فبالوحدة الوطنية نستطيع أن نقضى على الطائفية والعنصرية في المجتمع ، التي هي مسؤولية جماعية ، فالإحساس بالاشتراك في المسؤولية يجعل أبناء الوطن يتطلعون إلى موقف فكري بناء ومستنير لكل أبناء الوطن من جميع الأديان ، ويتجاوز هذا الفكر صفحات الماضي المتخلف الطائفي ، ومثال قريب على ذلك ما حدث في مصر عام2004 عندما اعتنقت إحدى الفتات القبطيات الدين الإسلامي ، وهو الدين السائد في مصر، حيث تدخلت الكنيسة القبطية ،وضغطت على الحكومة من أجل عودة الفتاة إلى المسيحية ، وهذا ما أساء للوحدة الوطنية في مصر ، كون الدولة علمانية ، وحرية الفرد مقدسة ، فلا يجوز حرمان أي شخص من اعتناق الأيديولوجية الدينية التي توافقه ، ولا يؤثر ذلك على الوحدة الوطنية في الدولة ، لكن ما حدث لابد أنه أثار مشاعر الأكثرية من السكان الذين يعتنقون الإسلام ، وأثر سلباً على الوحدة الوطنية في مصر([75]) .

وبناءً على ذلك فلن يتحقق بسهولة الولاء لثقافة وطنية واحدة ، بما تشمله من الإرادة المشتركة لأبناء الوطن كافة ، لأن هذا لا يتحقق إلا من خلال زيادة درجة التعليم في الدولة ، للقضاء على الجهل والتعصب([76]) ، وهذا ما تحقق لأوروبا ، التي عانت من حروب الأديان في داخلها ، وسقط مئات الآلاف بسبب ذلك([77]) ، لكن بعد إدراك الشعب في كل دولة منها أن هذا سيضر بالوطن ، اندفع وراء وحدته الوطنية وتنميته الاقتصادية والسياسية وحقق تطوره في جميع الميادين.

ثانياً: مدى تحقق الحرية والعدالة والمساواة في الدولة.
· مدى تحقق الحرية في الدولة .
ترتبط الحرية بالعدالة ، فالعدل يولد الحرية والتسامح ، لكن لن تكون هناك حرية بدون وجود ديمقراطية ، تحقق حرية الفكر للفرد داخل الدولة ، وأهم ضمانات حرية الفكر هي([78]):
1- مجانية التعليم ، لأن الفكر مرادف للمعرفة التي لا تتحقق إلا بالتعليم ، وعندما يصبح العلم سلعة تباع وتشترى ، فإنه يصبح احتكارا للقادرين عليه ، ويكون معبراً عن مصالح الطبقات القادرة اقتصادياً.
2- تثبيت مبدأ المشروعية من خلال سيادة القانون في كل أرجاء الدولة.
3- مكاشفة الشعب بالحقائق ، لأن الحرب النفسية من أخطر الأسلحة على الوحدة الوطنية ، وقد زاد من خطورة هذه الحرب الاكتشافات العلمية الحديثة ، التي تجعل من العسير إخفاء المعلومات الحيوية عن الأعداء ( أقمار صناعية ، وسائل تجسس ، وسائل الاتصال السمعية والبصرية ) كل ذلك جعل من السهل على الدول المتقدمة معرفة أدق الأسرار عن الدول الأخرى.

وتتجلى حرية الفكر في مظاهر متعددة ، منها حرية التعبير عن الرأي بوسائل التعبير المختلفة شفاهة وكتابة ورسماً ... الخ ، وقد تقف حرية الفكر عند اعتناق رأى معين ، وقد تتعدى ذلك إلى دعوة الآخرين لاعتناق هذا الرأي([79]) ، ولايتنا قض حق الإنسان في وطنه مع حق الدولة التي هو منها ولا يحد من استقلالها ، وفى ذلك يقول انزيلوي " إن الحد من حرية الدولة المترتب عن القانون الدولي أو الالتزامات التعاقدية ، لا يشكل إطلاقا مساساً باستقلالها"([80]) ، فللشعب حقين ، هما الحق في مواجهة البلدان التي تحتل بلاده من أجل استقلال بلده وسيادتها ضد أي تدخل خارجي ، والحق في مواجهة دولته من خلال حقه في اختيار النظام السياسي والاقتصادي والإجتماعى من أجل إقامة نظام قانوني وحكومي يقبله ، وبمعنى آخر إقامة الديمقراطية([81]).

وبناءاً عليه يقع على الدولة مسؤولية إقامة نظام ديمقراطي يحقق الحرية لجميع أبناء الوطن ، وبالتالي يحقق لهم حقوقهم كاملة ، وإذا أخلت الدولة في ذلك فعلى الشعب استعمال كافة الوسائل لإسقاط نظامها ، وقد يستعين الشعب بالمجتمع الدولي عندما يتعذر التخلص من هذا النظام الذي يكبلها ، خاصة وأن المجتمعون في الأمم المتحدة قد قرروا أنهم لا يمكن أن يسمحوا بأن تبقى قضية حقوق الإنسان حبيسة الحدود الوطنية للدول ، في ظل وجود نظام عالمي جديد ، بعد انتهاء الحرب الباردة ، واعتبروا أن الأمم المتحدة يجب أن تتوسع لتشمل مهامها مراقبة الانتخابات ، واحترام حقوق الإنسان في الدول التي تنتهك هذه الحقوق ، وفى البيان الختامي لمؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في فينا حول حقوق الإنسان جاء فيه :
" جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ، ومترابطة ومتشابكة ، وإن من الأهمية ضمان العالمية والموضوعية ، وعدم الانتقائية عند النظر في قضايا حقوق الإنسان " ، كما أكد الأمين العام في ذلك المؤتمر على ذلك بقوله " إن حقوق الإنسان هي التي تحرك كل نشاطات منظمتنا باعتبارها قاعدتها الأصلية وهدفها الأكبر........ وأنه إذا أتضح أن الدولة غير جديرة بمهمة حماية حقوق الإنسان ، وعندما تنتهك المبادىء الأساسية التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة ، وتسيء معاملة مواطنيها عوض أن تحميهم ، في تلك الحالات لابد للمجتمع الدولي أن يأخذ مكان هذه الدولة التي أخلت بوجباتها...... إن حقوق الإنسان بطبيعتها قد ذوبت الحاجز التقليدي الذي يفصل بين النظام القانوني الداخلي والنظام القانوني الدولي ، وهكذا خلقت حقوق الإنسان بين هذه الأنظمة علاقات جديدة"([82])
كما أن حرية التكتل جزء متمم لحرية التعبير وهى التي تعطى حرية التعبير تجسيداً لقيمتها ومعناها، لأنه يمثل مرحلة الانتقال من حيز الفكر إلى حز العمل الاجتماعي العام ، فالإنسان تربطه مع أخوته وأبويه علاقات أسرية ، وتربطه مع أنداده في السن علاقة الجيل الواحد ، وتربطه مع زملاءه علاقة المهنة ، ومع أبناء حيه علاقة الجوار ، ومع مماثليه في الفكر علاقة الجمعية أو الحزب ، وهكذا ، فالمجتمع الواحد ليس مجرد مجموعة كتل منفصلة عن بعضها البعض ، بل هو مجموعة كتل منفصلة ومتداخلة في نفس الوقت([83]).

ومن سمات الحرية أنها لا تستمر إلا في ظل توازن متعادل بين الكتل والأحزاب والطوائف الموجودة في الدولة ، فمبدأ " عش ودع غيرك يعيش" هو أساس كل اتحاد أو وحدة بين البشر ، لأن القاعدة التي تبنى على أساسها الدولة هي الرضى بالتعايش والتعاون والتضامن في إطار جغرافي معين بين أقوام وجماعات قد تختلف عن بعضها البعض بالجنس والدين واللغة ، لان الشعب يجتمع من خلال وحدة الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ المشترك ([84]).

ومن سمات الديمقراطية بما تعينه من مشاركة معظم المجموعات السكانية في العملية السياسية وفى صنع القرارات الحكومية([85]) ، ومن سماتها وجود دستور مكتوب بحد من سلطتها حيث أن هناك أسلوبين لنشأة الدساتير هما([86]) :
1- الأسلوب غير الديمقراطي : وهو الأسلوب الذي تسود فيه إرادة الحاكم في إنشاء الدستور ، سواء انشأ هذا الدستور بإرادته وحده أم تلاقت إرادته مع إرادة الأمة ، لذلك يطلق على هذا الأسلوب غير الديمقراطي لأن إرادة الأمة لم تستقل وحدها في إنشاء الدستور.
2- الأسلوب الديمقراطي : وهو الذي تسود فيه إرادة الأمة وحدها دون إرادة الحاكم في إنشاء الدستور ، ويكون الدستور وليد إرادة الأمة وحدها.

وإن أي تدخل من الحاكم أو السلطة الحاكمة في الدستور سيجعله غير ديمقراطي ، فبسبب المطالب الشعبية أو الرأي العام يضطر الحاكم أحياناً إلى وضع دستور للبلاد ، ولكن رغم ذلك لا يتنازل الحاكم عن أي شيء من سلطته أو عن بعض أجزاء من سلطاته للأمة ، فلا يكون وضعه للدستور ، إلا أنه قد قام بأسلوب لا ديمقراطي من خلال المنحة الاضطرارية([87]) .

كما أن الإرادة العامة للأمة هي التي يجب أن تسن القانون ، وتشرع لنفسها بعد أن تذوب كل الميول الخاصة ، وتخضع المصالح الخاصة للمصلحة العامة ، والأمة وفق هذا المبدأ هي كل نفساني أو جهاز له روح ، ويجب أن تنسجم معها القوانين([88])، ويجب أن تنفصل السلطة التشريعية عن التنفيذية ويتحقق التوازن بينها كي لا تظلم أي منهما المواطن الحر ، فالحرية هي حق طبيعي لكل إنسان ، وهذا ما أكده منتسكيو في كتابه روح القوانين([89]) ، وعلى هذا الأساس كان الفارق بين الإنسان الحر وغير الحر عند أرسطو ، حيث أكد أن الإنسان الحر يستطيع أن يمارس الثقافة كأن يكتب أو يفكر أو يخطط للمجتمع في ذهنه، أما العبد فإنه دون هذا المستوى فهو وجد من أجل القيام بالعمل الجسدي ، حتى وإن حاول تحقيق حريته([90]).

كما يجب على النظام الاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع أو الدولة أن يسمح بالحوار الحر وبحرية التعبير للأجيال الجديدة ، لأن مشكلة الشخصية الوطنية تنعقد بسبب الفجوة بين الأجيال ، وتزداد حدة بضعف الروابط والقيم التقليدية المستمدة من الأسرة ، والعلاقات المجتمعية الثابتة ، ويصبح الحوار بين الأجيال مستحيلاً وليس له أي معنى ، فانهيار الاتصالات بين الأجيال ، كان له جذوره في عدم ملائمة الرموز القديمة للكثير من الشباب ، فالجدل يتطلب القبول بإطار عام يمكن الرجوع إليه ، وعلى هذا الأساس الصدام بين الأجيال غالباً ما يقع بسبب أن الكثير من الشباب يرفضون قيم من هم أكبر منهم سناً ، كما أن بعض الشباب يتهربون من مسؤولية تحمل القيم ، وبالتالي فإن وصول أجيال من الشباب تدعي الخبرة وحقها في الاشتراك في سلطة الحكم ، بحكم أنها مدربة على أعمال متقدمة أكثر من الجيل الذي سبقها ، بينما الجيل السابق ( النخبة الأقدم) تدافع عما تعتبره مصالحها المكتسبة الخاصة وطريقتها الخاصة بالحياة ، وبنتيجة الصدام يتولد عدة قضايا حادة([91]) .

ومن غير المتوقع تحول الدولة الديكتاتورية إلى الديمقراطية ؛ لأن النخبة الحاكمة فيها غير مستعدة أن تتخلى عن تحكمها غير المقيد بالدولة والاقتصاد والمجتمع ، وإن فعلت ذلك فهي تحتاج إلى إجماع أغلب فئاتها بشكل عقلاني ، وهذا مستحيل ، كما أنها لا تستطيع أن تعمل ضد مصالح الطبقة المستفيدة التي انحدرت منها ، إضافة إلى أنها دولة تعانى من مشكلة التبعية للخارج ، وخاصة إذا كانت دولة من الدول المتخلفة اقتصادياً فتكون الصناعة فيها استهلاكية ، وأى تحول ديمقراطي فيها سيؤدى إلى انفراج سياسي ، وإطلاق العنان لقوى كانت حبيسة السياسية الديكتاتورية الخانقة مثل : القبلية السياسية ، والطائفية ، والإقليمية ، والإثنية ، وتبدأ فيها مطالب الانفصال في جسم الدولة أو المطالبة بالتمثيل السياسي بالحصص والأنصبة ، بناءاً على نسبة أفرادها إلى باقي السكان([92]).
ويرى منيف الرزاز أنه لا قيمة للبرلمان في الدولة الديكتاتورية ، لأن العضو لا يتمتع فيه بأن يقول رأيه بحرية تامة لو خالف رأيه هذا رأى الحاكم ، ولا قيمة للبرلمان المنتخب من الشعب ، إذا كان الشعب قد فرض عليه رأى واحد ، ولا يمكن في هذا البرلمان أن يختلف نائب مع آخر ، ولا يمكن أن يميز الناخب نائباً من آخر ، لأن الجميع يكونوا موالين للنظام ولا يحققون سوى رغباته ، وعلى هذا فإنه يجب أن تتوفر حرية التعبير بحيث تختلف الآراء وتتصارع ، وتنزل إلى حلبة الجدال والنقاش ؛ لذلك يجب أن تكون المجالس النيابية منتخبة انتخاباً حراً ، وأن يكون للشعب رأى في انتخاب أعضاء المجلس ، وإذا كان هناك ثمة بعض المساوىء لهذه المجالس إلا أنها تعتبر أفضل طريقة وجدتها الشعوب من أجل حكم ذاتها ، ومن أجل التخلص قدر المستطاع من حيز الاستعباد والطغيان الشخصي([93]).
وبناءاً عليه فإن تحقق الحرية الدستورية والبرلمانية والانتخابية ، وحرية الفكر والتعبير والتعليم ، من خلال نظام ديمقراطي يحقق المصلحة الوطنية قدر استطاعة الدولة ، من خلال برلمان منتخب ، ودستور يصدر عن الأمة ، ومن خلال وجود قيادة سياسية معبرة عن رغبات الأمة ، مع ضرورة الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وتحقيق التوازن بينهما ، سيقود إلى المساهمة في تقوية الوحدة الوطنية في الدولة ، كما أن للدولة الحرية في محاسبة من يسعى للعبث في الوحدة الوطنية ، أو يسهم في إضعافها من خلال تعصبه العشائري أو الإقليمي أو الطائفي أو الإثنى ، بغية الحفاظ على وحدة الدولة وتماسكها ، وبذلك تتقوى الوحدة الوطنية في الدولة.

· مدى تحقق العدالة والمساواة في الدولة :
يرى البعض أن السياسية هي جهد يبذل في سبيل إقرار العدل والأمن من خلال تأمين المصلحة العامة والخير المشترك من قبل السلطة السياسية ، وحماية هذه الأشياء من المطامع الخاصة ، إلا أن وجود الطبقية داخل المجتمع يجعل الطبقة الفقيرة المحرومة ترى أن السلطة السياسية لا يمكن أن تكفل الأمن والنظام إلا لمصالح أصحاب الإمتيازات في المجتمع ، بخلاف أفراد الطبقة الفنية الذين يرون أن السلطة تحقق الأمن والنظام الصادق ، وتحاول أن تقنع أفراد الطبقة الفقيرة أن الصراعات السياسية لا تؤدى إلى خير([94]) ، وما يؤكد هذا الرأى قول هيردورت ، أن الحكومة أو الدولة لا توجد إلا إذا توافر فيها شرطان هما([95]) :
1- الشعور الجماعي بحاجتها .
2- ثقة الجميع في عدالة القضاء وقراراته وأحكامه .

فعلى أساس العدالة التوزيعية ظهرت النظرية الماركسية ، التي رأت بأن السياسية هي صراع المصالح ، وأن الحكومات تمثل مصالح جماعة ما وليس مصلحة الشعب ، وأن الصراعات التي تكون السياسية هي صراعات طبقية ، وأن المصالح التي تمثلها الحكومات هي مصالح طبقية بشكل ثابت ورئيسي ، وأن محرك أي تغيير في المجتمع إنما هو الصراع الطبقي([96]) ، لكن الدولة الشيوعية السوفيتية أو الصينية ، أو غيرهما ، رغم ما حققتاه من عدالة توزيعية حسب أسس الماركسية ، إلا انهما ضحتا بالحرية ، فقدمتا شيئاً وأخذتا شيئاً أهم وهو الحرية ، بخلاف الدول الرأسمالية ، التي أعطت الحرية مقابل عدم عدالتها التوزيعية ، وفى ذلك يقول أرنولد تونبي في كتابه " العادة والتغيير " :

" إن الرأسمالية الغربية أخطأت في تضحيتها بالعدالة في سبيل الفردية ، والشيوعية أخطأت في تضحية الحرية من أجل العدالة ، وكلتا النظريتين مادية ، وتفسير العدالة على هذا الوجه تفسير خاطىء ، فالإنسان ليس حشرة اجتماعية ، ولكنه مخلوق ذو كرامة وإدراك واختيار ، وجميع المذاهب والنظريات المادية لا تستطيع أن تحقق الانعتاق الروحي الذي يمنحه له الدين"([97]) .

لكن يرى ابن خلدون أن الظلم في المجتمع ليس بسبب التفاوت المادي ، بل بسبب الجاه والسلطة ، لأن المال التابع للجاه والسلطة ومستخدميها ، فالوظيفة الاجتماعية للفرد لم تكن تتحدد بما يملك ، وإنما تتحدد بمقدار الجاه الذي له ، والنفوذ الذي يملكه ، فالانتقال من مرتبة إلى أخرى بالسلم الاجتماعي لا يتم لفرد وحد من خلال سعيه واجتهاده بالكسب ، بل من خلال انتقاله الجماعي ؛ فالمال الذي يحصل لصاحب الجاه يتم من خلال قربه من الحاكم ، واستعمال سلطة القهر في جمع الأموال مثل الضرائب والجبايات والمصادرات على فاقدي الجاه، وأن وجود طبقة أرستقراطية في المجتمع، تعتمد على التطفل ، وتتسم بالأخلاق الذميمة ، بسبب انغماسها في ملذات الحياة ، وتقربها من السلطان ، وعدم تأديتها أي وظيفة اجتماعية ، سوى الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم ، سيؤدى إلى فقدان الأمن في المجتمع ، ويسبب الأزمات الاقتصادية في الدولة ، وتقاعس الناس عن العمل ، واشتعال نار الفتنة والتوتر في الدولة ، ومن ثم انهيار الدولة([98]) .
كما يؤكد لينين أن الثورات الاجتماعية تنجح من خلال توافر شرطين هما([99]) :
1- قيام وضع ثوري.
2- وجود تنظيم جماهيري ثوري.
وعلامات الوضع الثوري عند لينين هي :
· أن يستحيل على الطبقات السائدة الاحتفاظ بسيادتها دون أى تغيير ، لأنه لابد أن ينشيء صدع في الطبقة السائدة يؤدى إلى استياء الطبقات الأخرى وغضبها ، فتفجر الثورة يحتاج إلى رفض القاعدة الوضع القائم ، وأيضاً رفض القمة الوضع القائم.
· أن يتفاقم بؤس الطبقات وشقائها أكثر من المألوف .
· تعاظم نشاط الجماهير ، فقدرة الطبقة الثورية على القيام بأعمال ثورية جماهيرية قوية ، يحدث أنها تصدع ، أو تحطم الحكم القديم ، أو تسبب له الأزمات .

وحول العدالة التوزيعية في القيم يرى ويلسون أن الإنسان ولد حراً ، لكنه مكبل بالأغلال في كل مكان ، بسبب الظروف الاجتماعية التي تسود مختلف البلدان ، ويمكن للإنسان أن يتحرر منها وأهم هذه الظروف هي([100]) :
1- عامل التنشئة الاجتماعية : وهى الخبرة التي يكتسبها الإنسان من محيطاته الخارجية.
2- عامل نشاطات المجتمع التي يتأثر الإنسان فيها.

كما يرى أن هناك صراعاً يحدث بين المواطنين للحصول على أفضل المراكز في المجتمع ، وقد ينقلب هذا الصراع ليصبح صراعاً ضد السلطة التي تختار أناس معينين دون الآخرين في تلك المراكز.
كما يرى البعض أن الخلافات العرقية والطائفية في المجتمع كانت بالدرجة الأولى ؛ بسبب عدم وجود العدالة التوزيعية للقيم المادية والمعنوية ، من موارد للدولة ، إضافة إلى الرغبة في المشاركة السياسية ، والحفاظ على القيم الثقافية ، فعندما تكون الحكومات قاصرة ، إما بسبب سوء الفهم أو الغطرسة أو الاستخدام السيىء للموارد ، يتبلور الجفاء بين السلطة المركزية ، والقوى العرقية والمذهبية ، مما يهدد الوحدة الوطنية ، كما يؤثر ذلك على استقرار الدول المجاورة ؛ حيث في مثل هذه الظروف تتحول الإثنية والمذهبية إلى قضايا أمنية ، فتلجأ المؤسسة العسكرية لقمع المشاعر التي تعتبرها انفصالية([101]) .
لذلك على السلطة السياسية عاتق تحقيق العدالة والمساواة في المجتمع ، لأن تحقيق العدالة الاجتماعية يزيد من تضامن الشعب ، ويجعل الوطن للجميع ، كما أنه من شروط اندماج الأقليات في المجتمع هو في قدرة الدولة على تحقيق المساواة بين أبناءها ([102]) ، وعلى ذلك فالنظام الذي لا يبلي متطلبات الشعب المحكوم من قبله يكون يلبى حاجة الطبقة الحاكمة ، ويحول الشعب إلى عبيد ، ويؤدى ذلك إلى الثورة الاجتماعية وسقوط النظام([103])، وهذا ما يفسر عدم رغبة سكان كيوبك في كندا، في الانفصال عن جسم الدولة ، رغم تمايزهم عرقياًُ ولغوياً وطائفياً عن باقي سكان كندا ، والسبب في ذلك يعود إلى المساواة والعدالة الاجتماعية ، والحرية في ممارسة اللغة والاشتراك في كل مؤسسات الدولة بلا أدنى تميز ، وعلى العكس من ذلك كان التميز في إعطاء الوظائف بين الشماليين والجنوبيين في السودان في عهد التمهيد للاستقلال عام 1954 ، قد جعلت النزعة الانفصالية للجنوبيين تتولد إلى أن شكلت في النهاية حرباً أهلية بدأت في أغسطس 1955 ، وما تزال آثارها إلى الآن([104]) .
ولكن لكى تتحقق العدالة داخل الدولة لابد أن يكون هناك قوانين ودستور ، وأن يكون هناك توافق بين القوانين والدستور على أن تتوافق هذه القوانين مع روح الشعب وطبائعه ، فالثورة الفرنسية لم تتصور أن القانون يمكن أن يكون من صنع فرد أو مجموعة أفراد ، لأن الفرد لا يكون بطبعه إلا مستبداً أو محدود التفكير ، تسيره دوافع شخصية ، وطبيعية القانون غير الشخصية ، لا يوافقها إلا سلطة تشريعية غير شخصية ، وفى ذلك يقول مونتسكيو :
" لجميع الدول بشكل عام هدف واحد هو البقاء ، ولكل دولة هدفها الخاص ... ومتى عرف هذا الهدف ، فإنه يحتاج إلى قوانين خاصة كيما يتحقق ، ولكن القوانين مرتبطة بمعطيات أخرى كأحوال الإقليم ، وطبيعية التربة ، وكثافة السكان ، والديانة السائدة ، وكل منها يقتضى تشريعاً صالحاً ينسجم مع التشريع المتعلق بالمجموع"([105]) .
كما أن الدولة القوية لا يقوم بناءها على العامل القانوني وحده ، بل لابد لها من العامل الأخلاقى فالطاعة ممكن أن تحققها القوة ، لكن الولاء لن يأتي إلا إذا أحس المواطن أن النظام لا يجسد إلا ما يعتبره الناس عدلاً ، لذلك لابد من توافر العدل حتى يسهل تطبيق القانون عن رغبة لا رهبة والأفضل توفر العنصرين معاً ، فالعدل يتضمن وسيلة وغاية ، الوسيلة هي المعاملة بالقسط ، والغاية هي التعرف على مصالح الأفراد و تطلعاتهم في محاولة لتحقيقها وإشباعها في ضوء الإمكانات المتاحة أملا في إنجاز الانسجام وتحقيق التكافؤ فيما بينها جميعاً ([106]) ، لكن امتلاك السلطة المطلقة من قبل الدولة ستجعلها تضحى بالعدل ، لترضى مؤيديها ، وهذا سيضعف الوحدة الوطنية في المجتمع ، لهذا فقد رأى منتسكيو ضرورة الفصل بين السلطات حتى يقل الصراع في المجتمع ، ووجود دستور يحدد سلطات كل من هذه السلطات ، إلا أن بعض الأنظمة الديكتاتورية تلجأ لوضع دستور يلائمها ، رغم ما يعنيه الدستور حقيقة كونه القانون الأساسي للدولة ، الذي ينظم قواعد الحكم ويوزع السلطات ويبين اختصاص كل منها ، كما يضع الضمانات لحقوق الأفراد ، ويبين مدى سلطات الدولة عليهم ، هو قانون يعلو على جميع القوانين الأخرى التي تتفرغ عنه ، وتستمد شرعيتها من شرعيته ، على اعتبار أن الأعمال الإدارية لا تكون مشروعة إلا إذا توافقت مع الدستور ، ورغم ذلك تلجأ تلك الأنظمة إلى الادعاء بأن شرعيتها هي شرعية دستورية بناءاً على الدستور الذي وصعته ، لكن هذا لا يقود إلى شرعية النظام ، لأن الدستور هو وليد إرادة الأمة ، بدون أي تدخل من السلطة الحاكمة([107]) ، وعلى هذا فينشىء عدم الشرعية في النظام السياسي ، وهذا يؤدى إلى تحطيم السلطة ، ويسبب عبئاً كبيراً على الميزانية العامة للدولة ، وكل هذا سيقود إلى ضعف في الوحدة الوطنية ، بسبب عدم وجود عدالة للنظام السياسي.
وفى الأنظمة الديكتاتورية أيضا فإن تمثيل النظام السياسي للشعب يجد قاعدته في القدرة على تلبية حاجات الجماهير الأساسية ، أي على حماية وتشجيع مبادراتها الذاتية ، وقابليتها لتحطيم قيودها جميعاً ، أما الدعم الذي تقدمه الجماهير في ظروف معينة لمثل هذه الأنظمة ، فهو علامة ضعف مؤقت من الجماهير ، وعجز سياسي عابر منها على توحيد نفسها وتنظيم صفوفها وفقاً لحاجتها الأساسية ، هذا الدعم الشعبي يصبح عند قادة النظام رصيداً أساسيا في حوزة النظام ، وورقة في اللعب يمارسها داخل الطبقة المسيطرة لخدمة المصالح الأساسية لجهاز الاستغلال الذي يحميه ، لكن هذا سيكون مؤقت فعدم وجود العدالة والمساواة ، وخضوع الشعب فترة محدودة لذلك النظام سيقود حتماً إلى الثورة الاجتماعية ، بسبب الهوة بين الشعب والنظام ؛ وحدوث ثورة ، يعنى عدم وجود وحدة وطنية.

وبالعكس ففي الدول الديمقراطية تعمل الأنظمة على تحقيق أعلى درجات العدالة والمساواة في الحياة العامة وفى النظام السياسي ، فعلى سبيل المثال يكون التمثيل فيها تبعاً لأعداد المواطنين ، لكن الكثافة أو الخلخلة السكانية تؤدى إلى تفاوت في التمثيل السياسي ، مما يؤدى إلى خلق بعض الضغائن بين المناطق المختلفة للوطن الواحد ، ولحل هذه المعضلة ، عمدت هذه الأنظمة إلى اتخاذ نظلم المجلسين ( إحداهما عن طريق التمثيل النسبي لعدد السكان في كل قسم إدارى ، والآخر يتساوى فيه عدد الأعضاء الممثلين لكل قسم ) ، وهذا ما ساهم في تحقيق الوحدة الوطنية داخل هذه الدول([108]) .

فالوحدة الوطنية تتطلب تحقيق المساواة والعدالة في جميع المجالات السياسية ، والاقتصادية والعسكرية ، والاجتماعية ، لأن عدم تحقيقها سيؤدى إلى تشتت أفراد الوطن وسلبيتهم في العمل وفى النضال ، وفى التضحية من أجل الوطن ، وأكبر مثال على ذلك أن هزيمة الخامس من يونيو عام 1967 ؛ كانمن أسبابها عدم وجود عدالة توزيعية ووجود فجوة بين الضباط والجنود العرب ، وفى ذلك تقول يائيل ديان في كتابها "يوميات جندي" :
" لقد افسد الترف الضباط المصريين ، فقد كانوا أثناء المعركة -1967- ، يرتدون الملابس العسكرية المصنوعة من الحرير ، وينتعلون الأحذية الملمعة ، أما جنودهم فقد كانوا في حالة مزية من القذارة ، وكانت ملابسهم خرقاً ممزقة ، أما جنودنا - أي الجنود الاسرائليين - فقد كانوا يرون ويعرفون أن الجنرال أريك شارون وسائقه يورام يرتديان نفس الملابس ، وينتعلان نفس الأحذية ، ويأكلان نفس الطعام " ([109]) .
فالمساواة والعدالة التوزيعية للقيم المادية والمعنوية هي عنصر أساسي في تحقيق التضامن والوحدة بين أبناء الوطن الواحد ، وتضيق الهوة التي تفصلهم عن بعضهم البعض ، وتجعلهم يداً واحدة تعمل من أجل التنمية في الداخل ، والدفاع عن الوطن في الخارج ، وبذلك تتقوى الوحدة الوطنية وتصبح دعامة للدولة والقيادة السياسية في تحقيق أهدافها الداخلية والخارجية ، وتحقيق أمنها القومي([110]) .

ثالثاً : طبيعية التفاعل السياسي والاقتصادي والإجتماعى بين الشعب والنظام السياسي

من المعلوم أن التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة تكون متداخلة بشكل يجعل من الصعب الفصل بينها ، لأن الاقتصاد يتبع السياسية والسياسية هي حصيلة التفاعلات الاجتماعية ، فتتمايز سياسية كل دولة بتمايز العوامل الاجتماعية فيها ، لكن سنحاول الفصل بين هذه التفاعلات قدر المستطاع ، بحيث نبين مدى تأثير كل عامل سواء كان سياسياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً بين الشعب والنظام السياسي وتأثير ذلك على الوحدة الوطنية في الدولة.

· التفاعل السياسي بين الشعب والنظام السياسي :
يرى البعض أن الصراع الذي يحدث في المجتمع على فترات متباعدة ؛ هو في الحقيقة صمام الأمان الذي يعمل على تصفية التوترات التي تختزنها المجتمعات وهى في حالة تطورها ، فالصراع من أقوى الدوافع على تماسك الجبهة المتصارعة ، حيث تنسى أحقادها الذاتية وتوحد صفوفها ، من أجل مواجهة القوى الأخرى المتصارعة معها ، فالصراع السياسي في هذه الحالة يزيد من دعم النظام السياسي ، ويحقق نوع من الوحدة بين النظام ومجتمعه بحيث يساهم ذلك في زيادة الوحدة الوطنية في الدولة([111]) .
كما أن العمليات السياسية بين النظام السياسي ومجتمعه ، تحقق نوعاً من التفاعل بين النظام والشعب ، فالاستقرار السياسي في المجتمع لا يحدث إلا من خلال مظهرين هما([112]):
أولاً : اتفاق إرادي عن طريق الرضى والقبول ، فتقبل المواطنين طواعية لأنماط السلطة الموجودة في المجتمع من خلال الفكر الحر عن طريق المشاركة والإقناع ، وهذا يحقق زيادة في قوة الوحدة الوطنية بين الشعب والنظام.
ثانياً : اتفاق اوتوقراطية استبدادي مطلق عن طريق الممارسة المستمرة للإكراه والإجبار والقسر ضد كل من يحاول الرفض ، حيث كل صوت مرتفع لابد أن يقابل بالكبت بوسائل عدة من قبل النظام الأتوقراطى ، لكن هذا الاستقرار سينتهي بانفجار يتم بصورة فجائية عاصفة ، وهذا ينقص من قوة الوحدة الوطنية بين الشعب والنظام ، حيث أن زيادة هذه الهوة ستؤدى لانهيار النظام السياسي.

كما يعمل النظام السياسي على تحقيق الانسجام داخل الدولة ، من خلال اتخاذ تدابير فيها نوع من الشدة تجاه بعض الجماعات التي لا تسلس قيادتهم ؛ بسبب اختلاف الأمزجة والأهواء([113]) ، مثل البدو الذين يتصفون بالعناد وعدم الطاعة والقسوة والشدة والفوضى ، وعمل النظام السياسي هذا يساهم في زيادة قوة الوحدة الوطنية ، لان فوضى هؤلاء من الممكن أن تحدث عدم الاستقرار داخل الدولة.

رغم أن النظام السياسي يحاول على الدوام اجتناب القمع المكشوف ، إذا كان له خيار آخر ، بسبب أن القمع يولد بعد فترة قصيرة ، تضامناً متزايداً ، ضد عمليات النظام هذه ، ويشكل مدعاة لإعادة النظر في مجمل بنيان الوصاية الأيديولوجية التي يعتنقها النظام ويحكم من خلالها الشعب ، فيعمل النظام على امتصاص المتمردات والضغوط الشعبية من خلال إعطائها مجالاً للتعبير عن نفسها حتى لا يزداد توحدها ضده ، لكن هذا قد يزيد من قوتها في ظل تردى النظام نحو الضعف والخمول([114]) ، وهذا سيؤدى إلى عدم وجود استقرار سياسي ، بسبب عدم قدرة النظام السياسي على احتواءها ، وهذا يحدث ضعفاً في الوحدة الوطنية في الدولة ، بسبب الهوة التي تشكلت بين النظام والشعب.

ومثال على ذلك رفض الشعب المصري استسلام الخديوي توفيق (1852-1892) للإنجليز ، عندما شرع الإنجليز في احتلال مصر ، وضربوا الإسكندرية ، لكن الشعب المصري رفض الاستسلام وخلع شرعية الخديوي توفيق ، وأعلن تشكيل البرلمان الثوري الذي عمل على القتال ضد الإنجليز والنظام ، وسمي بالمجلس العرفي ؛ الذي اجتمع فيه ممثلي الشعب المصري ، وجسدوا الوحدة الوطنية في مصر على اختلاف أديانها وفئاتها الاجتماعية([115]) .
وبناءاً عليه فإن الشعور بالوحدة الوطنية ، هو أساس يتكون لدى المواطنين نتيجة لتوافر عدة عوامل ، تصاحب الشعب منذ نشأة الدولة ، وكلما توافر أكبر عدد من تلك العوامل ، كلما ازداد الإحساس بالوحدة في نطاق الدولة ، وصارت أشد ضرورة في أوقات الخطر ، وخاصة عندما تجد الشعوب نفسها على مفارق طرق([116]) ، وبالمقابل فإن أجهزة السلطة التنفيذية لها دور في تقوية الوحدة الوطنية ، من خلال دورها في تجميع الخيارات الاجتماعية والثقافية والعرقية داخل الدولة ، وغرس مشاعر الولاء والانتماء من خلال تحقيق المساواة بين جميع أفراد الشعب ، ويعتبر الأخذ بنظام التمثيل النسبي له دور في إرضاء كل جماعات الدولة ، وتخفيف حدة الصراعات في المجتمع ، بينما الأخذ بنظام يكفل تمثيل طوائف أو فئات معينة ، بهدف إرضاء بعض الجماعات دون الأخرى ، لن يساعد في تحقيق الوحدة الوطنية ؛ لأنه لن ترضى به الجماعات الأخرى([117]) .
ويكون للحاكم في الدولة ، دوره في تحقيق الوحدة الوطنية عندما يقوم بتشكيل مؤسسات حكومية مركزية قوية ، ويعمل على تطوير نظم المجتمع ، ويحافظ على وحدة الدولة وتضامنها ، ومن الممكن أن يصبح رمزاً للوحدة الوطنية عندما يقضى على الطائفية والمصلحة والعرقية ، ويؤمن بوحدة الدولة ضد أي انقسامات فيها ، ويتجنب أي مناقشات قد تفتح الباب لوجود انقسامات داخلية ؛ تضعف الوحدة الوطنية ، ويتجنب الخوض في الخلافات الموجودة داخل المجتمع ، وأكبر مثال على ذلك الزعيم المصري سعد زغلول الذي ساهم في الوحدة الوطنية عندما حاول الاستعمار الإنجليزى اضعافها ، فلم يكتف بالشعارات والبرامج السياسية ، بل جاء أئمة المسلمين يخطبون في الكنائس ، والقساوسة يخطبون في الجامع الأزهر الشريف ، كما طبَّق الوحدة الوطنية في الحياة اليومية وفى كل وظائف الدولة([118]) .
فأي نظام سياسي عليه واجبات محددة ، تكفل له حل المشكلات والأزمات خلال فترة زمنية محددة ، بحيث يؤدى ذلك إلى تحقيق التأييد الشعبي لسياسات النظام ، ومن ثم تكسب هذه الحكومة المصداقية والاحترام في أعين الجماهير ، وأهم هذه الواجبات هي :
1- قضية بناء الدولة ، وتعنى أن يكون هناك سلطة مركزية قادرة على التغلغل والنفاذ إلى كافة أرجاء الدولة ، بحيث تخضع كافة الجماعات في الدولة لسياستها .
2- قضية بناء الأمة : وتعنى خلق ولاء محلى لجميع أفراد الوطن بحيث يسمو على كل الولاءآت الأخرى ، وينصهر في بوتقة هذه الولاءآت الموجودة في المجتمع .
3- قضية المشاركة ، وتعنى زيادة الشرائح والجماعات بفعالية وجدية في العملية السياسية.
4- قضية التوزيع ، وتعنى إمكانية الوصول إلى مزايا الحياة الاقتصادية من خلال توزيع القيم في المجتمع.
ولكي يتم تحقيق الاندماج بين القيادات السياسية وبين الجماهير في الدولة سواء كانوا من الأغلبية الحاكمة أم من الأقلية ، فيجب أن تتمتع هذه القيادات بالشرعية السياسية التي تعنى رضا وقبول المحكومين لسياسات وقرارات القيادة السياسية ، وما يقتضيه ذلك أيضاً من قدرة القيادة السياسية أن تكسب احترام وثقة الجماهير بكافة قطاعاتها ، بغض النظر عما قد يوجد بينها من اختلافات وانقسامات عرقية ولغوية ودينية واجتماعية ، وآلية تحقيق ذلك تكون من خلال التنظيمات السياسية التي تؤمن القنوات الازمة لاستيعاب مطالب الجماعات والقوى ، بما فيها من مطلب المشاركة ، ودون أن تضطر هذه القوى والجماعات إلى الالتجاء إلى العنف ، والخروج من إطار الشرعية القائمة ، لأن هذه التنظيمات تمثل القنوات الموصلة بين الجماهير ونظام الحكم والمؤسسات المتفرغة عنه ،سواء كانت هذه القنوات أحزابا أم جماعات مصالح مثل النقابات أو التنظيمات المهنية أو غير ذلك ، لأنها تطلع بدور كبير في تبيان مدى شرعية النظام السياسي ، كونه يشكل أداة قمع وقهر لها([119]) .
كما أن وجود دستور منبثق عن الشعب ويحقق مصالحه ، سيساهم في زيادة قوة الوحدة الوطنية في الدولة ، خاصة إذا حوى في فقراته مواد تؤكد على وجوب الوحدة الوطنية وتفرض على الشعب والنظام على حد سواء تحقيق ذلك ، فعلى سبيل المثال جاء في الدستور المصري لسنة 1972 :" تقوم الوحدة الوطنية على أساس إعطاء الأولوية دائماً لأهداف النضال الوطني التحرري ، وعلى أفضلية المصالح القومية الشاملة على المصالح الخاصة ، لكل قوة أو طائفة أو فئة اجتماعية"([120]) ، وجاء في المادة الثالثة أيضاً : " يعاقب بالحبس كل من انشأ أو نظم أو أدار جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة على خلاف حكم المادة الأولى"([121]) ، كما جاء في المادة الرابعة من نفس الدستور السابق : " يعاقب بالحبس كل من عرض الوحدة الوطنية للخطر بأن لجأ إلى العنف أو التهديد أو أية وسيلة أخرى غير مشروعة ؛ لمناهضة السياسية العامة المعلنة للدولة أو للتأثير على مؤسساتها السياسية والدستورية في اتخاذ قرار بشأنها"([122]) ، وجاء أيضاً في المادة السادسة من نفس الدستور:" يعاقب بالحبس كل من حرض بإحدى وسائل العلانية المنصوص عليها في المادة السابعة عشرة عقوبات على بعض فئة من فئات قوى التحالف ، أو طائفة من الناس أو على الازدراء بها أو إثارة الفتنة بينها ، إذا كان من شأن هذا التحريض الإضرار بالوحدة الوطنية "([123]) .

· التفاعل الاقتصادي بين الشعب والنظام السياسي :

يحدث التناقض في المجتمعات المتخلفة عندما يحدث انعدام في التطور التكنولوجي في اقتصاديات هذه المجتمعات ، لذلك تعمل الجماهير على إحداث تطور مادي لزيادة الدخل والدعوة للديمقراطية ، والمساواة والعدالة الاجتماعية ، ويلتفون حول المثقفين الثوريين لإسقاط النظام الذي لا يعمل على تحقيق أهدافهم حيث يتعاطف المثقفين مع الفلاحين بتأييدهم للإصلاح الزراعي ، والمطالبة برفع مستواهم المعيشي ، كما يتعاطفون مع العمال بدعوتهم أن حركتهم ستؤدى إلى نمو وزيادة سرعة الصناعات المحلية([124]) ، وعلى هذا الأساس يحدث الصراع بين الشعب بقيادة المثقفين وبين النظام الحاكم، بسبب الهوة بين القيادة والقاعدة ، وسبب هذه الهوة ، هو الصراع الطبقي ، وعلى ذلك يحدث ضعف في الوحدة الوطنية داخل الدولة.

كما أن تغافل النظام السياسي الحاكم عن وجود تطورات في المجتمع مثل : زيادة السكان ، وانخفاض أجور العمال في المدن ، وقلة عدد الأراضى الزراعية في الريف وعدم اتجاهه للتصنيع ، فيحدث التناقض بين المثقفين الاشتراكيين وبين النظام السياسي ، وفى معظم الحالات لا يستطيع النظام الاستمرار في المقاومة فيسقط ، ثم تبدأ دورة جديدة من الصراع بين النظام الحاكم الجديد الذي يقوده المثقفين ، وبين مؤيديهم من العمال والفلاحين والحرفيين .... الخ ؛ بسبب شغف هؤلاء المثقفين بالسلطة ، وابتعادهم عن الشعب([125]) ، وعلى هذا الأساس يحدث الهوة بين الجماهير والنظام الحاكم أيضاً ، وتبدأ تحالفات جديدة لإسقاط النظام ، وإثارة عدم الاستقرار في الدولة ؛ بسبب ضعف الوحدة الوطنية ، التي كان سببها الرئيسي هو التفاوت الطبيعي في المجتمع ، وعدم وجود تنمية اقتصادية للدولة ، وانخفاض دخل الفرد في الدولة.

كما يفسر سعد الدين إبراهيم أسباب العنف السياسي في المجتمع ، معتبراً أنه اقتصادي بالدرجة الأولى ، وعلى هذا فهو يرى أن أهم الأسباب هي([126]) :
1- اتساع الفجوة بين الأمل والواقع ، فحينما يخلص الأفراد أن الفجوة قد اتسعت بحيث تصبح غير معقولة ، ومن غير سنن الحياة ، أي غير طبيعية ، فيؤدى ذلك إلى إحساسهم بالفشل والإحباط ،ويؤدى ذلك إلى شحنات عدوانية وداخلية ، وهنا قد يلوم الأفراد أنفسهم ، ويؤدى ذلك إلى استسلامهم ، لكن إذا خلص الأفراد أن السبب في الفشل يعود إلى التركيبة السياسية والاجتماعية السائدة في المجتمع من حولهم ؛ فإن الشحنات العدوانية الداخلية تتحول إلى تهيؤ واستعداد لاستخدام العنف ضد النظام السياسي الاجتماعي القائم ، وتصبح المسألة هي مسالة بحث عن تكييف أيديولوجي ، وتنظيم ووسائل لتغيير هذا النظام.
2- عدم العدالة التوزيعية :
المعادلة التي يستخدمها الأفراد بوعي وبدون وعي هي :
العدالة التوزيعية = حجم الاستثمارات المادية والمعنوية للفرد.
العدالة التوزيعية = نصيب الفرد من الثروة والسلطة.

أي حجم الاستثمارات المادية والمعنوية = حجم استثمارات الشخص الآخر المادية والمعنوية = نصيبه من الثروة والسلطة ، والتقدير المعنوي يجب أن يكون متساوياً مع ما يحصل عليه الآخرون ، فعندما تكون مجهوداتي ضعف مجهوداتهم ، فإنني أتوقع أن احصل على ضعف عائد كل منهم ، وإذا كانت مجهوداتي نصف مجهوداتهم ، فإنني أتوقع أن احصل على نصف مجهوداتهم ، وهكذا ...... ، وأي اختلال في تلك القاعدة التوزيعية ينشأ عنه شعور بالظلم ، فالقاعدة لا تساوى بين الناس مساواة حسابية مطلقة ، وإنما تساوى بينهم في الفرص ، وتساوى بينهم مساواة نسبية في توزيع الثروة والسلطة كل حسب جهوده وكفاءته وإنجازاته ، والإخلال بالقاعدة يتحول إلى شعور بالظلم ، ومن ثم إلى سخط ومن ثم إلى تمرد وانقلاب من خلال العنف ، أي يؤدى إلى ضعف في الوحدة الوطنية.

3- الحرمان النفسي : فقد تتحسن أحوال الفرد في المجتمع لكنه يجد نفسه نسبياً أقل من التحسينات التي طرأت أو تطرأ على المجتمعات الأخرى المتشابهة مع مجتمعه ، وهذا يؤدى إلى السخط الذي يؤدى إلى التهيؤ لاستقبال واعتناق الأفكار الناقدة للنظام الاجتماعي السياسي والداعية للتمرد عليه والثورة ضده من خلال العنف ، أي ضعف في الوحدة الوطنية أيضا.

كما أن وجود تنمية اقتصادية فعالة في الدولة فسيؤدى ذلك إلى ارتفاع المستوى الثقافي، وإلى ثقافة سياسية عالية ، وهذا سيساهم في الاستقرار السياسي في الدولة ، وعدم تدخل الجيش لإسقاط النظام ، وبالتالي سيزيد من فرصة وجود وحدة وطنية فعالة([127]) ، وأيضا عندما يسعى النظام السياسي إلى خلق الولاء من جانب النظام السياسي ، وتدعيم شريعته ، وزيادة قدراته ، فيكون له ذلك من خلال عملية التنمية السياسية التي تقوم بعملية توزيع القيم المادية والمعنوية لمختلف القطاعات الشعبية ، وتخلق المؤسسات والقنوات التي تمكن الفرد في المجتمع من التأثير في صنع القرار على الصعيدين القومي والمحلى ، وتعبىء المواطن للمشاركة بحماس في مجهودات التنمية الاقتصادية والاجتماعية([128]) ، وبذلك تتحقق عملية المشاركة السياسية في المجتمع ، ويتاح للمواطن من خلال هذه المؤسسات الاستفادة من توزيع القيم المطالب بها من قبل أفراد المجتمع ، فتتحقق المطالب والتأييد لها من خلال بناء المواطن ، وتزيد من فعالية الحكم المدني ، الذي ينهض على دولة المؤسسات وبالتالي يصبح قادراً على السيطرة على المؤسسة العسكرية ، التي لولا فعالية الحكم المدني وتأييد الشعب لتدخلت في الحياة السياسية.

لكن تحقيق الديمقراطية في بلد يشكو الجوع والجهل والمرض ، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التنمية الاقتصادية ، من خلال زيادة الاستثمار الذي يؤدى إلى زيادة الإنتاج ، لكن زيادة الاستثمار صعبة مادام الدخل القومي في هذه البلدان لا يسد الحاجات الأساسية للسكان ، وبناء الصناعة الحديثة والقيام بمشروعات التنمية ، وتشييد المرافق الحيوية الأساسية أمور تفرض الضغط على الاستهلاك وتحويل المال المتوافر إلى تمويل المشاريع الاستثمارية وهذا يتطلب تخفيض مستوى المعيشة عن مستواه العادي ، ولا يمكن فرض مثل هذه التضحية إلا عن طريق فرض حكم ديكتاتوري ، إلا أن وجود هذه الديكتاتورية سيحدث كارثة وطنية بسبب هجرة صفوة العلماء ، وخبراء الطاقة الذرية ، وأساتذة الجامعات وسواهم ، لأنهم ذوى ميول ديمقراطية في الغالب والحل في هذا التناقض يكون ، من خلال إقامة حكم ثوري تقدمي ذو جذور شعبية عميقة راسخة تبطل الطابع الديكتاتوري المؤقت ، الذي قد يضطر إلى اتخاذه ؛ لأن ذلك الحكم يعد أقرب إلى الانزلاق في مهاوي التسلط والإرهاب كلما كان عزلة عن الشعب([129]) .

كما أن التناقض بين الفلاحين والعمال من جهة وبين الإقطاعين والبرجوازيين من جهة ثانية ، يضعف الوحدة الوطنية في المجتمع ، فالفلاحين يتصلون بمجمعهم من خلال وسطاء برجوازيين (دائنين لهم) ، حيث يعمل هؤلاء على الاستيلاء على أراضى زملاءهم المدنيين (الفلاحين) ، ويعمل نفس الشيء زعماء القبائل والقرى الذين يستولون على أراضي المشاع ويعتبرونها خاصة لهم ، ويستغلون ظروف الفلاح الاقتصادية والسياسية ، فيحدث التناقض بين السلطة السياسية ، التي يكون لها دور في هذه العمليات ، وعلى هذا الأساس يصبح الفلاحين قاعدة جماهيرية للحركات القومية التي يقودها المثقفون([130]) .
أيضا التطور الصناعي في هذه البلدان يؤدي إلي استياء أصحاب الصناعات القديمة ؛ بسبب تحولهم إلى عمال أجراء فيرتفع عدد الساخطين على أصحاب الصناعات الثقيلة تحت غطاء القومية مما يقود إلى ما يعرف بالفوضوية أو السنديكاليه وهو مذهب ثوري يسيطر فيه العمال علي الاقتصاد والحكم عن طريق حركة الإضراب العام، وتمتزج حركتهم بالاشتراكية والقومية وتنادي بهما([131]).

كما قد ينشأ الصراع داخل المجتمعات المتخلفة بين الرأسماليين من خلال تجمعاتهم (غرف التجارة ، الجمعيات التجارية ، نقابات رجال الأعمال.......) باستخدام نفوذهم بشكل يتناقض مع مصالح الإقطاع أو الحكومات الأرستقراطية ؛ لأن الرأسماليين ينتجون صناعات استهلاكية للسوق المحلية ، لذلك يعملون علي رفع مستوىالمعيشة والقوي الشرائية للفلاحين ، وقد يؤيدوا الإصلاح الزراعي ويطالبوا التعريفات وقائية لصناعتهم الوليدة مما يجعل الإقطاعيين يعارضون هذه الإجراءات بسبب حاجاتهم لتصدير منتوجاتهم الزراعية، وعلى هذا الأساس ينشأ الصراع في المجتمع([132]).

وكلا الحالات الثلاث السابقة تقود إلي عدم استقرار داخلي وهوة بين الفلاحين والعمال من جهة وبين البرجوازيين والاقطاعيين من جهة أخرى ، وبين الاقطاعيين في ظروف أخرى مع البرجوازيين بتحالفهم مع الفلاحين ، وفى كل هذه الحالات تضعف الوحدة الوطنية في المجتمع ؛ بسبب صراع المصالح المادية ، فمستقبل الوحدة الوطنية يتوقف على مدى النجاح في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمشاكل الأخرى ، ذلك أن المعالجة السياسية للمشكلة مع ضرورتها كخطوة أولى تفقد مدلولاتها إذا لم ترتبط بإيجاد الحلول لهذا المشاكل ، كما أن الوحدة الوطنية تتطلب وجود المصلحة الاقتصادية والاجتماعية ، إذ أن الفرد يزيد ارتباطه بوطنه من خلال ما يحصل عليه من مصالح شخصية ، لأن الوطن هو مكان الإقامة والراحة والمأوى الذي يحتمي فيه الفرد كما أنه يدافع أيضاً عنه في وقت الحرب.

· التفاعل الاجتماعي بين الشعب والنظام السياسي :

عملية التفاعل بين الفرد وبيئته الاجتماعية تؤدى إلى المطالب الداخلية لتغيير هذه البيئة نحو الأفضل ، والتي عادة ما تكون غير مستقرة بسبب تغيرات داخلية أو خارجية ، تؤثر في رفاهية الأفراد ، إضافة لما يحدثه التطور التكنولوجي في وسائل الاتصال ، ومحاولة كبت تلك المطالب من قبل النظام السياسي ، وعدم الاستجابة إليها سيحدث توتر قد ينتج عنه انفجار وعنف ، ورغم أن الصراع في المجتمع يؤدى إلى التطور في المجتمع ، إلا أن النشاط السياسي المتمثل في احتواء ذلك الصراع يكون له دور اكبر في تقوية الوحدة الوطنية([133]) ، كما أن تجاهل النظام لبعض المشكلات الاجتماعية الملحة مثل الإسكان والتعليم والأجور والحقوق والحريات العامة ، يؤدى إلى تخلخل داخل النظام ويضعف الوحدة الوطنية .

كما يؤكد اكشتاين أن عدم وجود اتساق سياسي بين أفراد المجتمع الذين يؤدون أدوارهم وتأثيراتهم في المجتمع سيؤدي إلى خلق عدم تجانس في النسق المجتمعي ، فعادة ما تصدر الدولة قوانين وقواعد لا تحققها ، مما يؤدي إلى انتهاء الترابط بين الجماعات في المجتمع، كما أن عدم قدرة صانع القرار على الاستجابة السريعة للتحديات الخارجية و الداخلية ؛ بسبب ضعف التنظيم و الإدارة ، سيخلق عدم استقرار داخلي من خلال الفجوة التي قد تحدث بين النظام السياسي، و الشعب، وسيقود هذا إلى صراع في المجتمع([134]) .
ورغم رؤية البعض أن حالة الصراع هذه هي ظاهرة صحية وحيوية لبقاءه ، إلا أنها تحتاج إلى قواعد يحددها نظام سياسي شرعي، فالصراع من أجل المراكز والموارد مثلاً، وفقاً لتناقض القواعد الراسخة في المجتمع بين المتنافسين، سيحدث ضعفاً في الوحدة الوطنية، وعلى ذلك يفسر الليبراليون والماركسيون حالة الصراع في المجتمع من خلال اتجاهين هما([135]):
· يرى الليبراليون أن الصراع يؤدي إلى التكامل وهو يتطور ويحدث آثاره في المجتمع ، فالظاهرتان متصاحبتان مع بعضهما البعض، كما أن التنافس في ذلك كله سيؤدي إلى انتشار الإنتاج وتجديده ، وهذا ما يدعم الاقتصاد الوطني، كما أن التنافس السياسي يؤدي إلى نتائج مماثلة، فبفضل هذا التنافس يصل أفصل الناس إلى الحكم، وأكثرهم كفاءة، فيحكمون من أجل الصالح العام.
· ويرى الماركسيون أن الصراع يساعد على تطور المجتمع ، حيث يؤدي إلى إزالة التعارضات والتناقضات، وبالتالي إلى قيام مجتمعات تخلو من النزاعات، ولا يتحقق ذلك إلا بعد فترات طويلة، ويختفي هذا الصراع بوصول المجتمع إلى مرحلة الشيوعية، التي هي النتيجة النهائية للصراع في المجتمع.
فكلا النظريتين تؤكدان على دور الصراع في حل تناقضات المجتمع، وتضييق الفجوة بين القمة والقاعدة ، لكن فعالية النظام السياسي في حله لكل هذه التناقضات كلما ظهرت على السطح أفضل من انتشارها وإخلالها في وحدة المجتمع وتطوره، وانقسامه على نفسه، ولا يتحقق للسلطة السياسية ذلك إلا من خلال شرعيتها وديمقراطيتها، وإيمان الشعب بها، لأن أخطر ما يهدد الوحدة الوطنية في الدولة هو اندلاع الثورات الاجتماعية فيها ؛ بسبب تدخل الدولة في النشاطات الاقتصادية للأفراد، لأن من المسلم به أن النشاط الاقتصادي تحكمه قواعد طبيعية، وليس من المصلحة التدخل فيها من قبل الحاكم، مثل قانون العرض والطلب، والمصلحة الخاصة، كمحرك أساسي للنشاط البشري، والبقاء للأصلح.. الخ، وبظهور الشركات الكبرى في الدول الرأسمالية، وتوسعها باتجاه الدول المتخلفة وفي ظل عدم وجود قوانين عمل في هذه الدول يتضح حداً أدنى للأجور، وتفرض على أصحاب الأعمال شروطاً إنسانية للعمل، وعلى هذا الأساس ستظهر الأفكار الاشتراكية، حيث لا تعد الطبقات الكادحة تقبل منطق الإصلاح، بل منطق الثورة لحل مشكلة المظالم الاجتماعية، لتكفل حياة أفضل للأغلبية العظمى من أبناء الوطن، وعلى هذا الأساس تندلع الثورات الاجتماعية([136])، التي تعتبر الأسلوب الوحيد لإنجاز التغير السياسي والاجتماعي عندما لا توجد قنوات ومسالك شرعية، وفاعلة لإنجاز التغير بطرق سليمة، ويتحمل النظام السياسي مسؤولية هذا العنف ، بسبب أزمة المشاركة، والتخلف الاقتصادي وأزمة التنمية والتفاوت الطبقي، وأزمة التوزيع([137]).
وتتميز الدول ذات الأعراق المختلفة أو الطوائف المتباينة بوجود صراعات إثنية وطائفية فيها، كما أن بعض الدول تتميز بالتمايز الحضري بين الريف والمدن. وهذا يؤدي أيضاً إلى صراع حضاري اجتماعي فيها،وعلى ذلك يقول برهان غليون:
" الدولة العربية والإسلامية لا تستطيع تكوين علاقات اجتماعية بحيث تحقق المجتمع، وإنما هي واسطة لتحقيق الترابط بين الولاء المحلي الشخصي والولاء الجماعي للأمة، فبدون الدولة لا يمكن بقاء الأمة، واستمرار المجتمع، وتحقيق الولاءات المختلفة خارجها، فإذا ما تحطمت الدولة، تفقد الجماعات داخلها الترابط، كما تفقد مركز توازنها كجماعة سياسية، وبالتالي لا تستطيع الجماعات داخلها التعايش في إطار جماعة واحدة "([138]).
وفي نفس السياق يقول تركي الحمد:
"إن القبيلة ، والعشيرة ، والطائفة ، والإقليم ، والأقلية العرقية، أو المذهبية ، والعائلة الواسعة الممتدة، هي الوحدات الاجتماعية السائدة في الأقطار العربية، والتي يستمد منها الأفراد ومواطنو هذه الأقطار هوياتهم، وإليها تتجه ولاءاتهم، ووفقاً لآلياتهم يتحدد مجال حركتهم وتفاعلهم الاجتماعي والسياسي، والدولة الوطنية هي عبارة عن شكل ظاهري يخفي في جوفه هذا التشرذم، والتشتت، ومن خلال السلطة المركزية يحفظ هذا الكيان.... المجتمع المدني حتى الآن لم يستطع صهر هذه التشرذمات في إطار هوية واحدة متجانسة قادرة على البقاء دون تدخل السلطة المركزية، وأي ضعف في السلطة المركزية سيؤدي إلى ظهور الهويات المستقرة، والولاءات المختفية على السطح مكونة كيانات أخرى جديدة أصغر فأصغر"([139]).
فالدول العصبوية، المكونة من عصبيات عرقية أو منهجية متجانسة ، تتحقق فيها الوحدة الوطنية بشكل أكبر من الدولة غير العصبوية، التي تتسم بعدم التجانس العرقي والمذهبي والعشائري بين مكوناتها الاجتماعية ؛ لأن الوحدة السياسية في الدولة العصبوية هي التي يتشارك على امتدادها السكان في وحدة تفاعل حياتي ومعيشي كامل، بحيث يستمر التجانس في المجتمع وبالتالي يستمر في البقاء، حتى لو سقطت السلطة السياسية ، أما الدولة غير العصبوية، فهي تتجاوز الجماعات والأقاليم من خلال القوة المادية للنظام السياسي، دون أن يكون بينها قاعدة تفاعل وتواصل مشترك من البيئة الحضرية الاقتصادية المتصلة الحلقات، وسقوط النظام السياسي في هذه الدولة سيقود إلى تفرق الجماعات والأقاليم ؛ بسبب أنها تفتقد للامتداد والتواصل الحضاري والاقتصادي القادر على صهرها في بوتقة واحدة وكيان متجانس.
ولحل مشكلة الدولة الغير عصبوية تتبع دول العالم إستراتيجيتان لتحقيق تكاملها القومي وتحقيق وحدتها الوطنية وهاتان الاستراتيجيتان هما([140]):
1- استراتيجية الاستيعاب، وهدفها صهر الجماعات والسلالات في قومية متجانسة واحدة. بحيث تفقد هذه الجماعات سماتها الذاتية بسبب هذه العملية.
2- استراتيجية الوحدة من خلال التنوع، وهدفها خلق الولاء القومي للدولة دون أن يؤدي ذلك إلى القضاء على السمات الشخصية والذاتية للأقليات ، وذلك من خلال اتباع أسلوب توحيد الإطار العام، ويتوقف نجاح هذه الاستراتيجية على مدى وضوح أهداف الدولة، ومدى احتوائها لأفراد المجتمع، ومدى تمثيلها لهم، وعلى قدرة المجتمع على توفير الأوضاع التي تتفق وطموح هذه القوميات وقدراتها وإمكانياتها داخل هذا المجتمع.
وتحقيق أي من هاتين الاستراتيجيتين يقتضي قيام أدوات تستخدم لتنفيذها، فقد تكون أدوات عسكرية كاستخدام الجيش في التعامل مع الأقليات، أو أدوات اقتصادية باستخدام العائد القومي، والتحكم فيه كأداة لفرض التكامل، أو استعمال الأدوات الثقافية في التنشئة الاجتماعية، بحيث تتم عملية تشكيل الفرد من خلال الأسرة أو المدرسة أو الثقافة الدينية، وهذه العملية تؤدي لقيام أطر فكرية وقيمية في سلوك الأفراد داخل المجتمع، وأدوات سياسية وإدارية عن طريق المنظمات السياسية والإدارية ومالها من أيديولوجيات وأهداف، أو عن طريق التنظيم الإداري للدولة، كالأخذ ببعض النظم التي جربت، كنظام الإدارة المحلية الذي أخذت به بعض الدول، واستطاعت من خلاله حل المشاكل التي نجمت عن وجود أقليات أو أقاليم مختلفة في إطارها، وعلى هذا الأساس تترسخ الوحدة الوطنية وتزداد قوة، وذلك عندما تمتد السلطة المركزية بسلطاتها على كافة أجزاء الإقليم آخذة في الاعتبار كل ما يقوى الوحدة الوطنية من عناصر اللغة والثقافة والتربية والتعليم والشؤون الاقتصادية والعمالية ووسائل الاتصال والإعلام والإدارة وجماعات الغطاء والأحزاب، وبالفعل فقد تحققت الوحدة الوطنية في مجتمع له أصول عرقية ومذاهب مختلفة، وثقافات متباينة، بفعل الإرادة السياسية الحرة لكل هذه الجماعات، حيث أن هذه الإرادة قادرة على تجميع الشعب في وحدة وطنية حقيقية وفي ظل دولة متماسكة([141]).
وفي نفس السياق يرى البعض أن تحقيق الوحدة الوطنية في الدولة العصبوية ممكن وذلك من خلال الديمقراطية القائمة على التنوع داخل الدولة، على اعتبارات أن الديمقراطية هي نظام يتسع للجميع ويحمي الجميع ، وهي سبيل التفاهم الواقعي بين أكثرية سياسية متنوعة في أصولها وموحدة في أهدافها ومصالحها، وبين أقلية سياسية متنوعة في أصولها موحدة في أهدافها أيضاً ؛ لأن المجتمع السياسي الديمقراطي السليم لا يتم على أساس ديني ، أو طائفي ، أو مذهبي، بل على أساس وحدة الموقف ، والتفكير ، والهدف ، والمصلحة، وعلى ذلك فالديمقراطية هي شرط بناء الوحدة الوطنية([142]).
فهذا الرأي يتوافق مع الرأي الذي سبقه من أن تحقيق الوحدة الوطنية في مجتمع غير متجانس عرقياً أو طائفياً، لن يكون إلا من خلال النظام السياسي في الدولة، ذلك النظام الذي يجب أن يقوم على الديمقراطية الحرة ، والمشاركة السياسية للجميع بغض النظر عن الاختلاف العرقي أو الديني.
كما تتسم بعض المجتمعات المتخلفة بالتناقض بين الريف والمدينة، أو بين البداوة والحضارة، فالبدو يتسمون بالوحشية ويمثلون الفوضى وأولى مراحل تدرج البشرية في سلم التطور نحو الحضارة والتمدن، والعصبية تنسب إلى البدو، الذين يسعون من خلالها إلى الوصول للسلطة([143])، فولاء الفرد عندهم لقبيلته قبل كل شئ، لذلك فوجود عصبية قبلية أو عشائرية في الدولة سيصنف من الوحدة الوطنية فيها.
كما قد يحدث التناقص بين سكان الريف والمدينة ؛ بسبب تبعية الريف للمدينة في المجالات الاقتصادية والسياسية، إضافة لوجود السلطة في المدينة، ومما يزيد الصدام بين الطرفين هو أن البادية أقل موارداً من الحضر، بسبب انهماك الناس فيها بتحصيل الأشياء الضرورية لمعيشتهم ، أما في المدينة فالعمل أكثر وتماسك السكان فيها أكثر، وبالتالي زيادة مكاسبهم ورفاهيتهم، وتقسيمهم للعمل هو الذي يوفر لهم الفائض في الصرف على أحوال الترف ، وهذا يؤدي إلى التناقض بين سكان الحضر والبادية، كما يؤدي إلى تناقض في مصالحهم مع مصالح الحكام بسبب حسدهم لهم، لذلك يعملون على انتزاع ما بيدهم([144]).
وبناءاً على ذلك فالصراع الاجتماعي في المجتمع بين الريف والمدينة من جانب ، وبين البداوة والحضارة من جانب آخر، سيوِّلد حالة عدم استقرار داخلي في الدولة، وسيضعف الوحدة الوطنية ؛ لأن ولاء الفرد لأقلية أو لقبيلة ، عامل سلبي في الدولة ، لأنه يقود إلى انقسام الشعب الواحد وتفرقه، وإضعاف الولاء للدولة، لذلك يترتب على النظام السياسي حل هذا التناقض في الحياة الاجتماعية، كما يجب عليه حل التناقض القائم بين مكونات الشعب القومية أو الطائفية أو الدينية، بما يبرز الوحدة الوطنية في الدولة، وفي ذلك يرى إيفانز بريتشارد أن حل هذا التناقض من خلال إيجاد درجة معينة من التناسق والإطراء في المجتمع ويعبر عن ذلك بقوله :
" لابد من وجود درجة معينة من الاطراد والاتساق في الحياة الاجتماعية وتوفير نوعاً من التناسق، وإلا استحال على أعضاءه العيش معاً، فالناس لا يستطيعون الانصراف إلى شؤونهم إلا لأنهم يعرفون نوع السلوك الذي يرتضيه الآخرين في مختلف نواحي مواقع الحياة الاجتماعية، كما أنهم ينظمون نشاطهم تبعاً لقواعد مرسومة، وحسب قيم معينة متعارف عليها، فهم يستطيعون التنبؤ والتكهن بالأحداث، وبذلك يمكنهم ترتيب حياتهم، بما يتفق ويتماشى مع حياة الآخرين، ولكل مجتمع صورة أو نمط معين يسمح لنا بأن نتكلم عنه على أنه نسق أبناء يعيش فيه أفراده، ويتفقون فيه على مستلزماته"([145]).
كما يؤكد هذا الرأي الباحث أكشتاين ، حيث يرى أن عدم وجود اتساق سياسي بين أفراد المجتمع الذين يؤيدون أدوارهم وتأثراتهم في المجتمع، سيؤدي إلى خلق عدم تجانس في النسق المجتمعي، فعادة ما تصدر الدولة قوانين وقواعد لا تحققها، مما يؤدي إلى انتهاء الترابط بين الجماعات في المجتمع، كما أن عدم قدرة صاحب القرار على الاستجابة السريعة للتحديات الخارجية والداخلية بسبب ضعف التنظيم والإدارة، سيخلق عدم استقرار داخلي من خلال الفجوة التي قد تحدث بين النظام والشعب، وسيقود ذلك إلى صراع في المجتمع، ينتج عنه ضعف في الوحدة الوطنية في الدولة([146]).
وعملياً طالما كان النظام الاجتماعي السياسي السائد في أي مجتمع قادر على مواجهة متطلبات الأغلبية الساحقة من أفراد الشعب، وإشباع احتياجاتهم الأساسية، فلا حظر على هذا النظام من ظاهرة التطرف السياسي الجماعي المنظم([147]) ، ولكن حينما يتعثر هذا النظام عن تحقيق ذلك، ويطول هذا التعثر وتتفاقم تلك المشكلات، فإن أعداداً متزايدةً من أفراد الشعب تخلص إلا أن هناك عطباً أساسياً، إما في جوهر وفلسفة النظام، أو في أدائه، أو فيهما معاً، من هنا يبدأ البحث عن بديل يخرجهم، ويخلص المجتمع من مشكلاته، وكلما اشتدت حدة المشكلات وتحولت إلى أزمة أصبح البديل مختلفاً تماماً عن النظام القائم، وكلما ازداد اختلاف البديل عما هو قائم وممارس بالفعل، كلما أصبح الحل أشد تطرفاً والذي ينتهي عادة بالانقلاب، الذي يعتبر مؤشر لتعثير النظام عن حل مشكلاته.
لكن يرى البعض أنه في الدولة التي تجمع فئات مختلفة (عرقية، دينية، مذهبيية.....الخ)، فإن أنسب صورة لنظام الحكم فيها هو الفيدرالية ؛ لأنه يحقق لها الوحدة الوطنية، وقد يطبق هذا النظام في الدولة العصبوية ذات القومية الواحدة والدين الواحد، وذلك عند اختلاف المصالح بصورة جذرية بين إقليم وأخر داخلها مثل الأقطار العربية، التي هي جزء من وطن واحد هو الوطن العربي، حيث أن الاختلافات بينها هي اختلافات عرضية لم تكن سوى ؛ بسبب الاستعمار الذي خلق لكل واحد منها واقعاً قانونياً واقتصادياً واجتماعياً([148]).
كما أن نظام الإدارة المحلية (الحكم المحلي) في الدول البسيطة هو البديل عن النظام الفيدرالي في الدولة المركبة، حيث لكل إقليم حرية إنشاء وإدارة مرافقه المحلية في حدود السياسة العامة للدولة، وقد يصل استقلال الأقاليم في نطاق هذا النظام إلى تخويل الإقليم سلطة التشريع في المسائل المحلية([149]).
فالوحدة الوطنية لكي تنجح عليها معالجة المشاكل الاجتماعية، من خلال تحقيق الاندماج والتقارب بين النخبة والشعب بجميع فئاته، حتى يقبل الشعب حق القيادة السياسية في ممارسة الحكم ، لكن تحقيق ذلك الاندماج لا يعني إلغاء الفروق بينها بما يساهم في إحداث الفوضى إنما يعني قيام نمط للسلطة، واتفاقاً منظماً لعلاقاتهم، فالنخبة لا تستطيع أن تعمل دون الشعب، وإذا كانت غير متعاطفة مع اتجاهات الجماعات داخلها، فعليها أن تعمل على التعبة السياسية للجماهير من أجل التعاون معها بهدف تحقق أهدافها وبذلك تتحقق الوحدة الوطنية في الدولة.
مما سبق نستنتج أنه لتحقيق الوحدة الوطنية في الدولة من خلال التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الشعب ونظامه السياسي، فيجب على النظام السياسي إقامة دولة القانون المبنية على المؤسسات الديمقراطية والمحكومة من خلال دستور يصدر عن الشعب، وأن تسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بما يحقق رفاهية الشعب، ويعزز كرامته في وطنه، لكن لابد أن يكون على الشعب مهام وواجبات في مقابل ذلك ، وذلك بغية دعم الوحدة الوطنية، وأهم هذه الواجبات:
1- أهمية الالتزام الكامل بالوحدة الوطنية من خلال تحالف قوى الشعب العاملة، من أجل تحقيق مصالح وآمال الشعب القومية، وحل التناقضات بين قوى الشعب العاملة سلمياً وديمقراطياً.
2- الحفاظ على دولة الشعب بإقامة دولة مؤسسات دستورية وشعبية، حتى يكون الشعب أسرة واحدة لا تورث ولا تكون حكراً شخصياً أو فئوياً، ولامكن فيها للطغاة والديكتاتوريين، ويسود فيها القانون، وحماية الحريات، وتتحقق فيها الديمقراطية.
3- تعميق مقومات ومفاهيم مبدأ تحالف قوى الشعب العاملة، حتى يظل تحالف الشعب حقيقياً وواقعياً بين سائر القوى العاملة، وليس تحالفاً شكلياً بين أفراد وجماعات يتخذون منه وسيلة قمع أو طريقاً لتحقيق مآرب ومصالح غير مشروعة.
4- التوعية باستراتيجية أعداء الوطن ومخططاتهم، بحيث يكون لدى الشعب كله خطاً فكرياً باستراتيجية الأعداء، ووضوح الرؤية بمخططاته لمواجهة الدعاية المفروضة عليه ، لأن الجبهة الداخلية في مقدمة الأهداف التي يحاول الأعداد أن يضربوا بها؛ لبث عوامل الفرقة والانشقاق والتشكيك في قدرات الشعب، الذي يعتبر الجهة الداخلية للنظام، ودرع الأمة في الحرب مع الأعداء.
5- زيادة الإنتاج من خلال بناء قاعدة اقتصادية قوية تكون سنداً للمعركة وخلق مقومات الصمود الاقتصادي وبناء القوة الذاتية، من خلال جعل الجبهة الداخلية في موقف يجعلها قادرة على تحمل كل ما هو مقبل من مخاطر مع العدو.
6- التصدي لأساليب الحرب النفسية التي يشنها أعداء الوطن على الشعب من أجل تصديع الجبهة الداخلية، من خلال التشكيك في القدرات والكفاءات ؛ فالشعب هو درع الجيش على جبهة القتال ، وهو الضمانة الأكيدة لإحراز الانتصار .
7- تطهير النفس من اللامبالاة والسلبية والروح الجماعية في العمل، وأن تموت النزعة الفردية في قلب كل فرد من أفراد الشعب، وذلك من خلال العمل الإيجابي في كل المجالات.
8- عدم الانزلاق في معارك جانبية داخلية، تؤثر سلباً على وحدة الشعب والوطن، وإدراك أن وجود بعض مظاهر التكريم، للبعض من ذوي المناصب العامة، كالسيارات وأجهزة التكييف، والأثاث الراقي .....وغير ذلك ليس من مظاهر الانحراف ، ويجب على الشعب أن يميز بين ذلك وبين مظاهر الانحراف الأخرى، التي تؤثر سلباً على الوحدة الوطنية.
ثالثاً : التأكيد على الهوية الوطنية للجيش على اعتبار أنه ملك للجميع:
· الهوية الوطنية للجيش ودورها في الوحدة الوطنية :
يشكل الجيش في المجتمعات المتخلفة الحلقة الرئيسية في الصراع ؛ لأنه يشكل القوة المنظمة الوحيدة في المجتمعات الزراعية النامية، وفي هذه البلدان يدور صراع بين الضباط للسيطرة على الحكم، من خلال الانقلابات العسكرية، حيث يعرف الانقلاب بأنه يعني الوصول للسلطة من خلال القوة المادية للجيش من خلال توجيه ضربة عنيفة للنظام السياسي القائم، ويكون هدفه الرئيسي هو الوصول للسلطة، ولا يتناقض مع السلطة السابقة إلا في أسلوب تداول السلطة([150])، وقد يقوم من خلال السلطة نفسها عندما يقوم الحاكم بإلغاء المؤسسات وتجميد أو إلغاء القوانين المعيقة لسلطته دون أية مشاركة ، مثل انقلاب نابليون بونابرت وتأسيسه للإمبراطورية بدلاً من الجمهورية، وعادة ما يقوم بالانقلاب مجموعة من الضباط المغامرين في الجيش، ثم يتبنون شعارات شعبية، ويقومون ببعض الإصلاحات والأعمال التي تطرح نفسها ، ويظهرون أنفسهم كفئة حاكمة تقدمية، هدفها إزالة المفاسد والعقبات عن طريق تقدم الشعب([151]).
وقد يستغل بعضهم ظروف الفئة، وعوامل الضعف في الأوضاع السائدة فيقومون بالانقلاب المطلوب، ويبررون هذا العمل في أنهم يعنون إنقاذ البلاد من تلك الأوضاع والسير بها في طرق التقدم ، لكن في الدول الديمقراطية يظل الجيش بعيداً عن السياسة، رغم أن بعض العسكريين يحق لهم الترشيح والانتخاب والوصول لمراكز كبيرة في الدولة، ولكل ليس بقوة السلاح .
والجيش النظامي ليس مؤسسة منفصلة قائمة بذاتها، فهو جزء من نظام اجتماعي متخلف سياسياً واقتصادياً وتقنياً، مبني على التسلط البيروقراطي والإرهاب المنظم للدولة إذا كان النظام السياسي ديكتاتورياً([152]).
والحياة السياسية للدول لم تخل منذ القديم وحتى الآن من دور قيادي أو ريادي للجيش، فأصحاب العقول في القبيلة هم فرسانها النشيطون المدربون على استعمال السلاح في الحرب، وكل الفتوحات كانت من خلال الأبطال في الجيش، وبعد الاستقلال في الدول المتخلفة جاء رجال الجيش إلى رأس الحكم حاملين معهم خبرتهم العسكرية والسياسية([153]).
ولفهم دور القوات المسلحة في النظام السياسي يجب فهم([154]):
1- طبيعة السلطة السياسية نفسها (ماهيتها، أعمدتها، أدواتها).
2- دورها في الصراع الطبقي، ومراحل الصراع الأخرى.
فأفراد القوات المسلحة ليسوا معزولين عن عامة الشعب، وعن الحركات المحيطة بهم، كما أنهم يكونوا متأثرين بالتحولات الكبيرة في الرأي العام ؛ بسبب روابطهم الطبقية والاجتماعية، مثل روابط القرابة والصداقة، مما يجعلهم متأثرين بالمجتمع وبالتغيرات التي تحدث فيه، وتزيد أجهزة الإعلام والدعايات الثقافية من تأثرهم بالمجتمع وبطبقاته وفي ذلك يقول ميرسكي:
" إن الجيش في البلدان النامية، ليس ببساطة نسخة من المجتمع، ليس ببساطة المجموعة الحسابي لعدد من الفلاحين والبرجوازيين الصغار بالولادة ........ الخ، فكل هؤلاء الناس يكتسبون نوعية حياة جديدة، وينصهرون في كيان جديد، إن الجيش يكتسب سمات شركة لها مصالحها الخاصة، وبالتالي يصبح آلة منضبطة ذاتياً، ويتمتع بانغلاق طائفة، وهذا الوعي الفخور بالانتماء إلى هذه الحرفة المختارة، يمكن أن يتحول إلى عقدة استعلاء إزاء المدينين، حيث يغريه ذلك بأنه هو الذي يستطيع إنهاء الفساد وإنقاذ الأمة. واستعادة القانون والنظام"([155]).
لكن الجيش الذي يورث عن الاستعمار يكون قد درب وبنى وصيغ، وأعدت أيديولوجيته للقيام بدور معاد للشعب، ويكون ضباطه مشدودين بدرجة كبيرة إلى ذلك، وتكون السلطة الاستعمارية السابقة قد اختارتهم بعناية لمثل هذا التعليم ؛ بوصفهم أفراداً انتهازيين وطموحين وفاسدين، بحيث يقدمون ضماناً لأن يستخدموا مراكزهم للعمل ضد أي تقدم في المجتمع وهذا ما يفسر الدور السلبي الذي قام به معظم العسكريين في سوريا بعد الاستقلال، ومساهمتهم العملية في القضاء على الليبرالية البرلمانية، وإقامة الديكتاتوريات العسكرية، فالهيمنة السياسية للقوات المسلحة لا تصنع دوراً قوية ؛ لأن القوات المسلحة هي مؤسسات ضعيفة قادرة على القمع فقط([156]).
مما سبق يتبين الدور المهم للجيش في الحياة العامة، وخاصة في الدول النامية، وهويته تنبع من أنه وعاء تتجمع فيه كل فئات الشعب، ويربطهم جميعاً بالولاء لبلدهم، ويوجد رابطة قوية بينهم ويوجد فكرهم، ويؤلف بين قلوبهم، وهذا ما يساهم في تنمية الروح الوطنية وتقوية روابطها، ويسهل قبول الشعب بجميع فئاته للسير في ركابها، وتحقيق وحدته الكاملة، فالجيش يعلم أفراده حب الوطن، والإيمان بمصيره ووحدته، وأن عليهم أن يعملوا على رفع شأنه، ويهبوا حياتهم وأرواحهم من أجل سلامته وأمنه.
فالجيش ينهي الفردية والأنانية ويحل محلها الولاء للوطن، ويخلق المجتمع المتجانس، ويخلق الشعور بالولاء للوطن والانتماء إليه، يجعل أفراده ينبذون كل اعتبارات عرقية أو طائفية أو لغوية أو إقليمية.
وله دوره في القضاء على أي اتجاه يدعو للانفصال عن كيان الدولة ـ وأكبر مثال على ذلك دوره في الولايات المتحدة عندما حاولت الولايات الجنوبية -في عهد الرئيس أبراهام لنكولن- الانفصال عن جسم الولايات المتحدة، فاندفع الجيش وراء قيادته للقضاء على انفصال تلك الولايات وإعادة تحقيق الوحدة الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية، وتثبيتها منذ عام 1775م .
لكن بالمقابل فإن طبيعة القوات المسلحة تشكل خطراً مستمراً للقيام بانقلاب عسكري، إذ أنها تمتلك وسائل الضغط والإكراه التي لا سبيل إلى مقاومتها، وعلى ذلك يقول تروتسكي " لا يمكن القيام بثورات ضد القوات المسلحة، ولا يمكن الوقوف بوجه ثورة تقوم بها القوات المسلحة "([157]).
كما تشكل القوات المسلحة خطراً دائماً داخل كيان الدولة ؛ بسبب أنها تكون سند السلطة، ويكفي أن تكف عن الخضوع لهذه السلطة السياسية، حتى تتسلم زمام الأمور، وتصبح هي مصدر السلطات([158])، لكن لا يكون ذلك إلا عندما يكون الجيش معزولاً عن الشعب، أي عندما تصبح القوات المسلحة عنصراً خارجياً، وغير متكامل مع المجتمع، وعلى هذا الأساس يقول موريس دوفرجيه: "يجب أن يكون الجيش في الأمة كالسمكة في البحر"([159]) ، كما يؤكد ذلك كرين بريتون بقوله: "ليس من المحتمل أن تسقط أي حكومة ما لم تفقد قدرتها على الاستخدام بطريقة كافية لسلطتها العسكرية والبوليسية، ولا يمكن أن تحدث أي ثورات إلا بمساعدة قسماً هاماً من الجيش "([160])، وتفسير ذلك أن إدراك الشعب أن الجيش والشرطة ليسوا إلى جانبه وليسوا تحت تصرفه، أو ليسوا على استعداد للعمل دفاعاً عنه، يؤدي إلى تثبيطه وأضعاف مقاومته، بحيث يقبل بالوضع الراهن، وبالتالي يؤدي إلى القبول غير النقدي، بخرافة حياد الدولة ، والاعتقاد بضرورة المحافظة على القانون والنظام القائمين، وعلى هذا الأساس يصبح القسم الأكبر منهم من أنصار النظام القائم، وأكثر استعداداً لمساندته ضد أي قوة ثورية ضده([161])، فيظل المجتمع راكداً بعيداً عن التطور، وهذا سيضعف التنمية الاقتصادية والسياسية فيه، ويضف بالتالي الوحدة الوطنية.
ومن السلبيات الناتجة عن تدخل الجيش في الحياة السياسية الحزبية، أن أفراد القوات المسلحة، يفقدون أي ترابط أو نظام أو طاعة لقيادتهم حال انخراطهم في الأحزاب السياسية، التي تجعلهم يتورطون بدخول الحلبة السياسية، رغم قلة خبرتهم الاقتصادية والسياسية والإدارية والعلمية، ورغبتهم الملحة في الحصول على الوضع الاقتصادي الرفيع والمكانة الاجتماعية العالية([162])، خاصة أن التفكك وعدم الاستقرار الحكومي في النظام السياسي يعملان لصالح الجيش، وعلى اعتبار أنه الأكثر تماسكاً من أي حزب سياسي؛ بسبب ما فيه من أهداف عارضة ومنازعات داخلية، وعلى هذا الأساس سيحدث الجيش شرخاً في العلاقات داخل المجتمع ويزيد من تشتت المجتمع بسبب تدخله في الحياة الحزبية، وبالتالي سيكون مساهماً فعالاً في إضعاف الوحدة الوطنية.
فمن بين التطورات التي تنتج عن تدخل الجيش في الحياة الحزبية والسياسية، أن التقيات في الجيش تصبح معتمدة على المعتقدات السياسية وعلى التأييد السياسي أكثر من اعتمادها على الكفاءات المهنية، ويصبح العسكريون القياديون في أعمار تختلف عن أعمار الجيوش النظامية([163])، وهذا ما يضف الجيش النظامي في المواجهات الخارجية، وسيصنف بالتالي تأييد الشعب للجيش الذي أصبح هو نفسه النظام السياسي، وبالتالي ستتشكل الهوة بين النظام والشعب، وتضعف الوحدة الوطنية.
وعلى هذا الأساس فالهوية الوطنية للجيش يجب أن تكون بعيدة عن أي تحيز طائفي ، أو حزبي، أو اثنين ،أو طبقي، أو ، إقليمي، أو عشائري ، بحيث يكون الجيش للجميع، وأن يبتعد عن التدخل في الحياة السياسية، بأن يكون منفصلاً عنها بشكل كامل، وأن يكون مؤسسة مستقلة هدفها الدفاع عن الوطن ووحدته في الداخل والخارج، وأن يتحول في أوقات السلم إلى دور منتج، فيقوم بالأعمال التطوعية الكبيرة، كأن يساعد في بناء الطرق والمدارس والمستشفيات، وحفر القنوات، والقيام بالتعليم في صفوف الناس، وأن يبتعد عن التحزب والولاء لأي كان إلا للوطن وقيادته السياسية المنبثقة عن الشعب، إضافة لولاء للشعب، وأن يحترم يمين الولاء للنظام السياسي القائم، وبذلك يساهم في تحقيق الوحدة الوطنية في الدولة ويزيدها قوة ومنعة.
· دور الانقلاب والحرب في تحقيق الوحدة الوطنية :
· الانقلاب :
عندما يحصل الانقلاب العسكري، يلغي الدستور، وتلغى المؤسسات المدينة في الدولة في حال كان الانقلاب ضد الحكم المدني، ويصبح النظام العسكري الجديد لا يخضع لمحاسبة البرلمان أو محاسبة الشعب، ويعمل العسكريون على التدخل في القطاع الخاص، من خلال امتلاكهم للمؤسسات المالية، ويجرون مفاوضات من أجل الحصول على قروض محلية وأجنبية، وإبرام عقود لصفقات داخلية وخارجية([164]).
وتكون استراتيجية بناء الشرعية لهؤلاء العسكريين هي([165]).
1- الاعتماد على تراكم الاستياء الشعبي من الحكم المدني السابق في تبرير الحركة السياسية للعسكريين.
2- إقامة روابط وتحالفات قوية مع بعض الجماعات المدنية للعسكريين.
3- وضع أساس جديد للوحدة الوطنية.
4- إنشاء تنظيمات سياسية جماهيرية تحت زعامة العسكريين.
5- الاعتماد على نمط الزعامة الكاريزمية.
6- استخدامهم للقومية ، أوالدين والتنويه إلى أنهم يتوجهون بها ويلتزمون بها.
لكن الاندماج الذي يحققه العسكر هو اندماج وظيفي مؤقت ؛ لأنه لا يوجد إطار مؤسسي، ومتفق عليه من جانب معظم الجماعات والأقاليم التي تضمنتها الدولة([166]) ، على اعتبار أن الاندماج الحقيقي هو اندماج من خلال الأكثرية الشعبية، ومتفق عليها بشكل رسمي من خلال مؤسسات الدولة المختلفة.
وإذا لم يتعمد القادة العسكريين تمهيد الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي ذي برنامج اجتماعي اقتصادي أعمق، فإنهم سوف يصطدمون بالقوة الاجتماعية الناشئة نفسها التي صعدتهم إلى الحكم، ويصبحون ضحية انقلاب وقائي تنظمه العناصر العسكرية الأكثر تطرفاً([167]).
ويشيع العسكر لدى وصولهم إلى الحكم أن سبب فقدان الأمن وعدم الاستقرار هو تعدد الآراء واختلاف الميول، وتكاثر الأحزاب والتنظيمات التي تدعم الاختلاف وتذكي روح الفرقة بين الشعب، وتدفعهم إلى التعصب واستعمال العنف في حل الخلافات، لذلك يعملون على حل الأحزاب، أو بالتضييق عليها وتصفيتها تدريجياً، لصالح الأيديولوجية الحزبية التي يعتنقها العسكر والتي يقيمون من خلالها الحزب الحاكم، أو الحزب الذي يدعمونه، كما يدعى العسكر أن العنف وعدم الاستقرار مرتبط بالديمقراطية بما تعنيه من حرية تعبير ، واعتقاد ، وانتخاب، وحكم للأغلبية البرلمانية، والحق في محاسبة الحكام، وضمانات دستورية للحقوق والواجبات، ومبدأ الفصل بين السلطات ، والمساواة أمام القانون، وسيادة القانون، ويشيع العسكريون أيضاً، لدى الفئات الدينية في المجتمع، أن الديمقراطية منافية للدين، كما يشيعون لدى التيارات اليسارية أن الديمقراطية هي مفهوم رأسمالي متفسخ لا يصلح للمجتمعات النامية، وأن الديمقراطية الحقيقية يجب أن تكون اجتماعية مركزية تحسباً لدس المغرضين وجهل عامة الشعب ، كما أن الإرادة الشعبية بالاستقلال والتنمية لا يمكن أن تتم بواسطة البرلمان وتعدد الأحزاب([168])، وعلى هذا الأساس يتحول العسكر إلى مشتتين لفئات المجتمع ،وذلك لصالح حكمهم الجديد وصالح الحزب الذي يدعمونه، وصالح أنفسهم بغض النظر عن الصالح العام، وهذا ما يساهم في إحقاق الوحدة الوطنية في الدولة.
ورغم أن العسكر الذين يصلون إلى الحكم ينبثقون من الطبقة الوسطى، بعد تحالفهم مع التكنوقراط والقوميين العقائديين، إلا أنهم يكونوا مع كل هؤلاء طبقة جديدة تتسم بأنها طبقة مستهلكة وغير منتجة، وغير موجدة أيديولوجياً أو سياسياً فهي تمتد من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، وهي غير واعية بمركزها الاجتماعي، وبمعالجها المادية والسياسية، حيث تعمل هذه الطبقة على تفكيك الطبقة القديمة وفرض الهيمنة على كل من ([169]).
1) النقابات والتنظيمات المهنية بقوتها العددية.
2) الحزب الحاكم، أو التنظيم الذي من خلاله أوضحوا أيديولوجيتهم، وآراءهم، ومستقبل البلاد من خلالهم.
3) الموارد المادية من خلال السيطرة على اقتصاد الدولة.
وعلى هذا الأساس أخذوا يدخلون الوزارات والنقابات يتشعبون في كل أجهزة الدولة، تحت ذريعة الأمن القومي أو أمن الدولة كذريعة لمأسسة العنف المسلح، والإرهاب المنظم الذي يمارسونه عندما يستولون على السلطة، ويحتكرون أجهزة الدولة والنظام السياسي، وعلى هذا الأساس استطاعوا استيعاب عملية التسييس ، والتجذير ، وتوجيهها بما يخدم مصالحهم الخاصة، ويرسخ حكمهم بشكل خاص، وبناءاً عليه، استطاع العسكر عزل عامة الشعب وقواه وتنظيماته عن كل مشاركة شعبية في الحكم، أما أفراد الشعب فأصبح دورهم يقتصر على التهليل والتأييد، لذلك يعتبر عمل العسكر الذين وصلوا من خلال الانقلاب العسكري وأقاموا نظامهم الجديد عملاً يضعف الوحدة الوطنية ؛ لأنه يعزل الشعب عن المشاركة في الحكم، ويتيح للأقلية العسكرية الحاكمة، امتلاك زمام الأمور في كافة المجالات، من دون الرجوع للشعب، أو لضوابط يؤيدها الشعب.
ورغم أنهم وصلوا إلى الحكم من خلال الشعب، بعماله وفلاحيه بالدرجة الأولى، حيث أن الشعب كان قد أيديهم بحركتهم التي قاموا بها والتي اعتبروها ثورية، وأعطوها أسماءً وأشكالاً متعددةً، منها على سبيل المثال حركة الضباط الأحرار، التي نظمت هؤلاء الضباط في هيئات مركزية، ومن خلال ذلك تم إسقاط النظام من خلال الانقلاب، ثم أعلن العسكريون أن هدفهم الإطاحة بالطبقة الحاكمة بعد أن استحالت إزالتها سليماً، وأن هدفهم هو تسليم السلطة للمدنيين الوطنيين، بيد أنهم لم يفعلوا ذلك، واستمروا في الحكم رغم افتقارهم إلى الخبرة، وسيادة مبدأ نفذ ثم اعترض، وليؤكدوا أنهم حركة شعبية ونابعة من الشعب، قاموا بإصدار قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم دون دراسة دقيقة للإجراءات والخطط الضرورية لتنفيذها، معتقدين أن تأييد الشعب لسلطتهم سيحقق لهم النجاح في برامجهم الإصلاحية، إلا أن برامجهم باءت بالفشل ؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يطوروا الاقتصاد ويضعوا البديل، وعلى هذا الأساس يبدأ الانقسام في صفوفهم، وأزمة الشرعية تعترض حكمهم، لكنهم يستمروا في الحكم من خلال الضغط والقمع وليس من خلال التأييد الشعبي([170])، وعلى ذلك يساهم هذا في إضعاف الوحدة الوطنية في الدولة.
ويمكن تفسير الارتياح لبعض الانقلابات في الدول المتخلفة للأسباب التالية([171]) :
1) الآمال التي تكسر دائرة الاستقطاب والجمود.
2) يتوقف مسلسل العنف والجماعي من خلال الأمن العسكري.
3) أن ينتهي عدم الاستقرار الحكومي (التغيير السريع في الوزارات).
4) الآمال أن يعود كل شئ إلى نصابه الطبيعي، وتعود الجيوش إلى ثكناتها بعد أن حققت ما كانت البلاد بحاجة إليه.
إلا أن العسكر لم يحققوا الأمن ولا الاستقرار ؛ حيث تصاعد معدل العنف الفردي والإرهاب المنظم للدولة، كما لم يتحقق الاستقرار الحكومي حيث ظل قبول الوزارات السريع والمتصل، وعلى هذا الأساس خابت ظنون أفراد الشعب أن بالانقلاب يمكن أن يتحسن الوضع وتتقوى الوحدة الوطنية، وحصل العكس من ذلك، فازداد الوضع سوءاً، وقاد ذلك إلى ضعف في الوحدة الوطنية.
وعلى ذلك فلكي يكون الانقلاب معبراً عن تطلعات الشعب ويساهم في تحقيق الوحدة الوطنية فعليه أن يسعى من خلال القائمين به على:
1) تعبئة شاملة لقوى الشعب المختلفة.
2) استخدام كفؤ للتقنية والتنظيم السياسي الحديث.
3) مشاركة واسعة من الشعب في نظام الحكم، وفي تحديد السياسات الممثلة لمصالحهم واختيارهم.
4) أن يتحول الجيش إلى جيش شعبي فلا يكون غريباً عن الشعب، أو لا يمارس العنف ضد الشعب ؛ لأنه هو وسيلة لقمع أعداء الشعب وأبعادهم عن الحكم.
5) أن يبتعد الجيش عن التدخل بالسياسة وبالحياة الحزبية، وأن تكون مهمته الأساسية الذود عن الوطن.
وبذلك يتحول قادة الانقلاب إلى ثوريين حقيقيين، لا مصلحة لهم إلا الدفاع عن الشعب والذود عن حياض الوطن، وتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية من خلال إتاحتهم لإقامة نظام سياسي شرعي يحقق مطالب الشعب.
· الحرب:
يرى البعض أنه ليحل التعاون بين فئات الشعب محل التنافس ، ويختفي الصراع السياسي في المجتمع بين الأفراد والجماعات، والطبقات الاجتماعية ويسود شعور بالانتماء لجماعة واحدة ، لا يمكن أن يكون إلا من خلال الحرب التي توحد مصير الجماعة الوطنية([172])، وتدفعها إلى العمل من أجل هدف مشترك هو الدفاع عن أرض الوطن وسلامته، وعلى هذا الأساس تكون الحرب إحدى الوسائل لتحقيق الوحدة الوطنية في الدولة، على أساس أن الحرب تشعر الشعب بضرورة الاندماج فيما بينه دون النظر إلى الاعتبارات التي كانت تعيق الوحدة الوطنية من خلافات عرقية ، ودينية ، ولغوية ، وطائفية، حيث يدرك الجميع أن وحدة الصف هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الأمة، فتتكتل كافة الولاءآت خلف القيادة السياسية، وتنتهي النزاعات العنصرية ، والطموحات الشخصية ، واختلاف المعتقدات السياسية([173]).
لكن يرى آخرون أن الحرب تزيد الصراعات داخل المجتمع؛ لأنها ترفع من مكانة الجماعات الاجتماعية، قليلة الشأن (قبل الحرب)، مما يتيح الفرصة لنشأة أنواع أخرى من الصراع، مع الأنساق الاجتماعية الأخرى([174])، وهذه التغيرات الاجتماعية تؤدي إلى تغيرات اقتصادية، مما يحدث صراعات بين القمة والقاعدة في المجتمع، وبالتالي تساهم سلباً في الوحدة الوطنية داخل الدولة.
كما أن الهزيمة العسكرية التي قد تنتج عن الحرب، قد تزيد شعور الأفراد بالمصاعب الاجتماعية الحادة، مع إهانة الشعور القومي، فتكون ردة الفعل عندهم الثورة ضد القيادة القديمة المهزومة، وعدم الثقة بها، والدعوة لضرورة التغيير الجذري لرد الاعتبار القومي([175])، وذلك بعد الإذلال أمام العدو الخارجي، والخضوع له، وتفريطها بالمصالح الوطنية، وعلى هذا الأساس كانت الكثير من الانقلابات بعد الهزائم العسكرية ، مثل انقلاب حزب تركيا الفتاة عام 1908 وانقلاب مصطفى كمال أتاتورك عام 1924، ، والثورة البرجوازية في روسيا عام 1909 (بعد هزيمة روسيا أمام اليابان)، وثورة يونيو في مصر عام 1952.
ورغم تباين الرأيين حول الحرب، ودورها في الوحدة الوطنية سوءا كان هذا الدور سلبي أم إيجابي، إلا أنها وإن كانت ذات مظهر إيجابي لتحقيق الوحدة الوطنية خلال فترة الحرب، إلا أن ذلك ينعكس سلباً بعد الحرب مباشرة ؛ لأن الشعب سرعان ما يعي فائدة هذه الحرب، هل كانت نتائجها – حتى لو تم إحراز النصر – تتناسب ما قدمه الشعب من تضحيات في الأرواح ومن تكاليف مادية أثرت على التنمية الاقتصادية في الدولة ؟، أم أنها كانت بسبب غرور النظام السياسي ومغامراته الغير محسوبة، والتي ليس للشعب أي دور أو مصلحة فيها ؟ فالنصر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الشعب ، والحرب لن تحقق وحدة وطنية دائمة، إذا كانت أهدافها ونتائجها لا تتوافق مع أهداف ومبادئ الشعب، لأن الحروب هي حروب الشعوب قبل أن تكون حروب الجيوش المنظمة، فعلى سبيل المثال، في نهاية الحرب العالمية الثانية استسلم قرابة مليون من الجنود الألمان كاملي التسليح لقوات الحلفاء ؛ لأن الشعب الألماني كان قد سلم بالهزيمة، واقتنع بعدم جدوى متابعة القتال، في حين أن الشعب الإنجليزي رفض الهزيمة بالرغم من أن الجيش الإنكليزية قد أبيد أكثره في موقعه دنكرك، لكن هذا الرفض من الشعب الإنكليزي للهزيمة جعله يحقق فيما بعد الانتصارات الساحقة على المحور، وهذا ما فعله الشعب الروسي أيضاً في نفس تلك الحرب.
فلكي يؤمن الشعب بجيشه فإنه يجب عليه أن يلم بالحقيقة كاملة، كما حدث عندما كشف رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل للشعب البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، عن الخسائر والأخطاء، وطالب الشعب بالمزيد من التضحيات لإنقاذ الوطن، مردداً صيحته الشهيرة "ليس لكم عندي إلا الدم والدموع" ([176])، فوثق الشعب بقائده ، وحقق الانتصارات، رغم كل محاولات الطيران الألماني لتحطيم إرادة وصمود الشعب البريطاني.
فالحرب وسيلة لتحقيق الوحدة الوطنية، عند إيمان الشعب بها واعتقاده أنها من مصلحته القومية والوطنية، وأن يكون هو من قرر خوض هذه الحرب ضد أعداد الوطن ، لكن عندما تكون هذه الحرب مفروضة على الشعب من خلال نظام ديكتاتوري ، هدفه تحقيق مصالحه الشخصية، وتصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، فإنها تعيق الوحدة الوطنية، حتى وإن تحققت لفترة بسيط.

([1] ) سليمان محمد الطماوي ، الوحدة الوطنية ، ، القاهرة : مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1974 ، ص 17
([2] ) ، Andreas dorpalen , Marxism and national unity : the case of Germany, 1977, p. 39 , pp.520-505
also look :
عبد العزيز رفاعى وحسين عبد الواحد الشاعر ، الوحدة الوطنية فى مصر عبر التاريخ ،القاهرة : عالم الكتب ،1972، ص6 .
مجموعة مؤلفين ، رؤساء الدول امام حق تقرير المصير وواجب الحفاظ على الوحدة الوطنية والترابية ، فاس : مطبوعات اكاديمية المملكة المغربية 1994 ، ص92.
([3] ) مجموعة مؤلفين ، رؤساء الدول امام حق تقرير المصير وواجب الحفاظ على الوحدة الوطنية والترابية ، فاس : مطبوعات اكاديمية المملكة المغربية 1994 ، ص92.
([4]) عادل محمد زكى صادق ، الوحدة الوطنية فى قبرص ، رسالة دكتواره غير منشورة ، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، 1980 ، ص11.
([5]) نفس المرجع السابق ، ص ص 43-44
([6]) نفس المرجع السابق ، ص 46
([7]) أريك هوبسباوم ، الأمم والنزعة القومية ، ترجمة : عدنان حسن ، بيروت : دار المدى للثقافة ، 1999 ، ص 92
([8]) Thornadik, Barn, hart ," The nation", London , 1952, P.334
([9])مجموعة مؤلفين ، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 87-88 .
([10])نفس المرجع السابق ، ص ص 31-32.
([11])عادل محمد زكي صادق ، مرجع سابق ذكره ، ص 93
([12])مجموعة مؤلفين ، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير ، مرجع سابق ذكره ،، ص 32 .
([13])عادل محمد زكي صادق ، مرجع سابق ذكره، ص ص95-96.
([14]) نفس المرجع الساق ، ص ص 97-98.
([15]) نفس المرجع السابق ، ص ص 99-100.
([16]) نفس المرجع السابق ، ص ص 101-102
([17]) نفس المرجع السابق ، ص ص 104-105
([18]) نفس المرجع السابق ، ص 108
([19]) نفس المرجع السابق ، ص 108.
([20]) نفس المرجع السابق ، ص ص 109-110
([21]) مجموعة باحثين ، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير ، مرحع سابق ذكره ، ص 33
([22])Robert coolly Angel, Integration International Encyclopedia of social sciences, vol. 7. (New York: Macmillan and ress). p.381
([23]) C. E. Black, the Dynamics of Modernization : A study in Comparative History, (New York: Herperroow. Publishers, 1977). P.81
([24]) Glenn Woiceshyn , Individual Rights: Key To Restoring National Unity in Canada, Capitalism magazine, February 7, 1998
([25]) سليمان محمد الطماوي ، مرجع سابق ذكره ، ص 17 .
([26]) جواد بولس ، الكيان اللبناني و الوحدة اللبنانية ، المجلة اللبنانية للعلوم السياسية ، العدد 2 ، 1970 ، ص 12.
([27]) عبد العزيز رفاعي وحسين عبد لواحد الشاعر ، مرجع سابق ذكره ، ص4
([28]) عبد الرحمن خليفة ، أيديولوجية الصراع السياسي ، القاهرة : دار المعرفة الجامعية ، 1999 ، ص 169 .
([29]) عادل محمد زكي صادق ، مرجع سابق ذكره ، ص 12
([30]) محمد عمارة ، الإسلام والوحدة الوطنية ، القاهرة : دار الهلال ، 1979 ، ص 23 .
([31]) نفس المرجع السابق ، ص 27
([32]) قاسم جميل قاسم ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 15-40 .
([33]) عبد السلام إبراهيم بغدادي ، الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في إفريقيا ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1993 ، ص ص 291 -294 .
([34]) نفس المرجع السابق ، ص ص 291-294
([35]) سليمان محمد الطماوي ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 125-126 .
([36]) عبد العزيز رفاعي ،وحسين عبد الواحد ،مرجع سابق ذكره ، ص 66 .
([37]) مجموعة باحثين ، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير ، مرجع سابق ذكره ، ص 102 .
([38]) نفس المرجع السابق ، ص 102
([39]) نفس المرجع السابق ، ص 102
([40]) نفس المرجع السابق ، ص 128 .
([41]) لتعريف الجماعة العرقية والطائفية أو الأقلية ، يمكن الرجوع إلى مرجع : أحمد وهبان ، الصراعات العرقية واستقرار العالم المعاصر ، الإسكندرية :دار الجامعة الجديدة للنشر ،1999 ، ص 59 ، ص 62 ، ص 72 ، ص 78 ، ص 80


([42]) نفس المرجع السابق ، ص ص 43-50 .
([43]) نفس المرجع السابق ، ص ص 101-103.
([44]) نفس المرجع السابق ، ص ص 103-106 .
([45]) عبد العزيز رفاعي وحسين عبد الواحد ، مرجع سابق ذكره ، ص 198

([46]) مجموعة باحثين ، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير ، ص ص 140-144 .
([47]) سليمان محمد الطماوي ، مرجع ساق ذكره ، ص 12 .
([48]) محمد جابر الأنصاري ، تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية ، ط2 ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1995 ، ص ص 92-162 . سليمان محمد الطماوي ، مرجع ساق ذكره ، ص 12 .
([49]) عادل محمد زكي صادق ، مرجع سابق ذكره ، ص 52 .
([50]) ميخائيل غورباتشوف ، اليروسترويكا :تفكير جديد لبلادنا وللعالم ، ط4 ، ترجمة : حمدي عبد الجواد ، بيروت : دار الشوق ، 1999 ، ص 142.
([51]) جون كاوتسكي ، التحولات السياسية في البلدان المتخلفة ، ترجمة : جمال نعيم عون ، بيروت : دار الحقيقة ، 1980 ، ص ص 46-48
([52]) فيبي مار ووليم لويس (تحرير) ، امتطاء النمر : تحدي الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة ، ترجمة عبد الله جمعة الحاج ، أبو ظبي : مركز الإمارات للدراسات و البحوث الإستراتيجية ، 1995 ، ص 65 .
([53]) أريك هوبسباوم ، مرجع سابق ذكره ، ص 65 .
([54]) نفس المرجع السابق ، ص 113.
([55]) نفس المرجع السابق ، ص 189 .

([56]) أبو خلدون ساطع الحصري ، محاضرات في نشوء القومية العربية ، مرجع سابق ، ط2 ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1985 ، ص ص 21-33 .
([57]) أريك هوبسباوم ، مرجع سابق ذكره ، ص 113

([58]) عبد السلام إبراهيم بغدادي ، مرجع سابق ذكره ، ص 52 .

([59]) نفس المرجع السابق ، ص54 .

([60]) نفس المرجع السابق ص 58.

([61]) Khin Maung Nyunt. ‘The law to protect and preserve cultural heritage regions’. MP , September 1998

([62]) عبد السلام إبراهيم بغدادي ، مرجع ساق ذكره، ص 62.

([63]) نفس المرجع السابق ص 62.

([64]) مجموعة باحثين ، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 125-126 .

([65]) نفس المرجع السابق ، ص ص 125-126

([66]) نفس المرجع السابق ، ص ص 125-126

([67]) نفس المرجع السابق ، ص ص 125-126

([68]) إبراهيم العيسوى ، قياس التبعية في الوطن العربي ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ،1989 ، ص 130 .

([69]) http://www.uog.edu.gy/files/documents/prochancellor/toward_national_unity_in_multicultural_societies.pdf

([70]) سمير عبده ، المسيحيون السوريون خلال ألفي عام ، دمشق : دار علاء الدين ،2000 ، ص ص10-18 .

([71]) غوستاف لوبون ، سيكولوجية الجماهير ، ط4 ، ترجمة هاشم صالح ، بيروت :دار الساقي ، 1997 ، ص206

([72]) محمد عمارة ، الإسلام والوحدة الوطنية ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 23-24 .

([73]) نفس المرجع السابق ، ص 32

([74]) سليمان الطماوي ، مرجع ساق ذكره ، ص ص 63-64 .

([75]) Hasan Abu Taleb , "National unity in Egypt; is it a crisis?" , center for political & strategic studies , Issue 25, Dec.2004
cairo institute for human reghts studies, Shall we bid National Unity Farewell 30/4/2006

([76])A lecture about the problem in alxanareia Between Moslems and Christians
cairo institute for human reghts studies, Shall we bid National Unity Farewell ,30/4/2006

([77]) حدت عدة مجازر دموية بسبب الاختلافات الدينية في الدول الأوربية ، انظر حول ذلك : محمد خليل ، الطائفية والنظام الدستوري في لبنان ، بيروت : المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، 1980 ، ص 205.

([78]) سليمان محمد الطماوي ، مرجع ساق ذكره ، ص ص 63-64 .

([79]) نفس المرجع السابق ، ص ص 120-127

([80]) مجموعة باحثين ، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير ، مرجع ساق ذكره ، ص 124

([81]) نفس المرجع السابق ، ص 138-139

([82]) نفس المرجع السابق ، ص 120.

([83]) جواد بولس ، مرجع سابق ذكره ص ص 10 - 13

([84]) جون كاوتسكي ، التحولات السياسية في البلدان المختلفة ، ترجمة : جمال نعيم عون ، بيروت : دار الحقيقية ، 1980، ص 9 .

([85]) محمد خليل ، مرجع سابق ذكره ، ص 50 .

([86]) نفس المرجع السابق ، ص 52 .

([87]) برنار غروتويزن ، فلسفة الثورة الفرنسية ، ترجمة : عيسي عصفور، بيروت : منشورات عويدات ، 1982 ، ص ص 44-45

([88]) نفس المرجع السابق ، ص ص 55-56.

([89]) نفس المرجع السابق ، ص 56 .

([90]) جون كاوتسكي ، مرجع سابق ذكره ، ص 166.
([91]) زبغينيو برجنسكي ، بين عصرين : أمريكا والعصر التكنتوتروني ، ترجمة محجوب عمر ، بيروت : دار الطليعة ، 1980 ، ص ص 36—37

([92]) خلدون حسن النقيب ، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر ، ط2 ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1996 ، ص ص 344-345

([93]) منيف الرزاز : الحرية ومشكلاتها في البلدان المختلفة ، بيروت : دار العلم للملايين 1965، ص 50.

([94]) عبد الرحمن خليفة ، أيديولوجية الصراع السياسي ، القاهرة : دار المعرفة الجامعية ، 1999 ، ص 159 .

([95]) نفس المرجع السابق ص 19.

([96]) جون كاوتسكي ، مرجع سابق ذكره ، ص 13 .

([97]) سعد جمعة ، مجتمع الكراهية ، ط4 ، م د ، م م ، 1969 ، ص 189 .

([98]) محمد عابد الجابري ، فكر ابن خلدون العصبية والدولة ، ط6 ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1994 ، ص ص 150 – 160 .

([99]) نفس المرجع السابق ، ص 214 ، ص ص 161-162.

([100]) عبد الرحمن خليفة ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 160-161 .

([101]) فيبي مار ووليم لويس ، مرجع ساق ذكره ، ص 111

([102]) أريك هوبسباوم ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 39 – 40.

([103]) شمعون بيريس ، مستقبل إسرائيل حوارات أجراها معه ، روبرت ليتل ، ترجمة : محمد نجار ، عمان : الأهلية للنشر ، د ت ، ص 128.

([104]) أحمد وهبان ، الصراعات العرقية واستقرار العالم المعاصر ، الإسكندرية : دار الجامعة الجيدة للنشر، 1999، ص 119 -127 .

([105]) برنار غروتويزن ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 44-55 .

([106]) عبد الرحمن خليفة ، مرجع ساق ذكره ، ص 19

([107]) نفس المرجع السابق ، ص ص 166-171 .

([108])عبد الرحمن خليفة ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 173-178 .

([109]) سعد جمعة ، مرجع سابق ذكره ، ص 189

([110]) A lecture about the problem in alxanareia Between Moslems and Christians in 2006
cairo institute for human reghts studies, Shall we bid National Unity Farewell , 30/4/2006

([111]) عبد ا لرحمن خليفة ، مرجع سابق ذكره ، ص 172 .

([112]) نفس المرجع السابق ، ص 165 .

([113]) نفس المرجع السابق ، ص ص 185-192 .

([114]) محمود حسين ، الصراع الطبقي في مصر ، مرجع سابق ذكره ، ص 134 .

([115]) محمد عمارة ، مرجع سابق ذكره ، ص 30 .

([116]) سليمان محمد الطماوي ، مرجع سابق ذكره ، ص 141 .

([117]) Leomard , Binder , Crises and Sequences in Political Development ,( Princeton University, Press 1977 ), P.195
([118]) عادل محمد صادق ، مرجع سابق ذكره ص ص 160-162 .
([119]) عبد السلام إبراهيم بغدادي ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 64-66
([120]) عبد العزيز رفاعي وحسين عبد الواحد ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 198-200
([121]) نفس المرجع السابق ، ص ص 198-200 .
([122]) نفس المرجع السابق ، ص ص 198-200 .
([123]) نفس المرجع السابق ، ص ص 200-2001.
([124]) جون كاوتسكي ، مرجع سابق ذكره ، ص 67 .
([125]) نفس المرجع السابق ، ص 67 ، للمزيد : أنظر شفيق عبد الرزاق السامرائي ، المشرق العربي : العراق ، سوريا ، لبنان ، بغداد : وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، 1980 ، ص ص 23-42 .
([126]) سعد الدين إبراهيم ، مصر تراجع نفسها ، القاهرة : دار المستقبل الجديدة ، 1983 ، ص ص 23-24 .
([127]) حمدي عبد الرحمن حسن ، مرجع سابق ذكره ، ص 15
([128]) نفس المرجع السابق ، ص 15 ، ص 114 .
([129]) موريس دوفرجيه ، في الدكتاتورية ، ترجمة : هشام متولي ، بيروت : منشورات عويدات ، 1989 ، ص ص 14-19.
([130]) جون كاوتسكي ، مرجع سابق ذكره ، ص ص 58-59.
([131]) نفس المرجع السابق ص 59.
([132])نفس المرجع السابق ص ص 92-30 .
([133]) عبد الرحمن خليفة ، مرجع سابق ذكره ، ص 158 .
([134]) نفس المرجع السابق ، ص ص 163-164
([135]) نفس المرجع السابق، ص ص 163-165.
([136]) سليمان محمد الطماوي، مرجع سابق ذكره، ص13.
([137]) كمال المنوفي وآخرون، حقيقة التعددية السياسية في مصر، تحرير مصطفى كامل السيد، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1996، ص ص281-187.
([138]) محمد جابر الأنصاري، تكوين العرب السياسي، ومغزى الدولة القطرية، ط2، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1995، ص94.
([139]) نفس المرجع السابق، ص ص 95-99.
([140]) عادل محمد زكي صادق، مرجع سابق ذكره، ص ص 55-56.
([141]) Karl, W. Deutch and William. J.Foltz, "Nation Building", Columbus: Ohio State
University Press, 1963 ,p.43
([142]) كمال المنوفي وآخرون، مرجع سابق ذكره، ص9 .
([143]) محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، الوصية والدولة، مرجع سابق ذكره، ص ص 25-26 ، ص64. ص82 ، ص117 ، ص ص 148 – 149 ، ص151 – 152 ، للمزيد حول الصراع بين البادية والحضر، أنظر محمد عمارة: مرجع سابق ذكره ص30 – 26 .
([144]) نفس المرجع السابق، ص ص 153-156 .
([145]) محمد جابر الأنصاري وآخرون، النزاعات الأهلية العربية، مرجع سابق ذكره، ص87 .
([146]) عبد الرحمن خليفة، مرجع سابق ذكره، ص ص 163-164 .
([147]) سعد الدين إبراهيم، مصر تراجع نفسها، القاهرة: دار المستقبل الجديدة، 1983، ص22.
([148]) سليمان محمد الطماوي ، ص ص 23-26 .
([149]) نفس المرجع السابق، ص ص 23-26 .
([150]) شفيق عبد الرزاق السامرائي، مرجع سابق ذكره، ص 90 ، ص156 ص107 ، أنظر أيضاً ، رجب أبو دبوس، القاموس السياسية ، طرابلس: الدار الجماهيرية 1996، ص40 ، ص ص 298 – 300.
([151]) نفس المرجع السابق ، ص 90 ، ص156 ، ص107 .
([152]) خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، مرجع سابق ذكره ص ص 193-154.
([153]) مجموعة مؤلفين، رؤساء الدول أمام حق تقرير المصير وواجب الحفاظ على الوحدة الوطنية والترابية، مرجع سابق ذكره، ص42 .
([154]) جاك ووديز، الجيوش والسياسة، ترجمة عبد الحميد عبد الله ، ، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1982، ص16
([155]) نفس المرجع السابق، ص43 .
([156]) محمد زاهي بشير المغربي، التنمية السياسية والسياسية المقارنة، بنغازي، منشورات جامعة قاريونس، 1998، ص119.
([157]) موريس دوفرجيه، في الديكتاتورية، مرجع سابق ذكره، ص 86 .
([158]) نفس المرجع السابق، ص ص 86 – 93 .
([159]) نفس المرجع السابق ، ص154 .
([160])جاك ووديز، مرجع سابق، ص24 .
([161]) عادل مختار الهواري، الصفوة السياسية في الشرق الأوسط ، القاهرة: مكتبة نهضة الشرق، 1984، ص ص11-12 .
([162]) نفس المرجع السابق، ص20 .
([163]) نفس المرجع السابق، ص32-39.
([164]) ناجي أبي عاد وميشيل جريتون، النزاع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ترجمة: محمد نجار، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 1999، ص90 .
([165]) حمدي عبد الرحمن حسن، العسكريون والحكم في أفريقيا، مرجع سابق ذكره، ص127.
([166]) إبراهيم نصر الدين، الاندماج الوطني في أفريقيا: نموذج نيجيريا، القاهرة: مركز دراسات المستقبل الأفريقي، 1997 ، ص8 .
([167]) جاك ووديز، مرجع سابق ذكره، ص96 .
([168]) حمدي عبد الرحمن حسن، مرجع سابق ذكره، ص ص 125-127، أنظر أيضاً: خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر ، مرجع سابق ذكره، ص ص129 – ص137.
([169]) خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، مرجع سابق ذكره، ص ص138-142.
([170]) شفيق عبد الرازق السامرائي، المشرق العربي، مرجع سابق ذكره، ص ص 108-111، أنظر أيضاً، حمدي عبد الرحمن حسن، مرجع سابق ذكره، ص ص 122-124، أنظر أيضاً، محمود حسين، الصراع الطبقي في مصر، مرجع سابق ذكره، ص122.
([171]) حمدي بعبد الرحمن حسن، مرجع سابق ذكره، ص ص 122-124.
([172]) عادل محمد زكي صادق، مرجع سابق ذكره، ص ص 133-135، ص ص 162-163.
([173]) عبد الرحمن خليفة، مرجع سابق ذكره، ص ص 203-206.
([174]) نفس المرجع السابق، ص208.
([175]) عادل محمد زكي صادق، مرجع سابق ذكره، ص-ص162-163.
([176]) سليمان محمد الطماوي، مرجع سابق ذكره، ص ص : 125-126.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق