نموذج الحب والحرب

أرحب بكل نقد أو استفسار

نموذج الحب والحرب

أرحب بكل نقد أو استفسار

عالم السياسة والاقتصاد والقانون

هذه المدونة تعبر عن الكثير من الأبحاث التي قدمتها

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

الجمعة، 3 ديسمبر، 2010

"العوامل الداخلية والخارجية المؤدية إلى عدم الاستقرار السياسي في سوريا ج1

ثمة عوامل داخلية وخارجية اشتركت مع بعضها البعض ي إحداث عدم الاستقرار السياسي في سوريا مما أدى إلى سقوط كثير من الحكومات السورية التي لم تستطع معيار الاستقرار السياسي فيها وهي أن تكون مدتها تزيد عن الثمانية أشهر وهومعيار عدم الاستقرار الحكومي ، كما لم تستطع الأنظمة السورية المتعاقة أن تستمر مدتها القانونية ، والتي تكون عرفياً بأربع سنوات حسب معظم الدساتير في العالم ، وعلى هذا الأساس سيوضح هذا البحث تمازج العوامل الخارجية مع الداخلية لإحداث عدم الاستقرار السياسي في سوريا خلال الفترة ( 1943-1971).
الفصل الأول

العوامل الداخلية المؤدية إلى
عدم الاستقرار السياسي في سوريا
المبحث الأول
"الجيـش"
للجيش في سوريا تاريخ طويل فعلى أرضها كانت المعارك العالمية الكبرى منذ فجر التاريخ بين الحضارات المختلفة، وكانت الكثير من مدنها مراكز لتلك الحضارات، أو حواضر مهمة لها، لكن زادت أهميتها في ظل الدولة الأموية التي كانت مركزها دمشق، فاهتم الأمويون في تنظيم الجيش وأكملوا ما بدأه الخليفة عمر بن الخطاب (رض) في تنظيم الجيش( )، ثم أدخل الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، نظام التجنيد الإجباري ففتحوا شمال أفريقيا كلها إضافة إلى الأندلس وجنوب فرنسا، وفرضوا الجزية على بلاد الصين والقسطنطينية، بعد أن فتحوا السند وبلاد ما وراء النهر وهي ما تعرف الآن بالتركستان والباكستان وغيرها من المناطق التي نشروا فيها رسالتهم، كما أنهم فتحوا معظم جزر البحر المتوسط، و كانت دمشق مركز الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي الذي يعد استمراراً للدولة الزنكية التي كانت عاصمتها دمشق أيضاً، فكانت الدولة الأيوبية وريثة عدة دول أهمها الدولة الفاطمية في مصر و الجزيرة العربية و الدولة الحمدانية في حلب والموصل وعلى هذا الأساس وحدت الدولة الإسلامية بعد أن تقسمت إلى دويلات عديدة، -وقد أيد الخليفة العباسي في بغداد هذه الوحدة وأقر صلاح الدين على هذه المناطق- وبعد ذلك هزمت الصليبيين في حطين وأخرجتهم من البلاد التي احتلوها بعد ذلك، وكانت الدولة الحمدانية في حلب والتي امتدت لمسافات شاسعة له الدور الأكبر في حماية الدولة الإسلامية من الغزوات البيزنطية، وعلى أرض الشام هزم المغول بعد تحالف أمراء الدولة الأيوبية في الشام مع مماليك مصر بقيادة القائد سيف الدين قطز في معركة عين جالوت، لكن ضعف مركزها في ظل الدولة العثمانية التي اتسمت بالتخلف والجهل مما أثر على مركزها، وعادت الروح إليها عندما أصبحت مركز الجيش الرابع التركي بقيادة جمال باشا –السفاح- خلال الحرب العالمية الأولى، ثم دخول الأمير فيصل بن الحسين دمشق عام1918 والذي عمد إلى بناء جيش وفرض التجنيد الإجباري، وتشكلت أول وزارة دفاع في المنطقة العربية في 2 مايو 1920( )، وكان أول وزير للدفاع هو يوسف العظمة الذي استشهد في معركة ميسلون والتي على إثرها دخل الفرنسيون دمشق في 1920، وفي عهد الانتداب الفرنسي شكلت فرنسا جيشاً في سوريا سمته جيش الشرق المختلط، وهو يجمع بين أبناء كل سوريا المنتدبة من قبل الفرنسيين بما في ذلك أبناء لبنان، رغم أن فرنسا اعتمدت مبدأ انتقاء الموالين لها، وخاصة من الأقليات الدينية والعرقية، حيث شكل العلويون وحدهم (3) كتائب من أصل 12 كتيبة، -لكن هذا لا يعني أن الأقليات كانت الأكثرية في الجيش فقد كان معظم ضباط الجيش بعد الاستقلال من السنة، وما يدل على ذلك أن قادة كل الانقلابات العسكرية الناجحة قبل 23 فبراير 1966 كانوا من الضباط السنة( )- كما أن مؤتمر حمص للمصالحة الوطنية في عام 1962 كان يضم 36 ضابط من الضباط السنة مقابل (5) فقط من الأقليات الأخرى أي أن نسبة الضباط السنة كانت حوالي 88 بالمائة بالنسبة لمجموع الأقليات الأخرى، كما كان معظم مؤيدي انقلابات الضباط من المسلمين السنة أيضا وهذا يعني أن الضباط السنة كان لهم دور كبير في الانقلابات العسكرية خلال هذه الفترة حيث كان تدخل الجيش السوري للسياسة من أهم العوامل التي ساهمت في عدم الاستقرارالسياسي في سوريا، بسبب اتصال بعض السياسيين ممن ينتسبون إلى الأحزاب بالعسكر كونهم أداة مهمة للتغيير السياسي، كما عمل بعض السياسيين الآخرين على إدخال طلاب المدارس العسكرية والشرطة ضمن أحزابهم، بحيث يكونوا تابعين لهم بعد تخرجهم، كما فعل ذلك عضو الحزب القومي السوري وعضو حزب الشباب ثم حزب العربي الاشتراكي ثم أحد قادة حزب البعث العربي الاشتراكي وهو النائب أكرم الحوراني، رغم أن المسؤولين عن الطلاب في الكليات العسكرية كانوا يعملون على صهر الطلاب في بوتقة واحدة واندماج واحد، بحيث تسودهم ثقافة الأخوة والاحترام ( )، خاصة أن الطلاب في مراحلهم الدراسية لم يكتمل نضجهم السياسي، لكن الحوراني يقول في ذلك ليبرر عمله في تسييس الجيش: " كنت أسأل نفسي، هل نترك الجيش للرجعية لتنفيذ مؤامراتها، بعد أن أصبح الجيش أهم ساحة من ساحات الصراع بين القوى التقدمية، والاستعمار؟ هل نعتبر الجيش قطاعاً من قطاعات الشعب، وهذا يقتضي تنظيماً حزبياً عالياً؟"( ) ويقول أيضاً "الجيش هو الشعب والشعب هو الجيش"( ), فكان الحوراني –كما سنرى لاحقاً- عراب الانقلابات العسكرية في سوريا، قبل انقلاب عام 1966.
لكن لابد لأي انقلاب عسكري أن يكون نتيجة لعوامل عديدة أدت إليه فيكون هو رد فعل لهذه العوامل، إضافة لما يحدثه تدخل العسكر في إحداث الأزمات الحكومية وسقوط الحكومات، فانقلاب حسني الزعيم في 29 مارس 1949، كان من أسبابه تردي أداء الجيش في حرب فلسطين عام 1948 حيث سببت خيبة أمل وشعور بالإخفاق على المستوى الشعبي( ) ، كون الشعب كان ينظر لجيشه على أنه المحقق لتطلعات وأهداف الشعب بعد أن فرض الرئيس شكري القوتلي التجنيد الإجباري في سوريا عام 1948، وأصبحت الجندية واجباً مقدساً على الجميع، لتحقيق الأمن الخارجي والداخلي، خاصة بعد الاضطرابات في فلسطين بسبب وعد بلفور وماجره عليها من قيام دولة إسرائيل بتأييد الأمم المتحدة عام 1947، وقد شكك بعض أعضاء البرلمان السوري في أعقاب حرب فلسطين عام 1948 في نزاهة بعض قادة الجيش، واتهام البعض منهم بالفساد والسرقات، حيث شكل البرلمان لجنة للتحقيق في ذلك، وحوكم وزير الدفاع أحمد الشرباتي خلال حرب فلسطين، بسبب الخطة التي عهد بها لبعض الضباط وقد رفضها قائد الأركان اللواء عبدالله عطفة، مما حذا بوزير الدفاع إلى الاستقالة بعد خمسة أيام من بدء حرب فلسطين، فتسلم وزارة الدفاع رئيس الحكومة جميل مردم بك إضافة لمنصبه، وعمل لإبعاد قائد الأركان عن الأركان، وتعيين حسني الزعيم بدلاً منه والذي عمل على تطبيق خطة وزير الدفاع الخاطئة، والتي بسببها قتل الكثير من الجنود السوريين، حتى سميت المنطقة التي حورب فيها بمقبرة الجيش السوري، رغم أن الجيش السوري لم يهزم في تلك الحرب بل احتل بعض المناطق الاستراتيجية مثل مستوطنة كعوش، وكانت خطة قائد الأركان عبدالله عطفة، الاستيلاء على الساحل الفلسطيني السهل، ومنع الإمدادات للجيش الإسرائيلي، لكن لم تنفذ خطته، إضافة لقضية الضابط فؤاد مردم بك ابن أخو رئيس الحكومة جميل مردم بك، حيث عهدت إليه قبيل حرب فلسطين بقليل، باستيراد شحنة الأسلحة من إيطاليا إلى سوريا، لكن ذهبت الشحنة إلى إسرائيل، وكان هذا الضابط على علاقة بجاسوسة يهودية يوغسلافية اسمها بلماس، مما حذا بالرئيس شكري القوتلي لتقديمه للمحاكمة، كما أن الحكومة السورية تورطت بصفقة طائرات إيطالية ( )، تبين أنها قديمة وتسخن بسرعة، حيث ظهر ذلك خلال عرض عسكري أمام الجمهور، فسقطت إحدى هذه الطائرات وأودت بحياة عشرين متفرجاً وجرح آخرين، كل هذه الفضائح وغيرها كان لها تأثير سيء على الشعب السوري خاصة أن قائد الأركان الجديد وهو حسني الزعيم ( )، كان سجله مليئاً بالفساد منذ زمن الانتداب الفرنسي ، فقد اختلس مبلغ (3000) ليرة سورية، فحكم عليه عام 1942 بـ 10 سنوات سجن ، وقد أطلق سراحه الرئيس شكري القوتلي بعد الاستقلال، إضافة إلى استشراء الفساد في تموين الجيش وخاصة فضيحة الشحنة الفاسدة، مما أدى لاستهتار الشعب السوري بقيادة الجيش، وتعرض الضباط للإهانات بسبب ذلك، حتى أنه أصبح الصبية في الشوارع يمسكون أنوفهم حينما يمر أحد الضباط، وقام زعيم الحزب التعاوني الاشتراكي والنائب في البرلمان فيصل العسلي، بالتنديد بحسني الزعيم، وقيادة كتلة برلمانية تدعو لعدم زيادة ميزانية الجيش، بسبب الفساد، وأعتقل رئيس تموين الجيش العقيد أنطوان البستاني، وأرسل من سجنه رسالة لحسني الزعيم يهدده فيها بأنه سيكشف جميع شركائه، إذا لم يتصرف حسني الزعيم ويحل الموضوع( )، كما أن تعديل الدستور السوري عام 1947 للتمديد لرئيس الجمهورية لمرة واحدة فقط بسبب حرب فلسطين والأوضاع المتردية الأخرى خلال تلك الفترة، أثار استياء الجيش( )، وكان الجيش قد عهد إليه لقمع المظاهرات خلال حرب فلسطين مما حذا بحسني الزعيم الذي كان مديراً للأمن إضافة للأركان ، إلى الشعور بقدرة الجيش على التغيير، فاستغل بعض الطموحين هذه الظروف لإحداث انقلاب عسكري يطيح بنظام الحكم( ) ، فقام مستشار الرئيس شكري القوتلي وهو محسن البرازي وكان أميناً لشؤون القصر، بتشجيع حسني الزعيم على انقلابه، وكان له الدور الأكبر في إعادته قبل ذلك إلى الجيش وتعيينه قائداً للأركان، وهذا سر تعيينه رئيساً للحكومة بعد انقلاب حسني الزعيم، رغم أنه اعتقله لعدة أيام عقب الانقلاب حتى لا يقال أنه متآمر على الرئيس شكري القوتلي، كما شجعه أيضاً النائب في البرلمان وعضو اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في حرب فلسطين، وهو أكرم الحوراني على ذلك، حيث كان يختلي به كثيراً، وقد استاء الجيش أكثر عندما لم يهتم الرئيس شكري القوتلي لمذكرة الضباط التي أرسلوها إليه، بسبب تهجم النائب فيصل العسلي عليهم في البرلمان( )، حيث عهد للبرلمان بذلك مما حذا بالضباط إلى التذمر وعدم تنفيذ الأوامر، فاجتمع حسني الزعيم -مستغلاً هذه الظروف- في القنيطرة مع بعض الضباط وأبرزهم صديقي الحوراني وهما بهيج كلاس الذي أصبح نائباً لحسني الزعيم بعد انقلابه، وأديب الشيشكلي الذي أصبح مديراً للأمن، وأكرم الحوراني الذي أصبح مستشاراً لحسني الزعيم، كما تولى رئاسة اللجنة التي كلفه بها الزعيم للتحقيق في مساوئ الحكم السابق، والتي لم تجد أي اتهام للرئيس شكري القوتلي، وكان الذي ساعد على الانقلاب ما كان منتشراً في صفوف الجيش من فوضى في تنظيمه وارتباط بعض فروعه بعدة وزارات، مما جعلها مفككة ومنفصلة عن بعضها البعض وعن القيادة( )، وهذا أدى إلى اختلافات في التدريب وعدم تناسق وانسجام في نظام الجيش.
ورغم تأييد البعض مثل رجال الدين وحزب البعث لهذا الانقلاب ، إلا أنهم انقلبوا بعد ذلك ضده، حيث سرت شائعات في أوساط الشعب والجيش تقول أنه يريد القضاء على القومية العربية، وتشكيل فرق أجنبية في الجيش السوري( ) ، بعد أن أفسد معاهدة الهدنة مع إسرائيل بقبوله إعادة الأراضي الاستراتيجية التي استولى عليها الجيش السوري خلال حرب 1948، إلى إسرائيل، وحولها لمنطقة منزوعة السلاح، وتشرف عليها الأمم المتحدة( )، وحاول اللقاء مع رئيس وزراء إسرائيل ديفيد بن غوريون، ففسر الضباط ذلك على أنه اعتراف بإسرائيل، كما أنه تقرب من تركيا وفرنسا وما سببوه لسوريا من مآسي في تآمرهم على الأراضي السورية وخاصة كليكيا ولواء الإسكندرونة، إضافة لخيانته قضية الوحدة مع العراق ، حيث ناصبها العداء، ثم تسليمه لزعيم الحزب القومي السوري أنطون سعادة ، الذي دعاه للجوء السياسي إلى سوريا، ثم سلمته للحكومة اللبنانية التي أعدمته على الفور، ثم إبعاده لأكرم الحوراني وأديب الشيشكلي كونهما في الحزب القومي السوري، وكان لهما أصدقاء بين ضباط الجيش، فحرضوهم على الانقلاب ضده، خاصة بعد سلسلة الاعتقالات التي سادت حكمه بعد تولي المقدم إبراهيم الحسيني الموالي للولايات المتحدة، رئاسة المكتب الثاني (المخابرات العسكرية)، والذي ملأ سجن المزة بالمعتقلين السياسيين( )، وإهانته وقتله لبعضهم، كما أشيع عن حسني الزعيم التهور والانتساب للماسونية، وسجله السيء خاصة بعد قبوله بخطة وزير الدفاع أحمد الشرباتي ورفضه خطة قائد الأركان عبدالله عطفة( )، ثم إعلان نواب البرلمان السوري بعدم التعاون معه بعد انقلابه( ) ، مما حذا به إلى حل البرلمان، ثم أخذ يحيط نفسه بهالة من العظمة( )، وأعطى لنفسه رتبة مارشال أي مشير، كل هذه العوامل جعلت الضباط يؤيدون انقلاب الزعيم سامي الحناوي ( ) في أغسطس 1949، والذي قوبل بارتياح شعبي وحزبي، وكان أول مرسوم له بعد تسلم السلطتين التشريعية والتنفيذية، تعيينه لعديله أسعد طلس أميناً عاماً لوزارة الخارجية (بناءاً على طلبه)، وتسريح أعوان حسني الزعيم( )، ثم أصدر مرسوماً، عين بموجبه هاشم الأتاسي رئيساً للحكومة وعهد إليه بتشكيلها، بعد أن وجه دعوته لرجال السياسة للحضور يوم الانقلاب، وقد برر سامي الحناوي انقلابه ، بأنه جاء كحركة تصحيحية لمسار انقلاب 30 مارس 1949 بسبب خيانة الأهداف التي تنكر لها( )، وهي مبدأ الاتحاد مع العراق، فجعل الجيش مراقباً لقرارات الحكومة لتحقيق هذه الأهداف، التي آمنت بها الحكومة أيضاً، فتشكل مجلس تأسيسي وفق انتخابات حرة عملت من أجل الوحدة مع العراق، وأعلن سامي الحناوي في 8 أكتوبر 1949 بالتصريح التالي: " إن الجيش وإن كان يرحب بأي اتحاد بين الدول العربية، إلا أنه يترك مثل هذا الأمر إلى الحكومة، وهو ينفذ ما يطلب منه فقط "( ) ، لكن أديب الشيشكلي الذي أعاده اللواء سامي الحناوي إلى الجيش وسلمه قيادة اللواء الأول عارض الوحدة مع العراق على أساس أنه كان أولى بالعراق الوحدة مع الأردن كون العائلتين الحاكمتين هاشميتين، كما عارض الحوراني ذلك على أساس أن الضباط السوريين سيفقدون مراكزهم بسبب أن الجيش العراقي أكثر تدريباً من الجيش السوري، وأن الجيش السوري سيكون تحت رحمة الجيش العراقي، بالرغم من أن الحكومة والمجلس التأسيسي كله - ماعدا الحوراني- كانوا مع اللواء سامي الحناوي( )، ولم تكن هناك أي قطيعة بينه وبين البرلمان، كما ادعى أديب الشيشكلي والحوراني بعد انقلاب الشيشكلي، من أن سامي الحناوي كان يجبر معارضي الاتحاد مع العراق على القبول، وأن هناك قطيعة بين الجيش والبرلمان (المجلس التأسيسي) ( ).
وعمل الرئيس هاشم الأتاسي الذي تولى في أعقاب انقلاب سامي الحناوي على إقرار إتفاقية موقعة من زعماء الأحزاب، وإبعاد الوزراء الانتهازيين واستبدالهم( )، وأعلن الأحكام العرفية خلال الانتخابات، ثم أعد مشروع الدستور لعرضه على المجلس التأسيسي، فأجريت الانتخابات البرلمانية، وانتخب رشدي الكيخيا رئيساً للبرلمان، وهاشم الأتاسي، رئيساً للجمهورية، بعد أن كان رئيساً انتقالياً مؤقتاً، وعهد لناظم القدسي بتشكيل حكومته، ووضعت مسودة الاتحاد بين سوريا والعراق، وكان بيان الحكومة : " إرادة الشعب السوري بإيجاد اتحاد بين سوريا والعراق " ، لكن ليلية اليوم الذي كان مفترضاً أن يتم فيه التصويت في البرلمان على قيام الاتحاد بين سوريا والعراق، قام العقيد أديب الشيشكلي بانقلابه الأول في 24 ديسمبر 1949 ، ولوحق مؤيدي الوحدة مع العراق، واعتقل قائد الجيش سامي الحناوي، وتشكل مجلس عسكري سمي مجلس العقداء بقيادة أديب الشيشكلي، حيث عهد لهذا المجلس بالاضطلاع على القرارات والشؤون المهمة واتخاذ الإجراءات اللازمة بصددها( )، لكن الشيشكلي أعاد الجيش إلى ثكناته، وأعلن أنه لن يتدخل بالحياة السياسية، وتولى منصب نائب قائد الجيش (الأركان)، رغم أنه ظل هو المسيطر على الجيش من وراء الستار، ثم تشكلت حكومة برئاسة خالد العظم في ديسمبر 1949 وعهد لأكرم الحوراني ، فيها بحقيبة الدفاع، لكنه لم يستمر فيها سوى أقل من شهرين، وبرر ذلك بأنها قيدته عن أعماله( ).

وعمل الشيشكلي باعتباره أصبح المتحكم من وراء الستار بالجيش،على إثارة الأزمات الحكومية( )، تمهيداً لوصوله إلى الحكم بانقلاب آخر، من خلال الأزمات الحكومية وعدم الاستقرار الحكومي،وعندما حاول بعض نواب البرلمان التنديد بتدخل الجيش في الحياة السياسية مثل الدكتور منير العجلاني،اتهم بالخيانة، وحوكم على أساس أنه خطط لاغتيال الشيشكلي( )، وعندما شكل الحكومة خالد العظم في مارس1950، وتعهده بالمحافظة على النظام الجمهوري المستقل، ودعم ميثاق الأمن الجماعي الذي اقترحته مصر، وإبعاد سوريا عن مشروع الهلال الخصيب، بارك الجيش هذه الحكومة( ).
ثم شكل ناظم القدسي الحكومة عام 1950 لكن ظهر خلاف بين وزير الداخلية رشاد برمدا ( )، وبين وزير الدفاع فوزي سلو الذي عينه الجيش، حيث كان الخلاف على من يسيطر على قوات الدرك، مما أدى لاستقالة وزير الداخلية رشاد برمدا، ثم أخذ الشيشكلي في إثارة التناقضات بين الأحزاب بتشجيع الحزب الوطني على إقصاء حزب الشعب على الوصول إلى السلطة، وإثارة الصراع بين السياسيين المدنيين على الحكم( )، وتصارع الأحزاب الراديكالية مع المحافظة، مما حذا بحكومة ناظم القدسي إلى الاستقالة في مارس 1951، بسبب خلافها مع الجيش، وحدثت الأزمة الحكومية التي استمرت أسبوعين، حيث شكل بعد ذلك القدسي حكومة جديدة استمرت يوماً واحداً، لكنها استقالت بسبب خلافها مع الجيش، فشكل الحكومة معروف الدواليبي في نوفمبر 1951 عملت على طرح سياسة محايدة برفضه برامج الأمن الإقليمي التي طرحها الغرب( )، وكان مقرراً إقصاء الشيشكلي عن الجيش في اليوم التالي لإنهاء تدخله في الحكومات والأزمات الحكومية، إضافة إلى ما قررته الحكومة ( ) بنقل الإشراف على القوات المسلحة كافة، وأجهزة الأمن إلى الحكومة، وضع منظمات الدفاع الوطني (الدرك)، تحت تصرف الحكومة بما في ذلك المكتب الثاني، وجعل رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوى المسلحة، لكن الشيشكلي رفض ذلك كله على أساس أن ذلك سيسمح لها فعلاً بإقصائه عن منصبه، فوجه إنذاراً إلى الحكومة، لكن معروف الدواليبي لم يستجب للإنذار، مما حذا بالشيشكلي إلى القيام بانقلابه في اليوم التالي أي في 29 نوفمبر 1951.
وقد تميزت الفترة بين انقلابي الشيشكلي الأول والثاني، بتدخلات الحوراني والشيشكلي في الحكومات فاستغلا نفوذهما من أجل الثراء( )، وظهرت فضائح محاولات شراء السلاح من فرنسا، وبلغت الفروق حوالي 15 مليون ليرة سورية، مع أن هذه الأسلحة كانت غير فعالة وقديمة، فكان الشيشكلي والحوراني لهما نصيباً كبيراً في هذه الصفقات، كما استغلا سلطتهما مستغلين مبدأ الإصلاح الزراعي الذي يدعو له الحوراني لنهب أراضي الجزيرة السورية من الأملاك العامة وأحياناً الخاصة، وأصبح كل من يهتف باسم الحوراني والشيشكلي من أقاربهما وأصدقائهما يفعل ذلك، كما طالب الجيش بأن يكون الحوراني رئيساً للحكومة، لكن البرلمان رفض بالإجماع على ذلك، كما تدخل الشيشكلي في البرلمان حاثاً إياه على دفع رواتب الضباط ليكسب ولاءهم أكثر، مما حذا بموظفي الدولة المدنيين، أن يطالبوا بنفس الزيادة، مما أحدث اضطرابات كثيرة في أنحاء الدولة، وبعد انقلاب الشيشكلي الثاني عين فوزي سلو رئيساً لجمهورية، رغم أنه ظل الحاكم الفعلي -من وراء الستار- بعد أن استقال رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي، كما سقطت الحكومة وحل البرلمان، وأعتقل أعضاء الحكومة وبعض أعضاء البرلمان، وأصبح فوزي سلو والشيشكلي يحتفلون سنوياً بيوم الانقلاب وسمياه بالحركة التصحيحية، كما أخذا يدعوان الدول العربية للمشاركة فيه، وأصبح الشيشكلي ينفق الملايين في زياراته للمحافظات، حيث يساق الناس إلى استقباله، فيكون له الشعراء والهاتفون والمصفقون والراقصون، ثم أجرى الشيشكلي استفتاء في 10 يونيو 1953 للموافقة على الدستور الجديد ( )، وانتخابه رئيساً للجمهورية بطريقة الاستفتاء، حيث انتخب بنسبة 99.9، وأقر الدستور بنفس النسبة، ثم شكل حكومة برئاسته في 15 يونيو 1953، ثم أبعد فوزي سلو عن الحكم، وشكل تنظيماً سياسياً سماه حركة التحرير العربي ليتخذ منه متكئاً لحكمه، في 30 يونيو 1953، وقد ضم كل مؤيديه، ثم أصدر مراسيم بمنع التجمعات العرقية والدينية، ومنع أفراد الجيش من الدخول في الأحزاب وكذلك الطلاب، وابتعد عن أصدقائه( ) في الجيش بسبب اهتماماته الأخرى، مما أسخط الجيش، خاصة بسبب عزل واعتقال عدد من الضباط ذوي الصلة بالسياسيين، وكان لذلك أثراً في انقلاب مصطفى حمدون الذي قام بانقلابه السلمي في 25 فبراير 1954، بعد أن اندلعت مظاهرات في الحرم الجامعي، فانتهك حرمته الجيش( )، وآذى الطلاب والأساتذة، مما أدى لاستقالتهم، ثم مظاهرات حلب التي سقط على إثرها الكثير من الضحايا، رغم أنه كان باستطاعة الشيشكلي إنهاء التمرد، لكن تخوفه من تدخل العراق لصالح المتمردين، أو تدخل إسرائيل مستغلة الموقف، وتخوفه من انشقاق الجيش( )، كل ذلك جعله يؤثر الاستقالة وينسحب من البلاد إلى لبنان حيث لجأ إلى السفارة السعودية، لكن الجيش دعم رئيس البرلمان مأمون الكزبري ليكون رئيساً للجمهورية , كما ينص الدستور بذلك، لكن المعارضة رفضت ذلك فحل البرلمان، وأجمعت المعارضة على عودة الرئيس هاشم الأتاسي، واستقال الرئيس مأمون الكزبري، وأصبح الجيش كله كتلة متراصة وراء قائد الانقلاب الفعلي عدنان المالكي، فكان صمام أمان الجيش ومحور توازناته( )، وقد ساءت علاقته بالبعث بعد سقوط أخيه في انتخابات 1954، حيث اعتبر أن البعث هو المسؤول عن سقوطه، فأخذ يبعد بعض البعثيين عن مراكزهم في الجيش، ويضع معارضين لهم، لكن البعث استغل مقتله وصور أن الخونة أرادوا النيل من البعث في شخصية المالكي ، رغم أنه لم يكن بعثياً ولم يعمل لصالح البعث، لكن البعث عمل على تصفية خصومه طريقاً لوصوله إلى السلطة فكونوا -من خلال الحوراني- كتلة عسكرية تخلصوا خلالها من قادة الانقلاب مثل قائد منطقة حلب العقيد فيصل الأتاسي ، و قائد منطقة الجنوب العقيد محمد القباني ، والمقدم محمد دياب وغيرهم( ).
وبعد اغتيال المالكي في 22 إبريل 1955 تفكك الجيش إلى 20 كتلة عسكرية، كل واحدة منها لها زعيمها، وكل واحد منهم يتوقع أن تجرى استشارته قبل أي قرار( )، وهذا مما أفسح المجال للتدخلات المصرية في سوريا بشكل أساسي، إضافة للتدخلات الأخرى، وجرى بعد ذلك توزيع الأدوار على العسكريين والمدنيين، ثم أشاع الحوراني لحلفائه العسكر، أن الاتحاد مع مصر سيكون الضمانة ليتخلصوا من السياسيين المدنيين، وسيتيح لهم الرئيس المصري جمال عبدالناصر تشكيل لجنة قيادة ثورة سوري على غرار المصري، لذلك تشجعوا للذهاب إلى القاهرة في 12 يناير عام 1958 بقيادة قائد الأركان عفيف البرزي، تاركين وراءهم نائب قائد الأركان أمين النفوري، ورئيس المكتب الثاني عبدالحميد السراج، حيث كانوا قبل ذلك قد شكلوا مجلس قيادة ثورة برئاسة عفيف البرزي وكان يجتمع معهم الملحق العسكري المصري عبدالمحسن أبو النور، وبعد اجتماع الضباط الـ 14 في مصر مع جمال عبدالناصر قال أحدهم وهو أمين الحافظ معبراً عن
رأي الضباط : " إننا نضع أنفسنا تحت تصرفك يا سيادة الرئيس، ولك أن تتصرف بنا كما تشاء، وإن بامكانك أن تجري كل التنقلات التي تريدها في صفوفنا من فيق إلى أسوان، وإن الاستعمار أقام جداراً بيننا وقد جئنا لنهدم هذا الجدار"( ).
وعلى إثر ذلك تشكلت لجنة عسكرية سورية مصرية برئاسة عفيف البرزي عن الجانب السوري، وعبداللطيف البغدادي عن الجانب المصري، وأكد زعيم البعث ومنظره ميشيل عفلق على دور البعث في هذا الانقلاب بقوله: " الحزب بالدرجة الأولى عمل الوحدة،والعنصر العسكري نحن وجهناه "( ) وكان عبدالحميد السراج قد زار قبل ذلك مصر عدة مرات والتقى بعبدالناصر بحجة إطلاعه على الأوضاع في سوريا( )، وهكذا تغلغل حلفاء القيادة المصرية في الحياة السورية بشكل كبير، وأصبحت الساحة للبعث بعد القضاء على الحزب القومي السوري في سوريا( )، ولا أدل على التدخل المصري في سوريا أن الرئيس شكري القوتلي مع قائد الأركان توفيق نظام الدين لم يستطيعا إجراء التنقلات في الجيش، فكان تدخل مصر في العصيان -عصيان قطنا- بشكل كبير، لوقف هذه التنقلات، كما أصبح الحوراني يسخر حكومة صبري العسلي عام 1956 لصالح البعث من خلال حلفائه في الجيش، فصار يغلق ما يريد من صحف، ويسرح من يشاء من الضباط الغير موالين له، وصار أعضاء حزبه يشتبكون مع الأحزاب الأخرى بدعم الجيش( )، وهذا ما يؤكده اللواء راشد الكيلاني بقوله:
" عاد ضباط الجيش المسيسون مرة أخرى إلى التدخل في الحياة السياسية بشكل فاضح، بحيث أصبحت حفنة من الضباط المسيطرين على السلاح يعملون للوصول إلى القيادات التي يريدونها، ويعلنون عن مواقفهم السياسية بشكل سافر، ويسعون إلى التأثير على الحكومات بين حين وآخر، وفي نفس الوقت كان السياسيون يستغلون بعض هؤلاء الضباط لتقوية مواقفهم، وبقيت الأمور تسير على هذا الشكل حتى وقت قيام الوحدة مع مصر، وذلك لسيطرة الجيش ولعدم وجود شخص قوي فيه يملي رأيه على الساسة، بل كانت هناك مجموعات من الضباط لكل منها ارتباطاتها السياسية مع إحدى الفئات، وكان هؤلاء يستطيعون في كل وقت، التهديد بانقلاب يطيح بالوضع القائم"( ).
وزاد من تقسيم الجيش إضافة إلى تقسيمه أن الحوراني عمل على تجميع من أسماهم بالضباط التقدميين (اليساريين)، واتهام الآخرين (اليمينيين) بالرجعيين( ) ، وبالتالي العمل على التخلص منهم بتعاونه مع السراج، فتخلص من شوكت شقير، ثم توفيق نظام الدين وغيرهم ، ولإحكام السيطرة المصرية المبطنة، كان السفير المصري محمود رياض على اتصال بكل قادة الكتل العسكرية المتنافرة بعد اغتيال المالكي( )، فعلى سبيل المثال هدد كل من السراج والبرزي عام 1956 حكومة صبري العسلي بضرورة التوقيع على الميثاق المصري السعودي المشترك، وإلا فإنهم سيقومون بانقلاب( )، وشجعت مصر ذلك، وكان الحوراني قد هدد بضرب أنابيب النفط للشركة البريطانية العراقية لو تعرضت مصر للعدوان الثلاثي وذلك قبل العدوان بأيام قليلة( )، وبالفعل قام السراج بضربها ومهد هذا العمل لقيام مجلس قيادة عسكري جديد ( )عام (1957) برئاسة عفيف البرزي يضم قادة الكتل العسكرية، وكان له الدور الأكبر في الضغط على الرئيس شكري القوتلي بقبول الوحدة مع مصر بدون أي شروط، كما كان هذا المجلس قد حدد أهدافه بحماية استقلال سوريا, والمقصود بذلك عزلها عن العراق والحيلولة دون انضمامها للأحلاف العسكرية وخاصة حلف بغداد، ومراقبة تصرفات الحكومة، وأصبحت قرارات حكومة صبري العسلي عام 1957 متأثرة بهذا المجلس، فالوحدة مع مصر بهذا الشكل لم يكن يرضى بها أياً من السياسيين أو الأحزاب، لكن التنافر في الجيش الذي لم يكن فيه سوى ضابطين مواليين للبعث من قادة الكتل( )، هو الذي جعل الوحدة مع مصر بهذه السهولة، وبعد الوحدة عمل جمال عبدالناصر على حل الأحزاب، وإبعاد الجيش عن السياسة، وتفكيك المجلس العسكري السوري( )، وتقريبه للبعض على حساب الآخرين والتمييز بين الضباط المصريين والسوريين خلال حكم الوحدة لصالح المصريين ، ولم يقتصر ذلك على الضباط بل تعداهم إلى المدنيين، فأعطوا مناصب أقل من المصريين( ) ، وأخذ بعض الضباط المصريين يمارسون أوامرهم كما لو كانوا محتلين ، إضافة إلى فضائح الاختلاس والتهريب خاصة من عبدالحكيم عامر الذي عين نائباً لعبدالناصر في سوريا، ثم حدث الصراع بين وزير الداخلية عبدالحميد السراج ونائب عبدالناصر في سوريا عبدالحكيم عامر( )، مما حذا بعبدالناصر إلى نقل السراج إلى مصر وإعطائه منصب نائباً له، وإعطاء صلاحياته لعبدالحكيم عامر، فبدأ بعملية تطهير ما تركه السراج فأمر بنقل عدداً من مؤيدي السراج إلى مصر وتسريح بعضهم، مما حذا بالسراج إلى الاستقالة في 20 سبتمبر 1961، وبسبب ما أحسه العسكريون من جور نظام الوحدة على الشعب السوري، واضطلاع كاتم أسرار المشير عبدالحكيم عامر المقدم عبدالكريم النحلاوي عن نية القيادة المصرية تسريح عدداً من الضباط السوريين ونقل آخرين إلى مصر( ) ، وكان منهم عبدالكريم النحلاوي، وكان النحلاوي يقود تكتلاً عسكرياً دمشقياً، ويخطط لانقلابه منذ ثلاثة أشهر، وقام به بالفعل في 28 سبتمبر 1961، ولم يلق الانقلاب مقاومة تذكر فقد حدث تمردين في حلب واللاذقية لكن أجهضا على الفور( )، ثم عمل النحلاوي على تسريح 120 ضابطاً من الجيش من جماعة الحوراني ، ونقل 160 آخرين إلى مناصب مدنية وكان من الذين سرحهم، صلاح جديد، وحافظ الأسد، وأعاد الحكم للمدنيين، ورغم تعيينه للواء عبدالكريم زهر الدين قائداً للأركان إنه ظل مسيطراً على الجيش، ومدافعاً عن النظام، وقد لاقى انقلابه تأييد معظم ضباط الجيش والسياسيين مثل (شكري القوتلي، خالد العظم، أكرم الحوراني، سلطان الأطرش، صبري العسلي)، وقد أرسل النحلاوي وفداً عسكرياً إلى مصر لإعادة الوحدة معها على أسس صحيحة، ثم اعتقل كل من حيدر الكزبري، وفيصل سري الدين، ورئيس المكتب الثاني العقيد محمد الزعبلاوي، بتهمة أخذ رشوة من الملك حسين وأبعدهم عن الحكم، وشكل مجلس الأمن القومي، لكن مقررات مؤتمر حمص أبعدته إلى خارج البلاد كملحق عسكري في الخارج، بعد أن خانه عبدالكريم زهر الدين، حيث أكمل ما بدأه عبدالكريم النحلاوي، وكان من أسباب عدم الاستقرار خلال فترة الانفصال عن مصر، أن ضباط الانفصال لم يكونوا على وفاق مع بعضهم، وهكذا كان المجلس القومي الذي يرأسه الرئيس ناظم القدسي يجعل للعسكريين رأياً في تقرير قرارات الحكومة باعتبار أن هذا المجلس يجمع قادة النظام المدني وقادة الجيش.
وقد حاول قائد قوات الجبهة العميد زياد الحريري، أن يكسب ثقة الرئيس ناظم القدسي لتعيينه مكان قائد الأركان عبدالكريم زهر الدين، لكن الرئيس رفض ذلك مما حذا بزياد الحريري إلى التواطؤ مع رئيس المكتب الثاني راشد قطيني الذي عينه عبدالكريم زهر الدين قبل أسبوعين، بعد أن كان ملحقاً عسكرياً في الأردن، وقام بانقلابه مع بعض الضباط في 8 مارس 1963، ومما يدل على تواطؤ عبدالكريم زهر الدين في الانقلاب أنه ادعى أنه لم يسمع بالانقلاب إلا بعد وقوعه بفترة طويلة ثم عمل قادة الانقلاب على إعادة من سرحهم الحوراني ومنهم صلاح جديد وحافظ الأسد، إلى الجيش بحجة أن تسريحهم كان خطأ، ثم عملوا على تسريح 500 ضابطاً معظمهم من التيار اليميني ومن المسلمين السنة، ومن أهم كوادر الجيش المدربة والمحترفة وأحلوا محلهم صف ضباب من معلمين وموظفين، وحجتهم في ذلك على أساس أنهم برجوازيين، أو انفصاليين أو رجعيين .... الخ وهذا ما أكده رئيس مجلس قيادة الثورة الرئيس لؤي الأتاسي بقوله :
" حتى الآن صار عندي 300 ضابط مسرح من مختلف الرتب، وماشيين بالتسريح، وأي إنسان لو أشك أنه ممكن ألا يمشي مع الاتجاه، على طول يخرج"( ), وطالت عمليات تسريح ضباط الأمن وطلاب الكلية العسكرية، حتى أنه صرفت دورة بكاملها بحجة أن طلابها انفصاليون، وكان مجلس قيادة الثورة قد أعطى لنفسه جميع السلطات، وحق تصفية الجيش وحله، فجاء في المادة الثامنة من هذا المرسوم : " لمجلس قيادة الثورة مناقشة وإقرار تسليم الجيش العامل والاحتياطي، وتكوينه وتخفيضه، وحله بناءاً على اقتراح مجلس الدفاع ", يرى الحوراني أن الهدف من هذا إشعار الولايات المتحدة أن إتمام مشروع نهر الأردن لن يلاقي أي صعوبة أو تدخل من جانب الجيش السوري الذي سوف يصفى.
وسبب اختلاف الضباط الناصريين المؤيدين للوحدة مع مصر والضباط البعثيين، حدث الصدام بينهما في 18 يونيو 1963 بقيادة جاسم علوان، وكان اختلافهم على مناصب الحكومة، ومقاعد (حقائب) الوزارات( )، وبعد فشل الانقلاب عملت اللجنة العسكرية البعثية على تسريح 47 ضابطاً ناصرياً ، وبسبب ذلك استقال وزير الدفاع الفريق محمد الصوفي، ورئيس المكتب الثاني الفريق راشد قطيني، ثم تم تسريح قائد الأركان الفريق زياد الحريري، وبسبب احتجاج الفريق لؤي الأتاسي، على عمليات الإعدام، قام نائب الرئيس لؤي الأتاسي بانقلابه ضده، وتسلم صلاح جديد قيادة الأركان، وبدأ في التدخل في عمليات التسريح والتنقل على أسس شخصية وطائفية، يؤيده بذلك أعضاء اللجنة العسكرية، ومعظمها من الأقليات الطائفية، مما حذا بالقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في 22 يناير 1965 إلى انتخاب المكتب العسكري بديلاً للجنة العسكرية، لكن هذا المكتب سيطر على القيادة القطرية نفسها من خلال أمين الحافظ ، وحمد عبيد، وصلاح جديد..، وظل تركيز النظام منصباً على تعزيز وضعه الداخلي أكثر من التركيزعلى التهديد الخارجي والرقي الاقتصادي، وما يدل على أن الجيش كان المسيطر على الحكومة، أن العقيد محمد عمران عرضت عليه رئاسة الحكومة لكنه رفضها، واعتبرها مقدمة لخروجه من السلطة( ) لكنه قبل أن يكون نائباً لرئيس الحكومة، فالحكومة أصبحت خاضعة للسيطرة العسكرية ومندمجة فيها، وذلك حسب توصيات المؤتمر السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1963 الذي قرر ما يلي: "دمج المؤسسات المدنية مع العسكرية لخلق تفاعل أيديولوجي ينتج وحدة في التفكير، ومجابهة مشتركة، وعملية متكاملة لقضايا البناء الاشتراكي، تمنع التقوقع العسكري، وتصهير الجيش والشعب في مصير ثوري مشترك، وإن هذا الجيش هو جيش عقائدي هدفه تحقيق أهداف الأمة العربية من خلال مبادئ وأهداف حزب البعث العربي الاشتراكي، فمسؤوليته هي حماية البلاد من العدوان الخارجي وحماية الثورة من أعدائها، والحزب يغزي الجيش بالروح العقائدية، ويوجهه توجيهاً يتلاءم مع اتجاهات الحزب وخططه"( )


وعلى إثر التوجه الطائفي في الجيش من قبل وزير الدفاع محمد عمران، عمل الرئيس أمين الحافظ على إبعاد محمد عمران كملحق عسكري في الخارج( )، مما حذا بصلاح جديد إلى استقطاب الأقليات الأخرى تمهيداً لانقلابه على أمين الحافظ، ومنهم سليم حاطوم، وحمد عبيد، وفهد الشاعر، وأحمد المير، عبدالكريم الجندي، مع تسريح الضباط السنة، وبسبب ذلك عملت القيادة القومية على تحجيم دور صلاح جديد بسبب توجهاته الطائفية وقررت استلام السلطة في 19 ديسمبر 1965، وحلت القيادة القطرية الموالية لصلاح جديد، ونددت بالطائفية في الحياة العسكرية، وشكلت حكومة في 22 ديسمبر 1966 برئاسة صلاح البيطار، وعمل الرئيس أمين الحافظ على تحجيم الدور الطائفي في الجيش بالنسبة للموالين لصلاح جديد، مما حذا بصلاح جديد إلى القيام بانقلابه، ولإخفاء حقيقة الانقلاب الطائفي، عمد صلاح جديد إلى تعيين نورالدين الأتاسي رئيساً للجمهورية، ويوسف زعين رئيساً للحكومة، لكنه أعطى المراكز الرئيسية في الجيش لطائفته، ثم عمل على إبعاد مؤيدي الرئيس أمين الحافظ من السنة، وبعد ذلك عمد إلى تصفية الضباط الدروز والإسماعيلية، ثم إبعاد ما تبقى من السنة بعد انقلاب أحمد سوداني الذي كان قائداً للأركان، وبسبب ذلك حدث الخلاف بين صلاح جديد ووزير الدفاع اللواء حافظ الأسد الذي ابتدأ بعد هزيمة يونيو 1967، حيث كان صلاح جديد قد عينه وزيراً للدفاع بعد انقلاب 23 فبراير 1966 ( )، وكان من أسباب الخلاف هو بسبب وضع الفلسطينيين تحت إمرة الجيش السوري,حتى لا تهاجم إسرائيل المواقع السورية بسببهم، وأيضاً من أسباب الخلاف أن صلاح جديد ينتمي للتيار اليساري المتطرف، أما حافظ الأسد فيميني( )، وبعد انقلاب حافظ الأسد وصيرورته رئيساً للجمهورية، اعتقل جميع مؤيدي صلاح جديد، وعمل على فرض إرادته على الآخرين.
وحول هزيمة 1967، أكد أرييل شارون أن وجود الشخصية الانهزامية عند العرب هو الذي جعل إسرائيل تفوز في هذه الحرب، رغم ما يتسم الجندي العربي من صفات الشجاعة( ) ، وهذا ما فعله صلاح جديد الذي أفقد الجيش لتوازنه وأنهك الجيش بالتصفيات التي أحالت أكفأ الضباط إلى التقاعد، وحول الدولة إلى دولة مخابرات لأجل القمع الداخلي، وتجدر الإشارة هنا إلى القول أن صلاح جديد لم يكن أول من شكل تكتلاً طائفياً في الجيش إبان حكم البعث وبعد انقلابه، وإنما كانت هناك محاولات سبقته من قبل ضباط في الجيش مثل العقيد محمد ناصر، وأخيه غسان جديد الذي عمل على تحطيم الحزب القومي السوري بخيانته لمبادئ الحزب في قتل عدنان المالكي، ثم جاء محمد عمران إبان الوحدة ليقوم بنفس الدور لكن عبدالناصر نقله ونقل تكتله إلى مصر، وسجنوا إبان الانفصال 50 يوماً، وكان منهم صلاح جديد( )، كما كان العقيد محمد معروف يتآمر في لبنان مع جهات أجنبية على إسقاط الوحدة , وهذه الطبيعة الطائفية عند بعض هؤلاء العسكريين كانت بسبب انعزالهم ورغبتهم في الاستيلاء على السلطة منذ عام 1945، فكانوا على الدوام يشجعون أبناءهم على الدخول إلى المدارس العسكرية أو التطوع في الجيش كصف ضابط بالدرجة الأولى( )، وضباط إن استطاعوا ذلك فكانت استراتيجيتهم الوصول إلى السلطة من القاعدة من خلال السيطرة على قواعد الجيش بتطوعهم فيه كصف ضباط وجنود ، حتى أنهم كانوا خلال عهد الوحدة قد شكلوا نسبة تساوي 45% من صف الضباط في الجيش بالنسبة لمجموع صف الضباط بأجمعهم المتطوعين في الجيش، وهذه الإستراتيجية ساهمت بشكل كبير في وصولهم إلى السلطة عام 1966 على أساس جعل هؤلاء صف الضباط، كضباط بديلين ممن تم تسريحهم من ضباط الفئات الأخرى .

المبحث الثاني
التمايز الاجتماعي
1- الطائفية والعشائرية والإقليمية والعرقية.
2- العوامل الشخصية وخصوصية الشعب.
3- صراع الأجيال.
1- الطائفية والعشائرية والعرقية والإقليمية :
إن عوامل الطائفية والعرقية والعشائرية والإقليمية عوامل مترابطة بشكل كبير مع بعضها البعض، لأن الفرد قد ينتمي لطائفة ما في قبيلة ما في منطقة معينة، إضافة إلى انتمائه لإقليم معين، وقومية معينة، تختلف عن الآخرين، وقد يكون التلاحم الطائفي بين أفراد لا ينتمون لنفس العشيرة أو العرق أو الإقليم، وهكذا بالنسبة للعناصر الأخرى، ومعظم الأقليات الدينية في سوريا لها أقاليم خاصة بها وعشائر خاصة بها وأقاليم أو تجمعات خاصة بها، كما أن الأعراق المختلفة في سوريا معظمها توجد في أقاليم محددة، أو أماكن خاصة بهم، ويبين الجدول (1-3) ( ) نسبة الطوائف الدينية في سوريا :


الجدول (1-3)
يبين الطوائف الدينية والمذهبية في سوريا
الطائفـــــة النسبة المؤيدة لها
المسلمون السنة 75%
المسلمون الشيعة 1%
المسلمون الدروز 3%
المسلمون الإسماعيلية 1%
المسلمون العلويون 11%
المسيحيين 8.5%
اليهــــــود * 0.0005 %
النــــــور 0.0025 %

الجدول (2-3)
يبين الأعراق (القوميات) السورية
العــــرق النسبة المئوية
العــرب ** 78 %
الأكــراد 8.5%
الأرمــن 4%
التركمــان 3%
الشركــس أقل من 1%
كما يبين الجدول ( ) (2-3)، الأقليات العرقية في سوريا بالنسبة للأغلبية العربية، لكن معظم الأكراد والتركمان والشركس من المسلمون السنة، ومعظم أفراد الطائفة اليزيدية من الأكراد، أما الأرمن فكلهم مسيحيين.
وعلى هذا الأساس يشكل المسلمون السنة العرب حوالي 63% من مجموع الأقليات العرقية والدينية والطائفية مجتمعة، فالمجتمع السوري يتميز بظاهرة التجزؤ المجتمعي ( )، بسبب خصوصية تركيبته الجغرافية والبشرية وموقعه الجغرافي على البحر المتوسط، فهناك مجتمع الأرياف التابعة للمدينة، وأخرى لا تتبعها، وهناك أرياف متجانسة المذهب والدين وأخرى مختلفة، فالمجموعات السكانية في الأرياف الجبلية ذات الخصائص المذهبية غير السنية شكلت ممانعة لسلطة المدينة، مثل العلويين، والدروز، واليزيدية، الذين انعزلوا بأنفسهم في الجبال وفق عشائهم الخاصة بهم، ورغم اختلاف بيئإتهم عن البيئات السورية الأخرى، جغرافياً وبشرياً واجتماعياً، إلا أنهم لم ينعزلوا عن كيان الدولة بل اندمجوا فيه.
والجماعات الدينية في سوريا تشكل الإطار الاجتماعي الحقيقي، لأن الديانة ليست موقعاً روحياً فحسب، أو إقرار إيمان داخلي، وإنما هي أساس السلطة الاجتماعية التي تنظم معظم أفعال الحياة الاجتماعية، فهي المحور الذي تدور حوله معظم أفعال الحياة الاجتماعية، فالروابط القائمة، بين مختلف الطوائف الدينية في أرياف سوريا، قائمة على الشك والريبة والصراع بين جماعات سياسية حقيقية، وكل منها تحتفظ بقوة وإصرار على نمط عيشها وتنبذ نمط جارتها، لذلك كانت هذه الروابط بين الطوائف المختلفة ضعيفة جداً، والزيجات المختلطة نادرة، ولا يوجد توافق اجتماعي بينها، فالمذاهب كافة اتخذت مواقف صلبة من بعضها البعض، وكل منها يظهر عداءاً سافراً تجاه الآخر، في حين يزداد التضامن وثوقاً بين أعضاء الجماعة الواحدة، خاصة عندما تواجه تحديات من قبل طوائف أخرى، ويسود الجهل بين المذاهب المتجاورة مع الحذر والخوف والحسد والحقد والاحتقار أحياناً ( ) ، ولكن على عكس الحال في المدن السورية التي كان يسودها التسامح والإخاء بين جميع الطوائف والأديان والأعراق، حتى أن المقيم الأجنبي كان يفخر بأنه من أهل المدينة التي يقيم فيها، بسبب ما يلقاه من تسامح ومروءة وصدق المعاملة والعطف على الفقراء والمحتاجين، وهذا ما جعل سوريا على مر العصور ملجأً للمضطهدين سياسياً ودينياً من الأقاليم المجاورة( ) ، وعلى ذلك فكانت العزلة الجغرافية لبعض هذه الجماعات الدينية المهاجرة والأصلية، في ظل عدم وجود سلطة مركزية قوية، وضعف الاتصال فيما بينها وبين المناطق المدينية، والتسامح العرقي والديني تجاهها، عاملاً على عدم التمازج الثقافي والديني والعرقي( )، ومما ساهم في وجود الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية في سوريا عدة عوامل أهمها: ( )
1- انتشار الأديان التوحيدية الثلاث والمذاهب التي تفرعت عنها في سوريا.
2- الغزوات السكانية التي تعرضت لها من أكراد ومغول وتتار.
3- الخلافات القومية والعشايرية التي اتخذت طابعاً دينياً قومياً.
4- التدخلات الخارجية خلال وبعد سقوط الدولة العثمانية بداعي حماية الأقليات.
5- عقدة الأقليات التي أكدها جاك ويلرس والتي يقول بأنها: "حساسية مرضية تجعل أي تحرك لجالية مجاورة، تبدو وكأنها خطر محقق أو تحد لهذه الجالية، فتقوم بتوحيد كل مجموعة بالكامل، أمام أدنى هجوم أو تعدي يرتكب ضد أي من أعضائها " .
6- نمو الوعي الفوق وطني سواءاً كان عربياً، أم إسلامياً، أم طبيعياً ...... والولاءات تحت الوطنية أي الإقليمية من طائفية وعشائرية وإقليمية .... على حساب الولاء الوطني للدولة الوطنية، وذلك بعد الاستقلال.
7- اهتمام الطلاب منذ الاستقلال بالسياسة رغم عدم اكتمال وعيهم القومي والثقافي.
8- النزعة الإقليمية للأحزاب السياسية بغض النظر عن أيديولوجيتها السياسية، مثلاً كان معظم أعضاء الحزب الوطني ينتمون لدمشق، ومعظم أعضاء حزب الشعب ينتمون لحلب، ومعظم أعضاء حزب البعث ينتمون للأقليات ... الخ .
وهذه العوامل كانت استمراراً لمؤامرة تقسيم سوريا الطبيعية أي الهلال الخصيب بغرض إقامة دويلات عاجزة عن التطور على واقعها، واستغلال الأوضاع الطائفية والقبلية والعشائرية لإشعال حروب أهلية، كلما اقتضت الحاجة الاستعمارية ذلك، إضافة إلى الاهتمام الخاص بأوضاع الأقليات الدينية والطائفية وإشعارهم باستقلاليتهم عن الوطن الأم، وتشجيعهم لإقامة دول خاصة بهم، إضافة إلى تشجيع الخلافات الإقليمية، واختلاق نزاعات حدودية لتغذية الحقد الإقليمي، حتى يتعرف الشعب على حدود دولته التي رسمت له( ).
وستبين هذه ا لدراسة مدى تأثير كل طائفة أو عرق على الاستقرار السياسي خلال مدة الدراسة، مع تأكيد على الطوائف التي كانت أشد إثارة للنزعات الطائفية، لما لذلك من تأثير على عدم الاستقرار السياسي، وسيكون ترتيبها في هذه الدراسة بحسب أهميتها في إثارة عدم الاستقرار السياسي في سوريا.
1- المسلمون العلويون :
يعتقدون بإمامة الإمام علي بن أبي طالب "كرم الله وجهه"( )، وقد ظهروا في القرن العاشر الميلادي، وتبنوا بعض الطقوس الوثنية والمسيحية، ومعظمهم يتركز في تركيا فمنهم الأتراك أو الأكراد أو العرب، رغم أن أصولهم واحدة، ولكن اختلفت لغتهم باختلاف المناطق التي سكنوا فيها، وقد أحدثوا قلاقل كثيرة في تركيا في السنوات 1979، 1980، 1999،( ) ويصل عدد العلويين في تركيا حوالي سبعة ملايين حيث يتسمون بأسماء عديدة منها البكتاشية والقزل باش، وتعني الرأس الأحمر( ).
وتقول إحدى النظريات أنهم قد أتوا إلى سوريا واستقروا في جبال البهراء التي تقع شمال غرب سوريا، وانعزلوا فيها، وقد سماهم الفرنسيون بعد احتلالهم الساحل السوري، باسم العلويون( ) بعد أن كان اسمهم النصيرية ، ويتمركزون في محافظة اللاذقية، بأقضيتها الأربعة (اللاذقية، الحفة، جبلة، القرداحة)، ومحافظة طرطوس باقضيتها الخمسة (طرطوس، بانياس، الشيخ بدر (القدموس)، دريكيش، صافيتا)، ويتواجد قسم منهم في حماه (قضاء مصياف)، وفي بعض قرى حمص (قضاء تلكلخ)، حيث تشكل هذه الأقضية منطقة جغرافية متصلة ثلثي سكانها من العلويين ، حيث استقر قسماً منهم في إيران في خرسان وقسم آخر في تركيا، وقسم في سوريا، ومؤسس مذهبهم هو محمد بن نصير العبيدي النميري من بلاد فارس( ).
وقد كانت لهم علاقة مصاهرة مع الشيخ جنيد وهو الجد الأكبر للشاه الإيراني إسماعيل الصفوي، وعاش معهم فترة طويلة، لذلك كان ولاءهم للصفويين في حربهم ضد العثمانيين، مما حذا بالدولة العثمانية إلى اضطهادهم، وقد حاولت الدولة العثمانية، تسنينهم أي جعلهم سنيين لكنهم رفضوا ذلك، فلم تدخلهم الدولة العثمانية في نظام الملل ولم تعترف بهم كمسلمين أو من أهل الذمة، رغم اعترافها بالدروز والإسماعيلية واليزيدية، لكن تقول نظريات أخرى وترى نيفين مسعد أنهم اشتهروا بالتمرد والدعوات الانفصالية( )، وقد عملت السلطة عام 1973 على استصدار تصريح من 80 شيخ علوي يؤكدون فيها أنهم إحدى الفرق الإسلامية الشيعية، رغم أن بعض فقهاء المسلمين رفض هذه الطائفة واعتبرها غير مسلمة( )، لكن زعيم الشيعة في لبنان موسى الصدر أصدر فتوى تؤكد أنهم إحدى فرق الشيعة ، وقد قام أحد أبناءهم بثورة وهو الشيخ صالح العلي وهو شيخ علوي، فقد تمرد على الفرنسيين، ولكن تمرده كان قد تداخل مع عدائه للإسماعيليين الذين تحالفوا مع الفرنسيين ، وكانت قد أوكلت إليه متصرفية جبال (العلويين) من قبل الملك فيصل وقد دعمه في ثورته قائد ثورة الشمال إبراهيم هانو، واشتراك الكثير من السنة والشيعة والدروز( ) .
وانقسموا بحسب معتقداتهم إلى شمسية، وقمرية (كلازية)، ومرشدية ، ويرى البعض منهم أنهم جاؤوا من مصر عبر خمسة هجرات وأنهم من سلالة الإمام علي، وأنهم كانوا فقراء بسبب مناطقهم الجبلية الوعرة التي لا تسد حاجاتهم، وكان معظمها لزعمائهم، فكانوا حفاة عراة ينامون مع حيواناتهم في بيت واحد( ) ، ويتوزعون على أربعة قبائل رئيسية هي الكلبية، والخياطين، والحدادين، المتاورة( ).
وترتبط فرقتهم بالفرقة المفضلية التي تنتسب إلى المفضل بن عمر الجعفي تلميذ الإمام جعفر الصادق، فعندما بادت المفضلية ظهرت النصيرية بديلة لها ، كما ترتبط فرقتهم بالخطابية، ويقول في ذلك المفضل بن عمر الجعفي، "إن محمد بن نصير قد استنبط من علم أهل البيت واتفق على روايات الهفت والأظلة "( ) ، ويعتقدون أن من عرف الباطن سقط عنه الظاهر من الفرائض وغيرها .
وخلال العهد العثماني، وما قبله، عمدوا إلى غزو المناطق المحيطة بمناطقهم، والتي كانت أكثريتها مسيحيين، مما أضطر المسيحيين للهجرة منها ، وعمدت فرنسا عند إحتلالها لسوريا على إقامة الدولة العلوية وسمتها (دولة جبل العلويين) بمساحة قدرها 6500 كم2( )، لكن تخلوا عنها ورفضوها ووجدوا الاندماج بسوريا عام 1945 ، ويتميزون بالولاء المطلق لمشايخهم ولعائلاتهم وعشائرهم( ) ، وقد كان للتطور التعليمي الذي عظم بعد استقلال سوريا، الدور الأكبر لوصولهم للمدارس العسكرية ومن ثم إلى الجيش ومن ثم إلى السلطة، حيث يعتبرون من أكثر الطوائف التي إنضم أفرادها لجيش الشرق المختلط - الذي أسسته فرنسا زمن الانتداب- بالنسبة لعددها، وتميزوا خلال ذلك الجيش، وفي الحياة العامة , بمساندة بعضهم البعض ( ) وقد قامت إحدى طوائفهم بعصيان مسلح ضد الحكومة الوطنية في عهد الرئيس شكري القوتلي، تمثل بحركة سليمان المرشد الذي ادعى الألوهية ثم شكل عصابات أصبحت تقتل وتنهب وتستولي على أراضي الغير، ثم طالب الحكومة بعدة شروط لوقف عصيانه وهي:
(1) أن يكون في الحكومة السورية وزيراً علوياً.
(2) أن يكون محافظ اللاذقية علوياً.
(3) إطلاق سراح جماعته الذين اعتقلتهم الحكومة بسبب النهب والسلب والقتل، وهددوا إذا لم تفعل الحكومة ذلك سيسعون إلى الانفصال عن سوريا مرة أخرى، وكان المرشدية قبل ذلك قد هددوا في عام 1939، محافظ اللاذقية إحسان الجابري بالقتل، وقد انتهى التمرد باعتقال سليمان المرشد مع إثنين من أشقائه وإعدامهم في 17 ديسمبر 1946 في دمشق، وكان قد قتل زوجته قبل ذلك، وقد شجعه الفرنسيون إبان انتدابهم على سوريا، ولقبوه بالرب، وكانت فرنسا تسلح رجاله، وقد عمل أكرم الحوراني الذي كان ينادي بالإصلاح الزراعي، على استغلال فقرهم واستغلالهم عند ملاك الأراضي، من خلال مطالبته بالاستيلاء على أملاك ملاك الأراضي لتوزيعها عليهم، مما جعل له تياراً شعبياً وسطهم، حيث أعطيت لهم الكثير من الأراضي التي كانوا يشتغلون فيها وخاصة في منطقة الغاب( ).
وقد حاول بعض ضباطهم السيطرة على الحكم من خلال العقيد محمد ناصر( ) عام 1945، ثم حاول تكرارها عام 1950، مما أدى لمقتله على يد رجال المخابرات العسكرية (المكتب الثاني)، ثم شكل غسان جديد تكتلاً علوياً داخل الجيش( )، مما حذا بنائب قائد الأركان عدنان المالكي إلى نقله إلى دمشق مما سبب عداءاً كبيراً بينه وبين غسان جديد، لذلك عمل على التخلص منه ومن الحزب القومي السوري في نفس الوقت حيث كان غسان جديد وأخيه صلاح جديد، وبعض المؤيدين لهما قد انتسبوا لهذا الحزب رغم عدم طائفية الحزب، ولكن لمواجهة المد القومي السوري، حيث كانوا يراهنون على ضرب القومية السورية والعربية، وكان من أعضاء الحزب القومي السوري أيضاً أحد مؤيديهما وهو الرقيب يونس عبدالرحيم الذي قتل عدنان المالكي مع ثلاث عسكريين آخرين هم عبدالمنعم الدبوسي، وفؤاد جديد-شقيق صلاح جديد- وبديع مخلوف، وقد أعدموا جميعاً بعد محاكمتهم، كما تم قتل غسان جديد في لبنان على يد المخابرات العسكرية السورية، لكن بعد أن تسببوا في تحطيم الحزب القومي السوري في سوريا ولوحق أتباعه بسببهم، وهذا ما أكده فيما بعد عصام المحايري من أن بعض أعضاء الحزب قد خانوا مبادئه ونفذوا جريمتهم، ولا علاقة للحزب بذلك.
كما أنهم في ظل حكم الشيشكلي أثار المرشديه فتنة طائفية تمثلت بإدعاء ابن سليمان المرشد الألوهية مثل أبيه، مما حذا بقائد الشرطة العسكرية عبدالحق شحادة إلى قتله( )، فعندما سقط حكم الشيشكلي تخوف عبدالحق شحادة أن تفتح القضية، مما حذا به إلى الاتفاق مع قائد وحدات المدرعات حسين حدة، إلى رفض الاستسلام للمتمردين عقب استقالة الشيشكلي فأيدوا رئاسة مأمون الكزبري الذي كان رئيساً للبرلمان، وتعهد قائد الأركان شوكت شقير بدعم هذا الإجراء، لكن بعد رجوع الرئيس هاشم الأتاسي للرئاسة، فتحت القضية فعلاً، وحكم على عبدالحق شحادة بالإعدام في 11 نوفمبر 1954، لكنه فر خارج البلاد، وقد اجتمع بعد ذلك المرشديون بالابن الآخر لسليمان المرشد الذي ادعى أنه ورث الألوهية عن أخيه، عام 1957 حيث قال لهم: " إن موعد قيام دولتكم قد حان، وإن على الحكومة أن تضرب هؤلاء -الذين قتلوا أخاه- بيد من حديد، وإلا تطور الوضع بشكل خطير "( ) , وقد أثيرت هذه القضية في البرلمان، وأرسلت لجنة برلمانية للتقصي حول هذه الحركة الجديدة، فرأت أن المرشديون يفضلون أن يحكموا من قبل السلطات الإسرائيلية على أن يحكموا من قبل السلطات السورية، وقد أكد الرئيس أمين الحافظ في برنامج شاهد على العصر الذي تبثه قناة الجزيرة، أن محمد عمران قد رتب تكتلاً طائفياً في الجيش أيام الوحدة ثم أيام الانفصال ثم بعد استيلاء البعث على السلطة حيث عمل مع صلاح جديد على تسريح غير الموالين لهما وذلك على أسس طائفية دون أدنى مؤهلات لذلك( )، لكن بعد تكليف صلاح جديد بقيادة التكتل الطائفي في الجيش حيث عين قائداً للأركان بعد استبعاد زياد الحريري، وأخذ بعد ذلك يعمل من خلال تكتله الطائفي على إبعاد السنة عن المراكز الحساسة وخاصة التي قرب دمشق و يحل محلهم ضباط موالين له وخاصة من طائفته ، كما عمل على استبعاد السنة من دخول الكليات العسكرية والأجهزة الأمنية ، ، حتى وصل عدد الضباط السنة المسرحين إلى 700 ضابط خلال الفترة (1963 – 1966) ، واستولى محمد عمران على قيادة اللواء السبعين المدرع، كل هذا والرئيس أمين الحافظ لم يكن يدري بما كان يدور خلفه من وراء الكواليس، وعندما شعر بذلك، صرح الرئيس أمين الحافظ، "إن الصداقة والروابط الأخرى قوضت الانضباط العسكري بالقوات المسلحة " وقال ميشيل عفلق حول ذلك " بعض أصدقائنا في القوات المسلحة نزلوا إلى الشارع بأسلوب فاشستي وسيطروا على الحزب والأمة ".
ثم عمل محمد عمران الذي استلم وزارة الدفاع على إثارة التوجهات الطائفية، وأخذ ينشرها ودعى إلى التكتل مع الأقليات الدينية الأخرى مثل الدروز والإسماعيلية كونهم من أصول شيعية، فقال " إن الفاطمية يجب أن تأخذ دورها "، مما حذا بالرئيس أمين الحافظ لإبعاده إلى الخارج كملحق عسكري( ) ، وبسبب ذلك اندلعت المظاهرات في دمشق التي تدين هذا الحكم في 24 يناير 1965، فقمعها الجيش ودخلت الدبابات الجامع الأموي وقتلت 200 فرد، وقد أكد الرئيس أمين الحافظ أن سبب عزل قائد الأركان زياد الحريري بسبب تصريحه الذي قال فيه عقب انقلاب جاسم علوان وإعدام الـ 30 ضابطاً : " الوحدويون الدموين، البعثيون الدموين، وهم من جبل العلويون"( ) , كما أكد الرئيس أمين الحافظ، أن الأقليات من خلال صلاح جديد قد احتلوا نصف مقاعد مجلس قيادة الثورة عقب انقلاب جاسم علوان، وكانت وراءهم أياد أجنبية، أمريكية، وإسرائيلية، وفرنسية، وبريطانية، أما صلاح جديد فكانت وراءه الشيوعية،
كما أضربت جميع المدن السورية كلها في إبريل 1964 فقمعها الجيش وقتل من سكان حماه أربعين شخصاً، وهدم المسجد الذي أوى إليه المتظاهرون ، وعلى إثر ذلك استقالت حكومة صلاح البيطار، ولم تستطع حكومة سامي الجندي الاستمرار أكثر من يومين بسبب تدخل الجيش ضدها، وبذلك عملوا على العمل على تصديع شرعية الرئيس أمين الحافظ، واستفادوا من ذلك في القيام بانقلابهم في 23 فبراير 1966( )، ليصبح صلاح جديد الرئيس من وراء الكواليس، وليبعد عنه الشبهات حول ماهية الانقلاب الطائفي ، عين الدكتور نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية، والدكتور يوسف زعين رئيساً للحكومة، وظل هو ممسكاً بالجيش، وقد أكد ميشيل عفلق أن هذا الانقلاب كان سبباً رئيسياً في كارثة يونيو 1967( )، لذلك تهاوت شرعية نظامهم بعد سقوط الجولان، وقد تمثلت مسؤوليتهم عن ذلك في أنهم تبنوا مواقف متطرفة تجاه إسرائيل من خلال اختلاق صلاح جديد لأزمات ضد إسرائيل فنادى صلاح جديد بحرب تحرير شعبية طويلة الأمد ضد إسرائيل، رغم أن القوة الإسرائيلية تعادل 6 أضعاف القوة العسكرية السورية، وأخذ يقوم من خلال الفلسطينيين بعمليات تخريبية داخل إسرائيل عن طريق الأردن والجبهة السورية، وهذا ما أشعل الموقف وحرك حرب 1967، رغم محاولات الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك تسوية النزاع في 25 ديسمبر 1967، لكن جديد رفض ذلك( )، وبعد الهزيمة تخوف نظام الأتاسي/جديد من المساءلة أمام الجامعة العربية بسبب عدم اشتراكهم بحرب فعلية مع أنهم هم السبب في إشعال الموقف، فرفضوا حضور قمة الخرطوم في 29 أغسطس 1967، مما حذا بالجامعة العربية إلى حرمانهم من المساعدات الاقتصادية.
وبعد تصفية الضباط الدروز من قبل صلاح جديد عقب الانقلابات الدرزية الثلاث ( حمد عبيد، وفهد الشاعر، وسليم حاطوم)، تم تصفية الضباط الإسماعيلية، وأبرزهم رئيس المكتب الثاني عبدالكريم الجندي، وقائد قوات الجبهة، أحمد المير( )، ثم تم تصفية الضباط الحوارنة السنة، عقب الانقلاب الفاشل لأحمد سويداني، ومنهم موسى الزعبي، ومصطفى الحاج علي، بسبب تذمرهم من تسلط صلاح جديد .
وقد تعدت طائفية صلاح جديد المجال العسكري إلى المجال المدني، فبعد مرور سنة على انقلاب البعث العراقي في 8 فبراير 1963 أي في 8 فبراير 1964 والذي كان إحدى أسباب انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963، وبالتالي استيلاء البعث على السلطة إثر ذلك، نزل بعض المؤيدين لصلاح جديد من جبال العلويين إلى مدينة بانياس ذات الأغلبية السنية ، وأخذوا يهتفون "البعثية علوية"( ), فتصدى لهم أهل بانياس، وجرت معركة قتل فيها من الجانبين، وعندما انتشر النبأ في بعض القرى المحاذية تجمع جمهور كبير من عشائرهم وتوجهوا إلى مدينة بانياس لقمع الفتنة التي تسبب بها بعض الأفراد ، لكن تدخلت قوى الأمن وأرجعتهم إلى قراهم، وعلى إثر ذلك أضربت المدينة كلها، ولم تصدر السلطات أحكاماً على من قام بالفتنة، رغم أن المادة 15 من دستور حزب البعث العرب الاشتراكي تقول : "الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة في الدول العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة واحدة، وتكافح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية "( ) لكن لم يستطع الحزب إنهاء الفتنة الطائفية بين الطوائف المختلفة( ).
كما أن صلاح جديد جاء بزكي الأرسوزي –المعادي لمؤسس الحزب ميشيل عفلق، والذي نزح من لواء الإسكندرونة وكان قبل ذلك عضواً في عصبة العمل القومي قبل عام 1939، حيث اعتزل السياسة بعد ذلك-، وجعله الأب الروحي لحزب البعث العربي الاشتراكي( )، وعمل أيضاً على محاولة تقويض نظام البعث في العراق فدعم الأكراد ضد نظام أحمد حسن البكر، انطلاقاً من مقولة أن الأرض لا معنى لها مادام الحزب باقياً، والمقصود بالحزب هو حزب بعث صلاح جديد وليس بعث العراق، وقد تأكد ذلك عندما ضبطت الحكومة العراقية أسلحة وأموالاً من سوريا( ).
وبعد الحركة التصحيحية بقيادة وزير الدفاع حافظ الأسد في 16 نوفمبر 1970، وصيرورته رئيساً للجمهورية في 22 فبراير 1971 لم يرى أية معارضة من الجيش أو الحزب أو مجلس الشعب ، بل على العكس تماماً فقد تم تأييده من جميع فئات الشعب لما قدمه من تصحيح للوضع الطائفي الذي سبق عهده ( )
(2) المسلمون السنة :
وهم غالبية الشعب السوري، ويتوزعون على مذاهب السنة الأربعة وللصوفية ( ) مكانة خاصة عندهم، كما أنهم يقدرون علماءهم، ومرتكب المنكرات مكروه ومنبوذ عندهم، وتسودهم روح العطف ( ) على الغريب ويؤثرونه على الأهل والولد، وأكثرهم من العرب، ولا يستطيع المرء التفريق بين المسلم العربي والمسلم من الأعراق الأخرى، كونهم متمازجين مع بعضهم بشكل كبير، حتى أن الكثير من أهل الأعراق الأخرى ذابوا بهم، وظل القليل منهم محافظاً على ثقافته الخاصة به، وقبل تدخل حزب البعث بشكل كبير في الحياة السياسية السورية-بعد سقوط الرئيس أديب الشيشكلي عام 1954- لم تكن هناك أية تفرقة بين الأعراق، فكان منهم الزعماء مثل حسني الزعيم وحسني البرازي، وفوزي سلو وتوفيق نظام الدين وأديب الشيشكلي وغيرهم من الأكراد، أيضاً كان هناك من أصول تركية أمثال سامي الحناوي وخالد العظم، وبشير العظمة، ولكن التشدد في مفهوم القومية التي اتبعها حزب البعث( )، لم يكن مقبولاً عند الشعب السوري لأن هناك قوميات أخرى غير العربية تشكل النسيج السوري المترابط، فالاعتدال بها دون التفريط في خصوصيات الأقليات أو إلغاء التمايزات ، ضروري لأن التشدد والتفريط بخصوصياتها سيدفعها لرد فعل للحفاظ على تراثها اللغوي أو العرقي ، فالخصم الأول للجميع هو التخلف، وليس شيئاً آخر، لأن هذه الأقليات من الممكن أن تثري المجتمع بالكفاءات الرائعة كما كان ذلك في الماضي، وقد أكد الرئيس شكري القوتلي على ضرورة نبذ أي خلافات طائفية أو عرقية حيث قال في خطاب الاستقلال في 17 إبريل 1946:" نحن أمة واحدة لا أقليات ولا أكثريات بيننا"( ), كما أكدت جميع الدساتير السورية أن يكون رئيس الدولة مسلماً بغض النظر عن عرقه، وهذا حق للأكثرية ، وموجود في كل دول العالم الديمقراطية و غير الديموقراطية , فالعرف البريطاني مثلاً يفرض أن يكون رئيس الوزراء بروتستانياً بالرغم من وجود أقليات كاثوليكية، والعكس في فرنسا فالعرف يفرض أن يكون رئيس الجمهورية كاثوليكياً، بالرغم من وجود أقليات بروتستانية، وهذا ينطبق على جميع دول أوربا، وبالنسبة للولايات المتحدة فرغم وجود أقلية كاثوليكية تشكل الربع، إلا أنه لم يحكمها خلال أكثر من مائتي سنة أي رئيس كاثوليكي سوى الرئيس جون كينيدي الذي قتل قبل أن يكمل مدة رئاسته، أي أن وجوده كان شاذاً , لكن ظهر بعض المتشددين قليلاً، الذين رؤوا في ضرورة ارتداء الطالبات للحجاب ومنع الطلاب من الذهاب لدور السينما وغير ذلك، حيث طالب بذلك بعض النواب من التيار الإسلامي في جلسة البرلمان في 24 يوليو 1950، فرد عليهم وزير المعارف (التربية) بأن قوانين الدولة لا تسمح بذلك، ثم طالب النواب بإلغاء حق المرأة بالانتخابات، وأيدهم بذلك عدة أحزاب سياسية غير التيار الديني( ).
وقد أغضب الرئيس حسني الزعيم ، التيار الإسلامي والقومي، عندما عمد إلى تشجيع السفور واستولى على الأوقاف وجعلها ملكاً للدولة، وأقتبس قوانين علمانية، واعتماده على الأقليات الكردية والشركسية في مراكز حساسة في الجيش وتركه الضباط العرب في الجبهة، وخاصة بعد تعيينه لمحسن البرازي رئيساً للوزراء، وهو من أصول كردية( )، فأصبحت الصحف القومية والإسلامية تهاجمه وتنعت سوريا بـ الجمهورية الكردية العسكرية، كما أنه أسخط الشعب بسبب عدم اهتمامه بلواء الإسكندرونة، واستدعائه لقائد أركان الجيش التركي السابق (الجنرال أوربان) لتنظيم الجيش السوري.
وقد كان الضباط السنة على الدوام قبل انقلاب صلاح جديد في 23 فبراير 1966، يشكلون معظم ضباط الجيش بأغلبية ساحقة( ) ، وهذا ما يفسر أن كل الانقلابات الناجحة وغير الناجحة ، وبسبب ما للدين من أثر على الشعب السوري، نص دستور عام 1950 في مادته الثالثة على ( ) :
1- دين رئيس الجمهورية الإسلام.
2- الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع.
(3) حرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية، وتكفل حرية القيام بشعائرها، على ألا يخل ذلك بالنظام العام.
(4) الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية، وتقرر أن يضاف في مقدمة الدستور النص التالي:
" ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام، فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا، ويعلن الشعب العربي عزمه على توطيد أواصر التعاون، بينه وبين شعوب العالم العربي والإسلامي، وبناء دولته الحديثة على أسس من الأخلاق القومية التي جاء بها الإسلام، والأديان السماوية الأخرى، وعلى مكافحة الإلحاد والتحلل الخلقي".
وقد وافق كافة رجال الدين من الأديان الثلاث والطوائف الإسلامية على ذلك، وقد عملت الكتلة الوطنية برئاسة الرئيس شكري القوتلي على تكريم كل من قاوم الانتداب الفرنسي فعلى سبيل المثال أقاموا في 25 إبريل 1945 حفلة كبرى على شرف الشيخ صالح العلي، وألقيت فيها القصائد المادحة، والخطب، وأطلقوا اسمه على عدد من شوارع المدن السورية، كما أبَّنه البرلمان( )، وفعلوا نفس الشيء بالنسبة لقائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، حيث عمل الرئيس شكري القوتلي على تكريمه بقصر في دمشق( )، كما ألغى القوتلي مخصصات الجمعية الغراء الإسلامية*، مما أثار أعضاءها لكن في ظل حكم الرئيس أديب الشيشكلي عمل على إتباع بعض الإجراءات التي استاءت منها الأقليات الدينية والعرقية الأخرى، رغم أنه كان يهدف بهذه الإجراءات لتحقيق الانسجام في المجتمع والقضاء على العصبيات الدينية والعرقية ومن هذه الإجراءات( ):
1- إلزام أصحاب المحلات العامة باستخدام اللغة العربية في اللافتات.
2- إلزام رجال الدين على مختلف المذاهب والأديان باستخدام اللغة العربية في الأعياد.
3- اشتراطه على جميع المؤسسات الرياضية بتخصيص نصف المقاعد للسنة بشكل دائم.
وقد عمل نظام القوتلي على تشجيع الفلاحين الدروز على تولي المناصب السياسية عام 1945 في جبل الدروز (العرب) ، وعدم استئثارها على عائلة آل الأطرش، مما كان له آثاراً سيئة على ولاء آل الأطرش له، فدفعهم هذا إلى تأييد حسني الزعيم في انقلابه، بنتيجة ما خسروه من نفوذ كانوا يتمتعون به في الجبل، قبل أن يثور الفلاحون (بثورة الشعبيين) ضدهم( ) ، ولم يكن نظام القوتلي يقصد من وراء ذلك سواء إتاحة الفرصة للأكثرية لتشارك في الحياة السياسية، وفي عهد الشيشكلي إبان ضرب جبل العرب ومقتل 66 شخصاً كان الضباط الحمويون -الذين ينتمون لمدينة حماه وهي بلد الرئيس أديب الشيشكلي- قد وقعوا ضد ضرب جبل الدروز، وانتفض الإخوان المسلمين والشيوعيين والأحزاب الأخرى ضد نظام الشيشكلي بسبب ذلك( )، كما اندلعت المظاهرات في كل المدن السورية ضد ضرب الجبل، رغم أنه لم يكن لذلك الضرب أي مظهر طائفي، لكن الديكتاتورية العسكرية الحاكمة واجهت التمرد الدرزي وتوزيع المنشورات ضد حكمها بالعنف.
وفي انتخابات 1954 أعطت المناطق الإسلامية في دمشق أصواتها للدكتور عوض بركات المسيحي الأرثوذكسي، أكثر مما أعطته المناطق المسيحية( )، وتفسير ذلك أن دمشق لا تحب التعصب، فالمرء يمكن أن يكون مؤمناً دون التعصب، الذي يعطل وحدة الوطن ويجعل قيادته مهزوزة الوجود، ويعرض الوطن للأخطار، لذلك قاومت على الدوام المتعصبين وأبعدتهم، وحذت حذوها كل المدن السورية.
وقد كان الرئيس أديب الشيشكلي يرفض العنصرية والطائفية، فكان الجيش يضم كل العناصر والفئات حسب مؤهلاتهم، فكان فهمي سلطان وهو علوي مسؤولاً عن أسراب الطائرات في الجيش، وقد أوفده الشيشكلي مع فريد حيدر، وجميل شقير إلى الخارج، وكانوا من الأقليات، من أجل دورات عسكرية( )، كما كان قائد الأركان شوكت شقير درزياً، وقد ضم مجلس العقداء وهو بمثابة مجلس قيادة ثورة كل الفئات، فكان يضم [ (توفيق نظام الدين (كردي)، محمد ناصر (علوي)، أمين أبوعساف (درزي)، أحمد عبدالكريم عربي (سني) ] وقائد هذا المجلس هو الشيشكلي وهو سني من أصول كردية ، وكان يسعى لتقوية الجيش بتشجيع الانضمام إليه من جميع الفئات.
كما أن قائد المجلس الثوري الأعلى للجيش والقوات المسلحة المقدم عبدالكريم النحلاوي ، آثر إعطاء قيادة الأركان للواء الدرزي، عبدالكريم زهر الدين، وكان يستطيع أن يحتفظ لنفسه بها، أو يسلمها لغيره من أبناء الطائفة السنية( ).
وكما ذكر سابقاً فإن معظم الأكراد من السنة، حيث يتركزون على طول الحدود السورية التركية، وبعضهم يعيش في المدن السورية، دمشق، حلب، حماه ..... الخ لكنهم لا يمثلون وحدة اجتماعية واحدة( )، فمنهم الكرادغ الذين سكنوا سوريا منذ عدة قرون، ومنهم من سكن سوريا في العشرينات وما بعدها، في الجزيرة السورية، إثر الاضطهاد التركي لهم، لكن ضعف شأنهم في الجيش بعد سقوط الشيشكلي، مما حذا بهم إلى تأييد خالد بكداش في انتخابات 1954، بسبب التشدد في موضوع القومية الذي قاده البعث آنذاك، وقد عمل الرئيس ناظم القدسي على إسقاط الجنسية عن الذين هاجروا إلى سوريا إبان الوحدة مع مصر، كما عمل على تعريب المناطق التي سكنوها، مما أثارهم وقد أنشأ الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) في أغسطس 1957، وبما أنه لم يكن له تأثير يذكر على الحياة السياسية في سوريا، لذلك أدرجه الباحث في حقل الصراع الاجتماعي( )، وقد برز منهم قادة عظام أمثال قائد ثورة الشمال إبراهيم هنانو، ووزير دفاع الملك فيصل وهو الشهيد يوسف العظمة، وكان لهم دور كبير في مقاومة الانتداب الفرنسي، كما أنهم انخرطوا في المقاومة المسلحة عندما تهددت أرض الوطن عام 1957، وحزبهم ذو تيارين تيار متشدد يدعي أن أصولهم من سوريا وأنها أرضهم التاريخية، ويرون توحيد كردستان الكبرى، وتيار معتدل يرى أنهم أقلية مهاجرة، وهو يسعى لإصلاح شأنهم، وقد رفضوا فصل الجزيرة السورية عن الوطن الأم، إبان الانتداب الفرنسي، لكن كان للوحدة مع مصر أثراً سيئاً على سوريا، فتشددها تجاه القومية العربية جعلهم ينادون بضرورة أن تكون لهم ثقافتهم الخاصة، وقد شجعتهم سلطة دولة الوحدة على ذلك، رغم اعتقالها بعضهم عام 1960، ثم تعرضوا للاضطهاد والاعتقال إبان حكم نور الدين الأتاسي عام 1968 بسبب مناداتهم بأن يكون لهم وضع خاص كونهم يحملون ثقافة خاصة، وقد طالب خالد بكداش وهو من أصول كردية بضرورة ذوبانهم بالجسم السوري، كما قال الزعيم الكردي لحزب العمال الكردستاني في تركيا عبدالله أوجلان "إن أكراد سوريا جاؤوا من الشمال وعليهم العودة إلى هناك من خلال حزبه"، كما أكد جلال طلباني أنه لا توجد مشكلة كردية في سوريا، وقد أكد عزيز الحاج أنه كان على مر العصور تعايش بينهم وبين العرب ، حتى أن كل زعيم كردي كان يفتخر بأنه من أصل عربي، ويحاول إرجاع أصله إلى سلالة الرسول أو أحد أصحابه( ) رغم أن المؤرخين إختلفوا حول أصولهم أهم آريين أم أتراك أم عرب، لكن يرجح البعض أنهم آريين نتجوا عن إختلاط قبائل راجوس مع القبائل الهندو أوربية( ).
وقد أساء نظام الوحدة بين سوريا ومصر للوحدة الوطنية في سوريا والعراق، حيث عمدت إذاعة صوت العرب على توجيه النداءات الكثيرة للأكراد، على أساس أنها المدافعة عنهم، مما حذا بهم إلى المطالبة بدولة كردية لهم، فتخوف عبدالكريم قاسم في العراق، وعمل لامتصاص نقمتهم على تأييد إقامة حكم ذاتي لهم، بسبب أن أكراد سوريا يميلون لأكراد العراق كونهم نفس الامتداد، وبذلك يتاح له فصل سوريا عن مصر وضمها للعراق، من خلال الأكراد أنفسهم( ) ، كونهم يتوزعون في عشائر مترابطة ومتصلة( )، وقد عمد نظام الوحدة على توزيع أسلحة عليهم في العراق من خلال مصطفى البرازني الذي كان يأتي سراً إلى سوريا، وكان قبل ذلك محسن البرازي الذي عمل على عرقلة بعض الحكومات إبان حكم القوتلي تمهيداً لانقلاب الزعيم*، وبالنسبة للتركمان فهم يشبهون الأتراك خلقة ولغة وعرقاً وقد نزحوا مع الشركس من القوقاز، بسبب الحرب العثمانية الروسية بين عامي (1877 – 1887) ( ) ، واشتغل أكثرهم بالتجارة في ظل الحكومات الوطنية، وتعرب أكثرهم، لكن الأتراك هم من بقايا العثمانيين، وتعرب أكثرهم أيضاً، وشغلوا مناصب مهمة منذ زمن العثمانيين، واستاؤوا كغيرهم لفصل لواء الإسكندرونة عن سوريا، ومنهم سامي الحناوي، خالد العظم، أسعد الكوراني، ولم يكن لهم أي تأثير سيء على الاستقرار السياسي في سوريا، والاختلاف بين التركمان والأتراك، أن الأتراك من أصول فارسية، أما التركمان فهم المغول المتتركين الذين أصبحوا أتراكاً وقد جاؤوا من قيرغستان وامتدوا إلى منشوريا والتركستان ومنغوليا، ومنهم السلاجقة والخوارزمية.
وعلى ذلك فتأثير التيار الديني للطائفة السنية -التي تشكل الأكثرية في النسيج السوري- لم يكن لها دور يذكر على عدم الاستقرار السياسي فحتى التيار الغير الإسلامي كان يرى أن الأخذ بالحضارة وسبل التطور لا يكون بنبذ الإسلام( )، ومثال على ذلك أن الحضارة اليابانية ازدهرت ووصلت إلى آخر ما توصل به العلم رغم أنها حافظت على تراثها الروحي، وهذا ما أكده مورو بيرجر في كتابه العالم العربي اليوم بقوله : " لقد ثبت تاريخياً إن قوة العرب تعني قوة الإسلام "( ).
كما أن التيار الإسلامي عني بشكل كبير بالعروبة، لكنه كان على الدوام يرى أن الفضل الأكبر للإسلام على العرب، كونه هو الذي صنع الأمة العربية جسماً وروحاً، فلولاه لبقي العرب قبائل جاهلية لا تعرف شيئاً عن الثقافة الإنسانية، كونهم كانوا معزولين في الصحراء، ولما كان التاريخ سجل لهم إلا سطوراً تافهة في زوايا مهجورة من صحائفه، فالعروبة ارتبطت بالإسلام بحضارة واحدة وتاريخ واحد، لأن الله قد اختار العرب ليحملوا رسالته، واختار لغتهم لتكون لسان الوحي الإلهي، وبها انتهت صلة الأرض بالسماء، وإن قيادة المسلمين لا تصلح لغير العرب سواءاً كانوا أصليين أو ممن تكلم العربية وفهمها وناصرها واقتنع بالعرب قادة للمسلمين ، مثل الإمام أبي حنيفة، وصلاح الدين الأيوبي، وسيبويه وغيرهم، لأن ينابيع الإسلام لا يمكن أن تكون صافية إذا لم يكن العرب قادة للمسلمين، ولن تكون هناك أية نهضة إسلامية إلا من خلال العرب ليؤدوا واجبهم ورسالتهم الكبرى ويستعيدوا مجدهم، وعلى ذلك يقول أحد المسيحيين وهو إسماعيل مظهر: " العربي النصراني، مسلم بصفاته العربية، والمسلم الهندي أو الفارسي عربي بما في الإسلام من روح العرب" ( ).
فالعرب وإن كانوا أقاموا الحضارات السامية *كلها ، إلا أنهم تعرضوا للاضطهاد والذل على أيدي الفرس والروم، وأبيدت حضاراتهم ولم يعيدها سوى الإسلام، ورسالتهم الخالدة تختلف عن رسائل الأمم الأخرى ومنها حراسة الفضائل ونشرها وتحطيم الرذائل وطي عارها، والإيمان بالله وقمع الإلحاد والعوج، وتسخير موارد الأمة لتحقيق هذه الأهداف، التي بموجبها سيحققون العدل والحرية، واليقين والتقوى، لأن طبيعة الأمة العربية ترفض التمزق، كما أن طبيعة رسالتها ترفض هذا التمزق، وبالنسبة للأقليات العرقية، فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وكذلك الأقليات الدينية شريطة احترام رأي الأكثرية، كما أن الإسلام يدعو للاشتراكية باعتبارها نظام صالح للمجتمع الإنساني بشرط حرية الفرد وكرامته الإنسانية، ويرفض حرب الطبقات، وعلى هذا الأساس فالقومية العربية المعتدلة لا تتعارض مع الإسلام، أما الدعاوى الإلحادية فستكون عامل عدم استقرار في المجتمع السوري كونها لا تتوافق مع طبيعته ، ولهذه الأسباب مجتمعة كانت الكثير من الانتفاضات السنية ضد علمانية نظام البعث في ظل تسلط صلاح جديد على المجتمع والجيش، وهذا ما أشعر الناس أن البعث يرفض في دستوره أن يعترف بأنه لولا الإسلام لما كان هناك اسم للعرب في التاريخ، كما أنه يرفض الاعتراف بالقوميات الأخرى في سوريا، وإضافة لذلك أنه منذ انقلاب عام 1963 ترافق مع الطائفية بكل المعاني في ظل تسلط صلاح جديد على المجتمع من خلال البعث، فكان سبباً في سقوط حكم الأكثرية لصالح الأقلية التي كان يمثلها صلاح جديد ، فسوريا لا تشكل بيئة لنمو الأفكار البعثية في ظل وجود تيار صلاح جديد لأنها مركز للحضارات الأموية والأيوبية والحمدانية وغيرها من الحضارات الإسلامية الأخرى، وفيها مراقد الكثير من الأنبياء والأئمة ، كما أن فيها تقاليد عربية أصلية مندمجة مع تقاليد تركية وكردية يسود فيها روح الولاء لشيخ القبيلة وأعرافها أو لوجيه المدينة أو الحي، أكثر من أي تنظيم آخر، فوجود تيار جديد البعثي في السلطة أو في الحياة السياسية كان عاملاً لعدم استقرار سياسي واجتماعي في سوريا.
3- الدروز:
ويدعون بالموحدين لإيمانهم بوحدانية الله، وظهر مذهبهم في القرن الحادي عشر للميلاد، ويعتبرون الحاكم بأمر الله وهو أحد خلفاء الدولة الفاطمية، أنه تجسيد للذات الإلهية( )، وأن اختفائه مؤقت، ويعتمدون مبدأ السرية في معتقداتهم، وقد انقسموا إلى عقال أي من اضطلع على أمور الدين منهم، وجهال الذين لم يضطلعوا على أمور الدين، ويعترفون بأصولهم الإسلامية، وكان لهم دور كبير في إثراء الأدب العربي، ويؤكد مؤسس مذهبهم حمزة بن علي أنهم ليسوا من الشيعة ولا ينتمون لها بأي صلة، كما يقول أحد زعمائهم وهو كمال جنبلاط: "إن الشريعة الدرزية مأخوذة من القرآن ومن ستة عشر كتاباً مخطوطاً، لا يسمح بالاضطلاع عليها... والدرزية تنهل تعاليمها من الفلسفة اليونانية خصوصاً الأفلاطونية القديمة والمسيحية والبوذية والفرعونية القديمة والإسلام ....... إن شيوخ الطائفة الدرزية كانوا يصلون في المساجد ويصومون ويحجون البيت، لكن هذه الفرائض جميعاً قد رفعت عنهم واستبدلت بها تكاليف أخرى ..... إن الدرزية مرت بالإسلام كمرحلة ثم تجاوزته وأصبحت ديانة مستقلة "( ),
وجاءوا سوريا من لبنان واستوطنوا في جبل حوران منذ 200 سنة، وأصولهم عربية خالصة من قبائل تنوخ أي المناذرة، ويعتقدون بالتناسخ، وخلال الدولة العثمانية أسسوا الدولة المعنية والدولة الشهابية، وتقوم سياستهم على موالاة حاكم الدولة التي هم فيها والخضوع له بشرط عدم تدخله في شؤونهم الداخلية أو أن يظلمهم، وإلا فيخرجون عليه، وتكون الصلة بينهم وبين رأس الدولة هو أمراؤهم ومشايخهم الذين يطيعونهم طاعة عمياء ( ) ، وبسبب عزلتهم حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم، وقد أصدر الجامع الأزهر الشريف فتوى في عام 1960بأنهم إحدى الفرق الإسلامية( ) ، كما أن الدولة العثمانية أدخلتهم ضمن نظام الملة باعتبارهم إحدى الفرق الإسلامية ، أيضا مؤسس دينهم حمزة بن علي قال في رسالة الغاية والنصيحة: " يجب عليكم أن تنظروا ما جاء في القرآن وتدبروا معاني حقائقه ", ولهم أيام خاصة يصومون فيها، كما أن لهم مجامع دينية تسمى "جمع"، يصلون فيها يوم الجمعة، لكنهم يعيدون مع المسلمين في العيد الأضحى، وينقسمون لعدة عشائر في سوريا وعددها (32) ويتواجدون في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، أما في سوريا فيتركزون في جبل العرب أي جبل حوران ويطلق عليه أحياناً جبل الدروز كما يتواجدون في الجبل الأعلى قرب حلب، إضافة لبعض الضواحي في دمشق، ويقول مؤسس دينهم حمزة بن علي: " إتبعوا كل أمة أقوى من أمتكم وحافظوا على داخل قلوبكم "( ) ويتميزون بترابطهم الاجتماعي القوى، وخاصيتهم العسكرية، مثل أمين أبو عساف وفضل الله أبو منصور، وشوكت شقير، وعبدالكريم زهر الدين، وحمد عبيد وسليم حاطوم، وفهد الشاعر، وزيد الأطرش، وكان قائد الثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش منهم، وكان عضواً في الكتلة الوطنية،( ) وقد أنتسب قسم منهم للأحزاب الراديكالية خاصة القومي السوري والبعث، وعمل صلاح جديد ( ) على استقطابهم لتنفيذ انقلابه الطائفي في فبراير 1966، رغم عدم إدراكهم لماهية هذا الانقلاب إلا بعد فوات الأوان، لذلك عملوا على التحالف مع القيادة القومية التي يمثلها الرئيس أمين الحافظ مرة أخرى لإسقاط حكم صلاح جديد، فكانت انقلاباتهم الثلاث ( حمد عبيد، فهد الشاعر، سلم حاطوم) ضد حكم صلاح جديد، لكن فشلت جميع هذه الانقلابات.
وبما أنهم يمتازون بالترابط العائلي ، فكان اعتقال أقارب سلطان الأطرش من قبل الشيشكلي في مدينة السويداء، قد أثارهم فعملوا لتخليص السجناء بالقوة، مما أدى إلى اصطدامهم مع قوى الأمن في ديسمبر 1953، فتدخل الجيش وقتل منهم حوالي 66 فرداً، ولجأ سلطان الأطرش للأردن( )، لذلك عمل دروز لبنان على التحالف مع قوى المعارضة السورية لإسقاط حكم الشيشكلي، وكان من أسباب معارضتهم للشيشكلي هو الخطأ الذي ارتكب حول عدد الطوائف في سوريا، فجعلت نسبتهم أقل من النسبة الحقيقية مما كان له تأثير سيء عليهم( )، وكانت انتفاضة فلاحيهم ضد آل الأطرش بسبب سيطرة آل الأطرش على المناصب السياسية في جبل العرب ودعم نظام القوتلي لها، مما حذا بآل الأطرش إلى دعم انقلاب حسني الزعيم عام 1949( ).
وما تزال نزعة الثأر متأصلة في نفوسهم كونهم قبائل عربية محافظة على عاداتها وتقاليدها، وهذا ما حذا برئيس الحرس القومي حمد عبيد إلى المشاركة مع عزت جديد في قمع عصيان حماه عام 1964( )، انتقاماً لحادثة جبل العرب التي اشترك فيها ضباط حمويون، ولكن كان هناك بعض المتعصبين من الدروز الذين عملوا عام 1955 على إنشاء ما سمي "بمنظمة الدروز الأحرار" ( )، لكن سلطان الأطرش انتقدها وعمل على تفكيكها من خلال أمراء ومشايخ الدروز كونهم يؤمنون بوحدة سوريا وبالوحدة العربية وبالاعتزاز بالإسلام وهذا ما أكده أمرائهم مثل شكيب وعادل أرسلان وسلطان الأطرش، فكان رفضهم لفصل جبل العرب عن الوطن الأم في عهد الانتداب الفرنسي أكبر دليل على إخلاصهم للوطن .
وقبل سقوط حكم أمين الحافظ في فبراير 1966 تولوا مناصب رفيعة جداً، فعهد الأمير عادل أرسلان بتشكيل حكومة في عهد شكري القوتلي، كما وصل منهم لوزارة الدفاع كل من عبد الغفار الأطرش، وحمد عبيد، وإلى قيادة الأركان كل من شوكت شقير وعبدالكريم زهر الدين، وكان منهم أعضاء في مجلس العقداء في عهد الشيشكلي مثل شوكت شقير وأمين أبوعساف، وأعضاء في مجلس قيادة الثورة عام 1963 ومنهم شبلي العيسمي، كما وصل حمود الشوفي لرئاسة القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 1964، لكن تبقى النزعة الطائفية لها مجال خصب عندهم وهذا ما يفسر تدخلهم في النزاع الطائفي في لبنان، أعوام 1958- 1975- 1990( )، أيضاً اصطداماتهم مع البدو منذ الانتداب الفرنسي بسبب تدخلات السلطات الفرنسية في إثارة هذه النزاعات، كون تنظيماتهم وعلاقياتهم الاجتماعية وفق أعرافهم العشائرية مندمجة بالعلاقات العشائرية والدينية والشخصية( ).
(4) الإسماعيلية :
ظهر مذهبهم في القرن الثامن الميلادي، حيث لم يعترفوا بإمامة موسى الكاظم ابن جعفر الصادق وبذلك اختلفوا عن الشيعة الاثني عشرية، لذلك سموا بالشيعة، واهتموا بالرقم (7)، وقد تسموا بعدة تسميات منها الباطنية، والحرمية، الحشاشين، والقرامطة كانوا جزء منهم( )، ويدعون أن لكل شيء ظاهر وباطن، وقد صبغوا جميع الأديان والفلسفات بالصبغة الإسلامية على مذهبهم، مثل "رسائل إخوان الصفا وخلان الوفى"( )، وقد أسس مذهبهم عبدالله المهدي الذي أسس الدولة الفاطمية حيث انطلقت دعوته في منطقة سلمية، وهي من أقضية حماه، وقد امتدت دولتهم لتشمل كل شمال أفريقيا والجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق -عدا بغداد-، وانقسموا إلى نزارية في الشام وإيران، ومستعلية في مصر، وقد اضطهدهم السلاجقة والأيوبيون بسبب تحالفهم مع الصليبيين( )، وإمامهم الحالي هو كريم آغاخان الرابع*، لكن بعضهم لا يعترفون به على أساس أن الإمام مازال غائباً، وينتشرون في سوريا في السلمية والخوابي، والقدموس (الشيخ بدر)، ومصياف.
وقد عملوا على تقويض الدولة العباسية بدعايتهم ومن خلال منظماتهم السرية مستغلين الصراع الطبقي في المجتمع، كما يؤكد أحد دعاتهم وهو عارف تامر أنه كان لهم الدور الأكبر في تفتيت عرى العالم الإسلامي، كما أنهم تعاونوا مع الاستعمار وسهلوا له السيطرة على البلدان الإسلامية، ومعابدهم تسمى "جمعة خانا"، ويخضعون لشيخهم الأكبر الذي له وكلاء في كل منطقة، ولهم تنظيم خاص، ويتلون القرآن في مآتمهم، وكان لهم الدور الأكبر في سقوط بغداد بتحالفهم مع هولاكو حيث كان أحد وزرائه منهم وهو (نصير الدين الطوسي)، وكانوا على عداء دائم مع العلويين، وآخرها حربهم مع الشيخ صالح العلي، ورغم عدم وجود تأثير لهم في عدم الاستقرار السياسي بشكل كبير قبل انقلاب 8 مارس 1963، إلا أن سامي الجندي الذي كان من الوحدويين الناصريين، كانت له لقاءات مع النظام المصري لأجل إسقاط نظام ناظم القدسي، وإقامة تنظيمات سرية من أجل ذلك، كما أن منهم من كان ضمن اللجنة العسكرية البعثية، التي تشكلت في عهد الوحدة مثل عبدالكريم الجندي وأحمد المير، والتي اشتركت في انقلاب 8 مارس 1963 رغم أن تأثيرها كان طفيفاً، إلا أنها زادت أهميتها بعد فشل الانقلاب الناصري بقيادة جاسم علوان في 18 يوليو 1963 ‘إلا أنها لم تستطع الاستمرار أكثر من يومين بسبب أنه كان من الناصريين الذين أصبح لا تأثير لهم في الجيش، -بعد فشل انقلاب جاسم علوان-، ورغم الروح الوطنية التي تمتع بها إلا أنه لم يستطع تغيير شيء من الطائفية التي اعتنقها صلاح جديد في فبراير 1966، حيث اشترك في هذا الانقلاب أحمد المير وعبدالكريم الجندي، وبالنسبة لأحمد المير فقد عين قائداً لقوات الجبهة، وإبان حرب يونيو 1967 انسحب من القتال دون معارك تذكر تاركاً الأسلحة كما هي، حيث استولت عليها إسرائيل بعد احتلالها للجولان، وقد رفع بعد ذلك من رتبة عقيد على رتبة عميد( ) ، أما بالنسبة لعبدالكريم الجندي فقد عين قائداً للمكتب الثاني (المخابرات العسكرية) ، وقام بعمليات رهيبة في تعذيب المعتقلين السياسيين وبعد انتهاء دورهم في تثبيت حكم صلاح جديد ، تخلى عنهم حلفاءهم من اتباع صلاح جديد ، ثم أبعد أحمد المير عن الجيش وعين ملحقا عسكرا في الخارج، ثم أعتقل سامي الجندي، وبذلك انتهى دورهم في الحياة السياسية في سوريا، لكن عمل نظام الرئيس حافظ الأسد فيما بعد على استقطابهم وإعادتهم إلى الحياة السياسية ، من أجل المساهمة في إحراز تقدم في الوحدة الوطنية ، والإبتعاد عن الطائفية ، فدخلوا الأجهزة الأمنية والجيش، مثلهم كثل غيرهم من أبناء الوطن السوري.

(5) الشيعة :
ظهروا بظهور الخلاف بين الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) ، وبين معاوية بن أبي سفيان في القرن السابع الميلادي، حيث قالوا بوجوب إمامة الإمام علي بن أبي طالب وأولاده من بعده، وأن ذلك منصوص عليه في القرآن والسنة، وعباداتهم لا تختلف عن أهل السنة، لكن لهم بعض المناسبات الخاصة بهم التي يحتفلون بها، ويقول حولهم ماكونالد، "إن الخلاف بين السنة والشيعة خلاف غير جوهري فهو حول العبادات والمعاملات لكن العقيدة واحدة"( ), ويؤكد الباحث جولد تسيهر أن الشيعة أقرب إلى فقه الشافعية وإن الخلاف حول قضية الإمامة هو خلاف سياسي بحت لا يمت إلى العقيدة بأي صلة، وإن أصحاب الرسول محمد عليه الصلاة والسلام قد اختلفوا فيها، وحارب بعضهم بعضاً بسببها، كما يعتبرهم أحد علماء الأزهر الشريف أنهم المذهب الخامس، وهم مثل السنة يكفرون من يعتقد بتجسيم الخالق، كما أن إمامهم الإمام جعفر الصادق هو أستاذ الإمامين مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان، وقد أكد الإمام جعفر الصادق على ضرورة محاربة الحركات الهدامة التي تدعي الولاء لأهل البيت وتتقول عليهم بما ليس حق، بقوله: "لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة "( ), وينتشرون في سوريا في عدة مناطق في حمص، وحماه وحلب ودمشق حيث لهم بعض الأحياء والقرى، ويتميزون بالولاء المطلق لمجتهديهم، وعلمائهم، ويعتبرون القضاء الحكومي غير شرعي، على أساس الحكم الشرعي، يصدره مرجعهم الأعلى، وقد استقطبتهم جماعة صلاح جديد ، ولم يساهموا في الحياة السياسية أو يؤثروا عليها أو على الاستقرار السياسي فيها، لا سلباً ولا إيجاباً.
(6) اليزيدية:
يقولون بألوهية يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ومعتقداتهم مزيج من الرسالات السماوية والوثنية، ومعظمهم من الأكراد، ويمتهنون الرعي والزراعة، وينتشرون في جبال سنجار على الحدود العراقية السورية، وفي الجزيرة السورية( )، ويقدسون إبليس باعتباره أحد الآلهة السبعة عندهم، كما أن لهم كتاب مقدس هو كتاب "الجلوة لأرباب الخلوة"، وكتاب "ومصحف رش"، و كتاب " الخلوة"( ) ، ويعتبرون أن نبيهم هو عدي بن مسافر، ولهم معبد يزورونه يضم رفات، ولهم أقارب في العراق كونهم عشائر موحدة معهم، وهم أقلية صغيرة جداً، لذلك فلا تأثير لهم على الحياة السياسية أو الاستقرار السياسي في سوريا كونهم يحبون الانعزال بشكل كبير، لكن أعطتهم السلطات السورية على الدوام حقوقهم كاملة، وإن كانوا يؤيدون الحزب الكردي (البارتي).
7- النور :
ويدعون كذلك بالقرباط أو الغجر، ولغتهم شبيهة بالهندية، ويشتهروا بالبخل الشديد والتخلف والجهل ، ويضرب بهم المثل في هذه الصفات، ومنهم الفقراء ومنهم الأغنياء، ومنهم من يأكل الجيف، ويسكن أكثرهم في بيوت من الشعر أو الطين، كما يمتهنون صناعات يدوية محتقرة من عامة الشعب مثل صناعة المناخل والغرابيل والطبول والدفوف، من شعر أذناب الخيل والدواب الميت، ويعبدون الإله سيدا، وليس لهم أماكن للعبادة، كما أنهم يسكنون على أطراف بعض المدن، وعددهم قليل جداً، وتشتغل نساؤهم في أحياء الأفراح والرقص والغناء ... ولهم انتشار في كثير من دول العالم، وهم منبوذون من معظم دول العالم كونهم يفضلون التسول و أحيانا الأعمال غير الشرعية على الأعمال الأخرى، وقد منحتهم السلطات في الآونة الأخيرة الجنسية السورية وقدمت لهم جوازات سفر، وأجبرتهم على أداء خدمة العلم، رغم أن الأنظمة قبل 16 نوفمبر 1970 لم تعترف بهم كسوريين، كونهم يتمايزون عن أفراد الشعب السوري بشكل كبير( ).
(8) المسيحيون :
يقسمون إلى أربعة عشرة طائفة مذهبية ( ) ، وقد زاد عددهم في سوريا بعد الحرب العالمية الأولى إلى الضعف، بسبب الاضطهاد التركي لمهاجريهم إلى سوريا، وخاصة الأرمن واليعاقبة، والنساطرة ( )، فرأوا كل الرعاية الشعبية السورية، وقد أدت الوحدة مع مصر إلى نزوح عددا كبيرا منهم من سوريا إلى لبنان فانخفضت نسبتهم من 14% إلى حوالي 9% , وكانت المذابح التي تعرضوا لها من قبل الدروز والبدو عام 1840، بسبب تدخلات خارجية أولاً، وأسباب مادية بحتة ثانياً عقب انتهاء الحملة المصرية على سوريا، كما أن اضطهاد قائد أركان الجيش العراقي بكر صدقي في عام 1933، للنساطرة والأثوريون جعلهم يهاجرون إلى سوريا، وقد شجعتهم السلطات الفرنسية على ذلك رغم أنهم من أصول سورية أصلية، من المناطق التي اغتصبتها تركيا من شمال سوريا، وقيامها بعمليات التطهير العرقي في تلك المناطق، وإن* كانوا في الماضي تحالفوا مع المغول، وأيدوا سقوط بغداد وكانت زوجة هولاكو وزوجة ابنه وزوجة حفيده منهم.
وقد رفضوا مسودة الدستور السوري عام 1950 (قبل تعديلها)، والتي كانت تدعو إلى أن دين الجمهورية السورية هو الإسلام، فعقدوا اجتماعاتهم وطالبوا بتعديل المادة التي تدعو لذلك، وقال مطران حماه ، أغناطيوس حريكة في ذلك: " إننا كثيراً ما كنا نعلن للأجنبي أن لا أقلية في البلاد إلا أقلية الخونة والمارقين، فماذا نقول لهم غداً وقد وجدوا في صلب دستورنا مادة تسجل علينا نحن النصارى أقلية؟ "( )،مما حذا بالبرلمان إلى تعديلها على الفور، حيث قرر بأن يكون دين رئيس الجمهورية هو الإسلام والفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع، وحرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية ...
ولهم تاريخ مشرف في الجهاد مع المسلمين ضد أعداد الأمة ، فاشتركوا مع صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، وفي النضال ضد الانتداب الفرنسي، وقدموا الشهداء، فكان منهم جول جمال الذي حاول تدمير إحدى البوارج الفرنسية خلال حرب السويس عام 1956، لكنه استشهد قبل وصوله إليها( )، ومنهم أنطون سعادة زعيم الحزب القومي السوري الذي دفع حياته ثمناً من أجل وحدة سوريا الطبيعية وتقويتها، وميخائيل إليان زعيم الحزب الوطني في حلب والذي ضحى بكل أمواله لأجل وحدة سوريا والعراق، ومنهم نعيم انطاكي وفارس الخوري وكثيرين غيرهم من رموز الوطنية والفداء من أجل الأمة، ويحبون الانصراف للتجارة، والأعمال الاقتصادية والمهن الحرة، وقد قاوموا تفتيت سوريا إلى دويلات عديدة، كما قاوموا فكرة إنشاء لبنان الكبير( )، أو التحالف مع أي كان لإقامة كيان مسيحي في لبنان، مؤكدين على الوحدة الوطنية مع بقية أبناء الشعب السوري، وقد ندد وجهاء الأرمن بالسلطات الفرنسية لاستخدامها أبناءهم ضد الشعب السوري، وأبرقوا إلى المفوضية الفرنسية العليا في بيروت يرجون فيها بعدم استخدام أبناءهم مع سلطات الانتداب، بسبب ما لاقوه من عطف إنساني من الشعب السوري، كما وقفوا موقفاً مشرفاً مع المسلمين ضد ضم لواء الإسكندرونة إلى تركيا، ففتحوا كنائسهم للمسلمين ليصلوا فيها بعد أن منعهم الأتراك من الصلاة في المساجد- إبان وجود اللجنة الدولية المنتدبة من عصبة الأمم خوفاً من التجمع والتظاهر أمامها، لأجل لواء الإسكندرونة-( ).
وتعتبر سوريا هي موطن المسيحية الأصلي ومنها انطلقت المسيحية لتنشر تعاليمها الدينية السمحاء( )، كما أن اللغة الآرامية هي التي تكلم بها السيد المسيح عليه السلام ، وتعتبر الآرامية هي أصل السريانية التي تفرعت عنها العبرية والعربية، كما أنهم حاربوا مع المسلمين في اليرموك، وأهم طوائفهم الـ 14 هي اليونان الأرثوذكس،و اليعاقبة، والروم الأرثوذكس ، والأرمن الكاثوليك، والأرمن الأرثوذكس، والنساطرة، و المارون .. الخ، الأقليات العرقية منهم مثل الأرمن ومدارسهم الخاصة بلغتهم الخاصة، كما أن لهم إصداراتهم الثقافية في مناطقهم، ويتركزون في حلب والقليل في دمشق( ) ، وكان يحق لهم الإنضمام إلى الأحزاب الدينية الإسلامية مثل الإخوان المسلمين والترشح باسمهم، مثل رزق الله انطاكي الذي رشح نفسه ضمن قائمة الإخوان المسلمين في حلب( ), وبسبب مساوئ حكم الوحدة، وتدني شأنهم خلالها أيدوا انقلاب عبدالكريم النحلاوي، ووقعوا على وثيقة الانفصال ، واعتبروها ثورة الوحدة الوطنية في سوريا ضد الانحراف والفساد في النظام المصري( )، وما يؤكد على الوحدة الوطنية في سوريا ضد الانحراف الإلحادي أنه في الانتخابات البرلمانية عام 1954، أعطت المناطق المسيحية في دمشق أكثر أصواتها لزعيم حزب الإخوان المسلمين الدكتور مصطفى السباعي، وصرح مطران المسيحية بذلك جهارة( )، كما أكد رئيس الوزراء فارس الخوري الذي يعتبر حفيد أقدم بروتستاتي سوري يومئذ بقوله: " يمكن تطبيق الإسلام كنظام، دون الحاجة للإعلان عن أنه إسلام، ولا يمكننا مكافحة الشيوعية، مكافحة جدية إلا بالإسلام، ولو خيرت بين الإسلام والشيوعية لاخترت الإسلام "( ), وأوصى قبل وفاته بأن تقرأ آيات من القرآن والإنجيل على جثمانه، فكانت العروبة والإيمان بها قد جعله يصل إلى أعلى المناصب في سوريا من رئاسة البرلمان عدة مرات والحكومة عدة مرات، وكذلك ابنه سهيل الخوري( )، لأنهم آمنوا بالوحدة العربية وبوحدة الشعب السوري والعربي, لذلك فالمسيحيون عامل استقرار سياسي وليس عامل عدم استقرار لأنهم من صلب النسيج السوري وركناً أساسياً من أركانها( ).
9- اليهود :
كان العرب واليهود قبل احتلال فلسطين عام 1948 يعيشون في إخاء وسلام فيما بينهم، حتى أنه كانت عندهم عادة متبعة في أنحاء سوريا هي أن الأولاد الذين يولدون في نفس اليوم يصبحون أخوة فيما بينهم بغض النظر عن ديانتهم( )، وقد شاركوا في النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي مع بقية فئات الشعب السوري ، ويؤمن العرب واليهود أنهم من أصول سامية واحدة وأن جدهم الأكبر هو إبراهيم الخليل، وقد رفض يهود سوريا التسلط الصهيوني عام 1948، وتبرع يهود المغرب بدمائهم لصالح جرحى حرب1967 من العرب( )، وكان لهم ممثل واحد في البرلمان عن دمشق، وآخر عن حلب، عام 1947، وقد حصل يوسف لينادو عام 1936 على أعلى الأصوات في دمشق( )، ويتميزون عن بقية شعوب العالم بأنهم لا يذوبون أو ينصهرون مع أي مجتمع، ففي المجتمع الأمريكي على سبيل المثال ذابت كل القوميات إلا قوميتهم، لأن القومية والدين عندهم شيئاً واحداً ، وفي ذلك يقول ديفيد غوريون : " إن اليهودي يختلف عن الآخرين ، في أنه قد يكون ملحداً ولكنه يظل مع ذلك يهودياً"( ), ويتوزعون في سوريا على عدة طوائف هي( الحخاميون ، القراؤون، السامريون) ( ) وقد انتشر بينهم حزب شهود يهوه ( ) ،لكن بعد مجيء الصهاينة من أوربا عملوا على قطع صلات الأخوة بين العرب واليهود، كما ساهمت جهات خارجية في تشويه اللحمة الوطنية بينهم وبين العرب من خلال بعض الأعمال الإرهابية ( ) ضدهم في دمشق وحلب من خلال منظمة الفداء العربي التي تمولها السعودية ومصر ، لكن وقف رجال دينهم موقفاً مشرفاً عندما أيدوا الحكومة ورجالاتها واعتبروا هذه الأعمال ضدهم لا علاقة للشعب السوري فيها.

• العشائرية
كانت العشائر في سوريا تشكل ربع السكان، وقد خصهم الدستور السوري علم 1928 بمادة للعناية بأمورهم هي المادة رقم 13 التي تقول: " تقوم بشؤون العشائر البدوية إدارة خاصة تحدد وظائفها بقانون يراعي حالتهم الخصوصية" ( )والمقصود بهؤلاء العشائر هم الرحل، الذين عملت الدولة العثمانية من خلال إجراءاتها التنظيمية على الحيلولة دون توطينهم قبل الاستقلال عنها، كما أن معظم أرياف الشعب السوري هم عبارة عن عشائر لكنها غير متنقلة( )، فهناك عشائر العلويين، وعشائر الدروز، وعشائر الأكراد .... الخ، لكن تقل الروح العشائرية في المدن خاصة دمشق وحلب وظلت العشائر البدوية بعد الاستقلال لا تخضع للقوانين المدنية والجزائية التي يسري مفعولها على بقية أبناء الشعب، وكان رؤساء عشائرهم يتفقون فيما بينهم على اختيار نوابهم واقتسام مقاعدهم في البرلمان( )، وكانوا هم يفرضون الضرائب على أفراد عشائرهم، ويمتلكون الأراضي الشاسعة، ولم يخضعوا أفراد قبائلهم لقانون التجنيد الإجباري العام، رغم أن الدولة قد وطنت معظمهم بعد حين من الاستقلال، لكن ظلت الدولة تسمح لهم بامتلاك جميع أنواع الأسلحة دون ترخيص، مما أدى للكثير من الحروب والغزوات فيما بينهم، وقد طلب أكرم الحوراني في البرلمان بضرورة إلغاء هذا القانون وذلك بعد سقوط الشيشكلي، ثم أصدر الرئيس جمال عبدالناصر في 22 فبراير 1959 قانوناً ألغى فيه هذا القانون، مما أدى إلى استياء رؤساء العشائر منه، وهذا مما دفعهم لتأييد انقلاب عبدالكريم النحلاوي عام 1961، وكانت قبل ذلك قد اندلعت عدة حروب بين عدة عشائر مثل حرب بين عشيرتي الحسنة ونعيم عام 1946، وبسبب قانون العشائر قتل طراد الملحم شيخ الحسنة، بعد أن حاول الاعتداء على أكرم الحوراني في البرلمان حيث شهر مسدسه ضده في جلسة 10 يناير 1946، ورغم أن الروح العشائرية في المعاملات التجارية بين أبناء دمشق وباقي المدن، كونها تتمسك بالتقاليد، والشعائر الدينية، إلا أن ذلك لم يؤثر على عدم الاستقرار السياسي فيها، بخلاف الوضع بالنسبة لعشائرية صلاح جديد ، فكان الخلاف ( ) بين صلاح جديد وحافظ الأسد من أسبابه أن حافظ الأسد كان يرفض العشائرية أما صلاح جديد فكان يبدي أتباعه من قبيلة الحدادين، فعمل على تقريب خاصته، مما حذا باللواء حافظ الأسد بعد حرب 1967 باعتباره وزيراً للدفاع، على القيام بجملة تنقلات أهمها نقل شقيق صلاح جديد وهو عزت جديد من قيادة اللواء السبعين المدرع والمرابط في قطنا قرب دمشق، ثم عمل على إبعاد مؤيدي صلاح جديد وأهمهم عبدالكريم الجندي، ثم أبعد أحمد المير، مما حذا بصلاح جديد أن يقوم بتشكيل قوة الصاعقة لإضعاف قوة حافظ الأسد العسكرية وظل مسيطراً على المكتب الثاني ، مما حذا باللواء حافظ الأسد إلى القيام بالحركة التصحيحية في 16 نوفمبر 1970 ومن ثم التقليل من العشائرية في الجيش( ).
الإقليمية :
إن الإقليمية في سوريا كانت لها تأثير كبير على عدم الاستقرار في سوريا ، خاصة ممن امتهن السياسة وجعلها سلماً وطريقاً لوصوله إلى الحكم، فكان يعتمد على إقليمه أو مدينته، لأنه يرى فيها السند الذي يعتمد عليه، وقد يكون بعضهم يفضل الإقليمية بغض النظر عن الدين أو الطائفية كما فعل الحوراني الذي كان يعتمد على أتباعه في القرى المحيطة في حماه، وخاصة الأقليات الدينية ( )، كما عمل الحوراني على إسقاط الحكومات والأنظمة من خلال الانقلابات التي خطط لها أو أيدها، وتشمل معظم الانقلابات العسكرية، وكانت إستراتيجيته في ذلك هو اعتماده الأساسي على الجيش، وبسبب هذه التدخلات الإقليمية للحوراني وجماعته من ضباط حماه بالذات مثل الشيشكلي، وعبدالحميد السراج، وخليل كلاس وبهيج كلاس، ونخلة كلاس، وعبدالغني قنوت، ومصطفى حمدون، وعدنان حمدون، وعبدالكريم زهور، وزياد الحريري، ومحمد الصوفي وغيرهم، ممن ساهموا في الانقلابات السورية أو في إسقاط الحكومات والوقوف في وجه الأكثرية من حزب الشعب أو الوطني، وخاصة في موضوع الوحدة العربية، كون الحوراني ومؤيديه يتسمون بالإقليمية وهذا ما أكده الرئيس أمين الحافظ في برنامج شاهد على العصر الذي تبثه قناة الجزيرة، كل ذلك دعى أحد أعضاء حزب الشعب، للقول في البرلمان: " لقد أصبحت حياتنا جحيماً لا يطاق، إن لدي اقتراحاً يخلصنا مما نحن فيه، هو أن نمنح مدينة حماه، استقلالاً ذاتياً كإمارة موناكو أو اللوكسومبورغ".
كما أن خيانة عبدالكريم زهر الدين – الذي جعله قائد الانقلاب عبدالكريم النحلاوي عام 1961، قائداً للأركان – لعبد الكريم النحلاوي في مؤتمر حمص عام 1962 واتفاقه مع المعارضة ضده، مما أدى لنقله للخارجية وتسفيره للخارج، وهذا جعل الضباط الشوام لا يتحركوا إبان انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963 كون عبدالكريم النحلاوي من دمشق ( ) ، كما أن عصيان دمشق عام 1962 بقيادة العقيد محمود عودة كان ضد تسفير النحلاوي( )، أيضاً كان انقلاب صلاح جديد في 23 فبراير 1966 مؤثراً عند سكان حلب بالدرجة الأولى( )، وكذلك الموالين لأمين الحافظ في غرب سوريا حيث وقعت صدامات في حلب وسيطر الموالون لأمين الحافظ على محطة الإذاعة *، كما حدثت مظاهرات في حماه، قمعها مصطفى طلاس، وأيضاً في دير الزور وقعت مواجهات بين الموالين لأمين الحافظ ومؤيدي الانقلاب الجديد.
وكان من أسباب الخلاف ** بين محمد عمران من جهة وصلاح جديد من جهة أخرى، أن محمد عمران من علويي الغاب (قضاء حماه)، أما صلاح فهو من علويي الساحل ، كما أن من أسباب الخلاف بين الحزب الوطني وحزب الشعب وهما الحزبان الرئيسيان في كل العهود الديموقراطية في سوريا، أن حزب الشعب معظمه يمثل حلب، والحزب الوطني معظمه يمثل دمشق، وقد ظهر الخلاف حول مسودة الدستور عام 1950 في المادة الخامسة منه التي تقول: " إن دمشق عاصمة الدولة على ألا يكون ذلك قطعاً"( ) ، ففسر المعارضون لحزب الشعب الذي كان على وشك توقيع الاتفاق حول الوحدة العراقية السورية، أن الهدف هو نقل العاصمة لبغداد أو لحلب في حالة الوحدة مع العراق.
وإبان عهد الوحدة تزمر الشعب السوري من استهتار الفئة الحاكمة بالقاهرة، وضعف شأنها بسبب أن العاصمة أصبحت القاهرة، لذلك قرر عبدالناصر في المراحل النهائية للوحدة أن تكون إقامته في دمشق لمدة 4 أشهر مقابل 8 أشهر في القاهرة.
كما تذمر السوريون من تسلط قيادات من النظام المصري على سوريا، فعندما نشب الصراع بين وزير الداخلية عبدالحميد السراج وهو سوري، وبين عبدالحكيم عامر (وهو مصري) حيث عينه عبدالناصر حاكماً على سوريا نيابة عنه، لذلك وقف جميع الضباط السوريين وأعضاء الاتحاد القومي والنقابات في سوريا إلى جانب السراج( )، وجرت محاولات للتظاهر والإضراب، مما حذا بعبدالناصر إلى إنهاء دور السراج في سوريا كوزير للداخلية ورئيس للاتحاد القومي في سوريا، وعمل على إدماج الاتحاد القومي السوري بالمصري، ودمج المخابرات السورية مع المصرية تحت رئاسة وزير الداخلية المصري عباس رضوان، ثم عمل عبدالحكيم عامر على تسريح ونقل مؤيدي السراج الذي عينه عبدالناصر نائباً له مما حذا بالسراج إلى الاستقالة في 22 سبتمبر 1961 احتجاجاً على إجراءات عبدالحكيم عامر بحق مؤيديه، كما انزعج الحوراني ، وصلاح البيطار من جعل عبدالحكيم عامر حاكماً عاماً لسوريا، مما حذا بهم وبالوزراء السوريين إلى الاستقالة( )، وفي ذلك يقول عبدالناصر حول فشل الوحدة : ، " إن الخطأ في الوحدة هو استغلال الإقليمية، وظهر استغلال الإقليمية أول ما ظهر من بعث سوريا "( ).
لكن تجدر الإشارة هنا إلى القول إن بعض الضباط المصريين كانوا إقليميين إلى أبعد مدى، ولم يكن وجودهم في سوريا سوى وجود استغلالي كما أنهم أصبحوا وكأنهم حكاماً لسوريا على غرار الاستعمار، ولم ينتهي الأمر عند إقليمية السوريين فيما بينهم أو بين السوريين والمصريين إبان الوحدة، بل تعدى ذلك إلى النازحين الفلسطينيين الذين جاءوا سوريا بعد عام 1948، حيث رأوا في الوحدة مع مصر أفضلية لهم في الوقوع تحت حكم السوريين، لذلك آثروا معاداة انقلاب عبدالكريم النحلاوي والمناداة بعودة الوحدة مع مصر، بالرغم مما فيها من إجحاف ومساوئ على الشعب السوري، لذلك فقد اشتركوا في انقلاب 8 مارس 1963 من خلال ضباطهم في الجيش السوري، كما شاركوا في المظاهرات المؤيدة للوحدة مع مصر، وكان بعضهم من مؤيدي صلاح جديد.
ورغم ذلك كله تبقى الديمقراطية أهم عامل للقضاء على الإقليمية من خلال توزيع المقاعد على الأقاليم في البرلمان، إضافة لتوزيع المناصب بدون استبعاد رجال أي إقليم كونهم أصحاب أرض واحدة ووطن واحد وشعب واحد، ويبقى العدو الرئيسي لهم هو التخلف كما ذكر سابقاً والذي يفرز كل المساوئ ويفتت الوطن والشعب.
2- العوامل الشخصية وخصوصية الشعب :
1- العوامل الشخصية :
إن للعوامل الشخصية تأثيراً كبيراً على الاستقرار السياسي، لأن الروابط الشخصية تساهم في عدم وجود كفاءات قادرة على تطور المجتمع في جميع المجالات، وخاصة في المجال السياسي، وكان لهذه العوامل تأثيراً كبيراً على عدم الاستقرار السياسي في سوريا منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1943، وهي ما تزال ماثلة حتى تاريخ كتابة هذه السطور، فعندما كلف جميل مردم بك في 28 ديسمبر 1948 في تشكيل حكومة، استبعد خالد العظم وميخائيل إليان، من الحكم مما أثارهما فعملا لحجب الثقة عن الحكومة، واستعمال الصحف ضد هذه الحكومة( )، كما أن اعتماد جميل مردم بك في حكومته على أشخاص من غير ذوي الكفاءات الكاملة أسخط النواب في البرلمان، فغاب عن يمين الرئاسة لشكري القوتلي عام 1947، -إضافة لكسب ثقتها في البرلمان-، 48 نائب دون إخطار سابق، وكان أبرز الغائبين زعيم حزب الشعب رشدي الكيخيا، وعضو الحزب القومي السوري وحزب الشباب أكرم الحوراني، مما كان لذلك أثراً سيئاً على شرعية النظام.
كما كان ارتباط الرئيس شكري القوتلي بعلاقات تجارية مع أسرة آل سعود في المملكة العربية السعودية، حيث كان آل القوتلي يعملون كوكلاء تجاريين لهم في دمشق، لذلك كان شكري القوتلي مؤيداً لنهج آل سعود والتقارب معهم وتفضيلهم على التقارب مع العراق، كما ساعد في دعم الحكومة السعودية بتجنيده لمساعدين للملك عبدالعزيز مثل يوسف ياسين الذي تولى منصب مستشار الملك للشؤون الخارجية( )، وهذا أثار حزب الشعب المؤيد للتقارب مع العراق، وساهم في انقلاب حسني الزعيم، وتأييد سامي الحناوي لحسني الزعيم في انقلابه، وقد استغل هذا الوضع أكرم الحوراني الذي كان والده أيام الحكم العثماني من كبار الملاك، حيث فشل في الترشح للبرلمان العثماني، بسبب عدم مساندة وجهاء حماه له في ذلك، وقد بدد ثروته كلها أحد أعمام أكرم الحوراني( ) ، لذلك عمل الحوراني على تشكيل عصابة مسلحة من قطاع الطرق، وأخذ يحث الفلاحين على ملاك الأراضي وحرق محاصيلهم ورفض العمل، حتى أن أحد الملاك قال عنه: " لو كان في مقدوره أن يشرب دمائنا ويأكل لحومنا لفعل ذلك" ولم يتوقف حقد الحوراني على الملاك في الشارع بل تعداه إلى البرلمان، فكان يقاطع النائب في البرلمان عبدالرحمن العظم عندما يتكلم في البرلمان، وينتقد جميع آرائه بكل عصبية ، كما حدث في جلسة 7 فبراير 1949( )، كما أنه بسبب حقده على شكري القوتلي أخذ يحرض ضباط الجيش على شكري القوتلي والإساءة إليه، حيث أكد الرئيس شكري ذلك( )، ولم يكن رفض الحوراني اغتيال الرئيس أديب الشيشكلي الذي اتخذه قادة البعث عام 1953، سوى لتخوفه من عمليات انتقامية قد تتعرض لها عائلته في حماه، إضافة لتخوفه من سيطرة قائد المكتب الثاني إبراهيم الحسيني على الرئاسة( )، وهو على عداء مع الحوراني، وكان عداء الحوراني للوحدة بين سوريا والعراق، أنه كان يكره العائلة الهاشمية منذ صغره وخاصة الملك فيصل الأول بالدرجة الأولى، رغم أن الشعب السوري كله كان مع الملك فيصل، حتى أنه حين وفاته أطفأت جميع المدن السورية أنوارها حزناً عليه( )، وتعدى ذلك إلى حقده على جميع المسؤولين الوطنيين والعمل لإثارة المشاكل التافهة ليحط من مكانتهم دون أدنى أدب أو تهذيب أو لباقة( )، وللوصول للسلطة عمل على تشجيع أقربائه في المدرسة العسكرية، حتى يتخرجوا فيما بعد ويكونوا طوع بنانه، فكان منهم عدنان حمدون ومصطفى حمدون، وزياد الحريري حتى أن الشيشكلي كان قريبه( )، وهذا ما يفسر تأثيره على معظم الانقلابات في سوريا، أو تأثيره في إسقاط الحكومات بتأثير الجيش ورغم مناداته بالإصلاح الزراعي والعدالة الاجتماعية ، إلا أنه استغل وضعه مع قريبه أديب الشيشكلي، وأصبح أقاربه يغتصبون أراضي الغير ويسجلونها بأسمائهم كما فعل أخوه واصل الحوراني( )، وقد ورد ذلك عام 1951 للبرلمان، إلا أن البرلمان أحال الشكوى إلى دائرة التفتيش العامة، بسبب تسلط الحوراني على الجيش، وبسبب اشتراك الحوراني بانقلاب حسني الزعيم فهو الذي كتب البيان الأول للانقلاب، وأصبح الحوراني مستشاره الخاص، وأصبح أصدقاء الحوراني وهما أديب الشيشكلي الذي أصبح مديراً للشرطة والأمن العام، كما أصبح بهيج كلاس نائباً لحسني الزعيم( )، وحتى منتصف الخمسينات كانت نساء سوريا لا يبالين بالانتخابات البرلمانية كثيراً، مما حذا بالحوراني إلى بعث زوجته الدمشقية نزيهة الحمصي، للعمل على الاستفادة من الأصوات النسائية في دمشق لصالح صلاح البيطار وهو مرشح حزب البعث، وبالفعل نجح بسبب ذلك( )، وعقب تولي شكري القوتلي لمقاليد الحكم وفق انتخابات 1954، استاء الحوراني من ذلك، لذلك عمل على تدخل الجيش في الحكم تمهيداً لإسقاطه، وبالفعل كان تآمره مع عفيف البرزي في انقلاب 1958، وفرض الوحدة بين سوريا ومصر لصالح النظام المصري( )، وعمل إبان الوحدة على تنفيذ الإصلاح الزراعي بواسطة قريبه مصطفى حمدون *الذي عين وزيراً للإصلاح الزراعي فقام بعمليات عدائية تمثل دوافع الحقد والانتقام من أعداء الحوراني وهم ملاك الأراضي في سوريا ، كما اقترح على الرئيس عبدالناصر أن يكون مصطفى حمدون قائداً للجيش الأول، خاصة أن عبدالحميد السراج كان حليفه ومؤيداً له، وبذلك يتاح له حكم سوريا، كما أنه كان عالماً بموعد انقلاب 8 مارس 1963 من خلال قريبه زياد الحريري( )، وبسبب أن قادة الانقلاب لم يعطوه أي مجال للحكم فقد عادى الحكم فعمل أمين الحافظ على سجنه حتى أواخر 1965( ) ، وبسبب حقده على الرئيس أمين الحافظ، لم يقف في وجه الانقلاب الطائفي في فبراير 1966، حيث كان قد بعث له صلاح جديد من خلال موفده الضابط الفلسطيني مجاهد سمعان عند خروجه من السجن للاستماع لنصائحه حول انقلاب عسكري يطيح بأمين الحافظ ، ورغم ما لهذا الانقلاب من خطورة طائفية إلا أن الحوراني، لم يحذر الرئيس أمين الحافظ من ذلك الانقلاب.
ولم يقتصر الأمر على الحوراني في إثارة عدم الاستقرار في سوريا بل تعداه إلى بعض وجوه السياسة الآخرين كون الزعامات في سوريا محلية وليست قطرية، فلا يتقيد الحاكم أو الزعيم بحزبه بقدر تقيده بمنطقته ومعارفه( )، ورغم ذلك فإن أي وزير أو مسؤول قبل انقلاب مارس 1963 كان يتصف بالعلم الغزير والثقافة العالية والأمانة والاستقامة ماعدا الشواذ أمثال الحوراني ومصطفى حمدون وغيرهم ممن كانوا يؤثرون مصلحتهم الشخصية على مصلحة الوطن، فقد استقال في 8 مارس 1949 وزير الداخلية عادل العظمة بسبب عدم مصادقة البرلمان على توحيد قوى الأمن حتى يستطيع التحرك من خلالها، مما حذا بأخيه نبيه العظمة إلى الاستقالة من رئاسة الحزب الوطني( )، كما كان إهمال رئيس الحكومة خالد العظم عام 1949 لقائد الأركان حسني الزعيم واحتقاره له، خاصة عندما كان يزوره في مكتبه، فيجعله ينتظر طويلاً كأي مواطن آخر، مما كان يؤثر على نفسية حسني الزعيم( )، وقد أيد عدنان المالكي انقلاب حسني الزعيم ، وسعى لعدم مجيء شكري القوتلي قبل مقتله عام 1954( )، بسبب أنه كان يكره شكري القوتلي لمسائل شخصية تتعلق بخلافات على أرض زراعية في ضواحي دمشق، حيث كانت مزرعة الرئيس شكري القوتلي بجوار مزرعة عائلة المالكي، ولم يكن مقتل المالكي نفسه، إلا بسبب عامل آخر وهو خلافه مع اللواء ( ) شوكت شقير الذي كان قائداً للأركان وكان المالكي نائبه ، ويتخوف من عدنان المالكي كونه القائد الحقيقي للجيش وكله يأتمر بأمره، فكان مقتله عام 1954 ذو فائدة لشوكت شقير الذي قد يكون له يد في ذلك، خاصة أن شقير كان على علاقة طيبة بالسفير المصري محمود رياض، باعتبار أن النظام المصري كان يرغب في عودة شكري القوتلي إلى السلطة كونه ضد فكرة الهلال الخصيب، وكان المالكي العقبة الرئيسية لتحقيق ذلك( )، وخاصة أن قادة البعث من الحواراني والبيطار وغيرهم كانوا على علاقة طيبة مع السفير المصري أيضاً وكانوا يعادون الوحدة مع العراق أو التقارب معه، لذلك فإن مقتل المالكي ذي فائدة لهم لأن المالكي عمل على تعيين ضباط مناهضين للبعث في الأركان مثل أحمد عبدالكريم وأمين النفوري، وشكل مجلس قيادة الثورة على الطراز المصري ليستأصل العناصر الغير موالية له( )، بسبب أنه اعتبر أن البعث مسؤول عن فشل أخوه رياض المالكي في انتخابات 1954، وكان من العناصر الغير موالية له والتي نقلها من الجيش غسان جديد - بسبب تكوينه تكتل طائفي نصيري في الجيش-، وتهديده لزعيم الحزب القومي السوري جورج عبدالمسيح بتسليمه للحكومة اللبنانية، التي حكمت عليه بالإعدام، وكان خلافه مع جورج عبدالمسيح أن أعضاء حزبه في الجيش كانوا يقتادون بأمره ويحترمونه أكثر من غيره مثل عدنان المالكي، كون جورج عبدالمسيح هو زعماً للحزب القومي السوري، فرأى عدنان المالكي أن ذلك يسيء للضباط في الجيش، كما أنه بعد مقتل المالكي تقسم الجيش إلى حوالي 20 فئة، وهذا ما كان له فائدة لمصر، حيث أصبحت العداوات الشخصية في أوجها بين زعماء الفئات المتناحرة في الجيش التي تشكلت بعد مقتل المالكي، حيث أصبح الجيش مجموعة أجنحة متصارعة، كل منها تخشى الأخرى أكثر مما تخشى العدو الخارجي، مما أضعف الجيش الرسمي إلى حد أن كل وحدة فيه كانت تتصرف كجيش مستقل( )، وهذا ما حذا بمعظم رؤساء هذه الكتل إلى تأييد عفيف البرزي في الذهاب لمصر وفرض الوحدة بقوة الجيش ، بدون أية شروط أو مشاورات مع السياسيين حول هذه الرحلة.
أيضاً عقب انقلاب حسني الزعيم استدان أحد التجار مبلغ نصف مليون ليرة، وهو وهبة الحريري، الذي وصلت ديونه إلى 6 ملايين ليرة للدولة، فكان بحاجة لحل البرلمان باعتباره بحاجة لحكومة تكفله وتساعده دون رقيب أو حسيب، وكان على علاقة بنذير فنصة( )، وكان هذا المبلغ قد أخذ سلفة من وزارة الدفاع وفي ظل حكم الزعيم عمل رئيس وزرائه محسن البرازي على إقصاء الحوراني من موضعه كمستشار للزعيم، بسبب العداوة بين الحوراني وآل البرازي في حماه، مما أثار الحوراني( )، أيضاً عمل على نقل أسعد طلس وهو عديل لسامي الحناوي، من منصبه كأمين عام لوزارة الخارجية، مما أثار الزعيم سامي الحناوي من هذا العمل، وكان لذلك أثراً كبيراً على انقلاب سامي الحناوي فيما بعد( )، لكن بعد الانقلاب الأول لأديب الشيشكلي ضد سامي الحناوي عمل على قتل سامي الحناوي عن طريق أحد أقارب رئيس الوزراء الذي أعدمه سامي الحناوي، لأن الشيشكلي كان قريب لعائلة البرازي( )، وكان لشخصية الرئيس أديب الشيشكلي دوراً في استجابته لإنذار المعارضة ضده كونه كان يكره سفك الدماء، وتخوفه من انقسام الجيش الذي بناه على أحسن طراز، وتفضيله الخروج حياً من الحكم ويستفيد مما جمعه من أموال على أن يقامر بحياته( )، لكن بعد ذلك اغتاله في البرازيل -حيث هاجر لهناك- أحد الدروز وهو نواف غزالة بسبب خلافات شخصية معه، وقال في المحكمة أنه اغتاله انتقاماً لضرب جبل الدروز، حتى يخفف عنه الحكم( )، لكن قام ابن أديب الشيشكلي وهو خالد الشيشكلي بقتل نواف غزالة في سوق الحمدية في دمشق، رغم أن قائد الأركان في عهد الرئيس أديب الشيشكلي شوكت شقير وهو درزي من لبنان، هو الذي حذره من أن هناك تمرد سيقوم به جبل الدروز وسيعم أنحاء البلاد، قبل عدة أشهر من ذلك التمرد( )، وعندما حمل البرلمان السوري -بعد حرب فلسطين-وزير الدفاع السوري أحمد الشرباتي بسبب الأداء الضعيف للجيش السوري في هذه الحرب، فاشتبك أحمد الشرباتي مع أحد نواب البرلمان، وكان ذلك الشجار سبباً في سقوط حكومة جميل مردم بك عام 1948( )، أيضاً كان الخلاف الشخصي بين عبدالحكيم عامر وعبدالحميد السراج في سوريا، حيث كان عبدالحكيم عامر مقرباً من عبدالناصر، وبسبب ذلك نقله السراج من سوريا إلى مصر، وجعله نائباً له، مما حذا بعبدالحكيم عامر إلى تصفية جماعة السراج في سوريا، فاستاء السراج من ذلك واستقال من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية وذهب إلى سوريا، لينتقم من عبدالحكيم عامر من خلال انقلاب يطيح بالوحدة ( ) ، وبعد انقلاب 18 يوليو 1963 ظهر الخلاف( ) بين وزير الدفاع محمد عمران وقائد الأركان صلاح جديد الذي عمل على السيطرة على الجيش من خلال مؤيديه في الجيش، فعين المقدم أحمد المير قائداً للواء السبعين والمقدم عبدالكريم الجندي آمراً لسلاح الإشارة فتذمر محمد عمران من ذلك، واستقال من وزارة الدفاع ومن منصب نائب رئيس الوزراء، ونقل إلى الخارج كملحق عسكري، مما حذا بصلاح جديد إلى تصفية جماعته، مستغلاً وجوده في الخارج.
وفي أعقاب انقلاب النحلاوي عام 1961 ظهرت الخلافات الشخصية بين قادة الانقلاب وكلهم من دمشق، مما مهد لتفكك الجيش وانقسامه، وإثارة عدم الاستقرار الحكومي، مما مهد لانقلاب 8 مارس 1963( )، وبعد هذا الانقلاب أخذ صلاح جديد يعمل من أجل انقلابه الطائفي( ) ، من خلال سماته الشخصية التي تتسم بالانتهازية واستغلال وتسعير الفتن والحقد واللؤم، وكرهه لجميع من ليس من طائفته، ونفاقه، لكنه كان يستعمل التقية في معاملاته مع الآخرين، ثم عمل على استغلال القوى المدنية والعسكرية والطائفية، لكسب ثقة الرئيس أمين الحافظ، كما عمل من وراء الستار على تعيين كل أقاربه في الجيش والوظائف المدنية المهمة، وقد ساهمت كل الإذاعات الغربية بالتستر عليه وتجنيبه مسؤولية الأزمات، في سوريا، حيث أن حملاتهم على نظام أمين الحافظ لم تكن تتناوله، مع أنه كان المسؤول الأول عن وجود الطائفية في سوريا، باعتماده عليها وتنظيمها بين أبناء طائفته ، وجعلهم يشكلون جمعيات طائفية على أساسها، رغم تستره بالماركسية ستاراً لطائفيته، مما جعل بقية الطوائف في سوريا تنفر منه، وعندما نبهه رئيس الوزراء السوري سامي الجندي على خطورة ذلك على الوطن والطائفة نفسها، فأجابه صلاح جديد، "لو فعلنا لسحقنا المشايخ " ، وبعد انقلابه في فبراير 1966، عمل على توريط مصر بحرب يونيو 1967 كونه كان يكره الرئيس عبدالناصر ويعتبره مسؤولاً عن قتل أخيه غسان جديد، وقبل ذلك كان قد عمل على إفشال برنامج الوحدة مع مصر والعراق فيما عرف بالوحدة الثلاثية، ثم عمل بعد ذلك على إفشال الوحدة العراقية السورية.
مما سبق يتبين أن العوامل الشخصية كان لها تأثيرها الكبير على وجود عدم الاستقرار السياسي في سوريا خلال مدة الدراسة، لكن يرى البعض أن هذه العوامل قلت بعد انقلاب حافظ الأسد في 16 نوفمبر 1970 حيث أبعد معظم أقارب صلاح جديد في الجيش وقل انتشار المحسوبية والمحابات في العلاقات الاجتماعية بشكل كبير( ).

خصوصية الشعب السوري :
تعتبر دمشق أول مدينة في التاريخ، وأكثر بقاع الأرض عامرة بالأحداث( ) ، فهي بوابة العالم ومفتاحه، وتتميز بأنها استطاعت على الدوام استيعاب جميع الفاتحين وطبعهم بطابعها وأعطت الإمبراطورية الرومانية الكثير من الأباطرة مثل فيليب العربي وكاراكلا، وكان أول مشرع في التاريخ هو حمورابي التي كانت دمشق أهم حواضره، وفيها تأسس القانون الروماني، وكانت أول كتابة في التاريخ هي أبجدية أوغاربت، وكان العرب الساميون من عموريون وكنعانيون وكلدان وبابليون وأشوريون وأراميون وعبرانيون، قد أقاموا فيها حضارات عظيمة، كما أقاموا بعض الدول في ظل الدولة الفارسية والرومانية مثل تدمر والبتراء والحيرة، وكانت منازل لآل غسان في الشرق وآل المنذر اللخميون في الغرب، ولم يصبح الإسلام في أوج عظمته إلا حينما حملت دمشق رايته، وتاريخ قرطاجة القديم دليلاً على رفعة حضارتها الغابرة، فهم وصلوا إلى العالم الجديد منذ القرن التاسع قبل الميلاد( )، وكانت هي أساس حضارة الأندلس التي اعتمد كولومبس على خرائطها في الوصول إلى العالم الجديد، وما كان لامبراطوريتي البرتغال وأسبانيا أن تقوما في القرن الخامس عشر لولا حضارة الأندلس التي ورثوها بعد سقوط غرناطة 1492، وما أحرقوه من كتب فيها تزيد عن المليون كتاب( ) ، شاهد على تقدمها وازدهارها، وما كان لحضارة الغرب أن تقوم لولا أنها اعتمدت على الكتب العربية، والكفاءات العلمية من اليهود الذين نهلوا من علوم الأندلس وكان عصرهم الذهبي فيها، وظلت دمشق قلب العروبة النابض من المحيط إلى الخليج، فكانت في العصر الحديث موئلاً لكل أحرار العرب، مثل علال الفاسي، وأحمد بلفريح والأمير عبدالقادر الجزائري، والحبيب بورقيبة، وأحمد الشرف ، ونالوا كل ترحيب شعبي ورسمي وكل دعم لهم، قبل أن تستقل بلدانهم، وظلت دمشق مؤثراً حقيقاً يتأثر العرب بكل ما جاء منها، كونهم يرون فيها صدى الأصالة وأرستقراطية الفكر، وما كان لفكرة القومية العربية أي شأن إلا حينما حملت دمشق رايتها، لكنها رفضت على الدوام قبول البعث وتحول رفضها إلى استحالة استمراره على الدوام.
هذا التاريخ الحافل لدمشق ظل يراود مخيلتها على الدوام، وظلت مقر آمال العرب ومركز سوريا الطبيعية، وظل مجتمعها يمثل المثل العليا بسائر المجتمعات التي حولها، وظلت تحتفظ بتراثها الشرقي مما جعلها نبراساً لسائر الوطن العربي، وظل شعبها يفضل الموت على أن يعيش ذليلاً، فهو الذي جعل الملك فيصل الأول يرضخ لرغبة الشعب في إعلان الحرب على الفرنسيين رغم استحالة النصر، حيث قال الملك فيصل في ذلك : " أنا أفضل الموت جندياً شريفاً على اعتلاء العرش ذليلاً" ( ) فظلت ترفض حدود سايكس بيكو وكل ما جرى عليها من تعديلات، وعمل سياسيوها على الدوام للتأكيد على وحدة سوريا الطبيعية، فكان هذا الهدف هو أساس نضالها ضد الانتداب، لذلك عمل الكثير منهم من أجل مشروع الهلال الخصيب أو سوريا الكبرى ( ) ، لكن ظهر من بينهم اتجاه لا واقعي تمثل في الهروب إلى الأمام من خلال برنامج مثالي طوباوي غير منطقي يطالب بوحدة الأقطار العربية كافة، بدون المرور بأي مرحلة جزئية، إضافة إلى عدم تحديده لأي إستراتيجية لتحقيق هذا الهدف، كما عمل ذلك بسمارك عندما وحد ألمانيا، أو كما عمل غاليباردي عندما وحد إيطاليا، لكن ظلت سوريا على الدوام تعتبر أن ما سلخ منها من زاغوس إلى طوروس وغيرها من المناطق التي سلختها تركيا أو إيران، أو ما انفصل عنها مكوناً دولاً جزئية، لم تعترف بها، وظلت تدرج لواء الإسكندرونة ضمن حدودها وتطالب بالأجزاء الأخرى( )، وهذا ما سبب لسوريا الكثير من المشاكل الداخلية فيها وساهم في عدم استقرارها السياسي بسبب مطالبة الشعب على الدوام بضرورة استعاده الأجزاء المسلوخة منها ( )، وتحقيق وحدتها الطبيعية، أو وحدة الوطن العربي ككل، وقد تأثر الشعب السوري بالبرلمانية، التي لم تكن وليدة استقلال سوريا عن الدولة العثمانية، وإنما كان لهم مندوباً في البرلمان العثماني الذي تشكل منذ عام 1908، كما أنهم في العهد الفيصلي شكلوا نظام برلماني على الطريقة الأمريكية، وكان أول دستور لسوريا بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية عام 1920( )، وعرفت سوريا الانتخابات البرلمانية منذ عام 1936، لذلك كانت سوريا ترفض الديكتاتوريات العسكرية على الدوام وتعمل لإسقاطها بكل السبل، ولم تعترف على الإطلاق بالمجالس التي يقيمها العسكريون ولا بالأحزاب التي ينشؤوها، حتى أن البعض وصف الشعب السوري بميله إلى العنف في الصرع الداخلي، لكن تسامح الشعب مع بعضه البعض كان ينهي الخلافات ويحقن الدماء، مهما بلغت شدة التهديدات( ) ، كما أن هذا الشعب لم يعترف بكل الإشاعات التي كانت تطلقها الديكتاتوريات العسكرية، رغم ما حاولوه من إثارة الشائعات، وتجنيد العملاء، إضافة إلى ما حاولته الدول الأجنبية بهذا الصدد، لكن لابد أن ذلك كان له تأثيراً في ظل عصور التخلف والجهل التي كانت في ظل الدولة العثمانية إضافة إلى ما رسخه الانتداب الفرنسي من انقسامات في جسم المجتمع السوري، ورغم ذلك ظلت المجتمعات السورية تعتبر نفسها جزءاً من الوطن الأم( ).
وقد وصفها العديد من السياسيين في العالم ليبينوا بعض خصوصيات هذا الشعب، فقال المندوب السامي الفرنسي المسيو بيو: " إن السوريون شعب أعطى الأباطرة لروما، والآباء للكنيسة، وقدم خلفاءهم أعظم الخدمات للمسلمين، لكنهم لا يجتمعون دون تحفظ حول شخص أو عقيدة أو فكرة، فالأديان والمذاهب والطوائف، عندهم تشكل موزاييك غريبة، حيث معظم الأديان والمذاهب والطوائف موجودة فيها"( ).
ويقول الجنرال شارل ديغول: " إن سوريا أقدم البلاد التي وعاها التاريخ، وكانت بسبب شعوبها تضع العالم دائماً أمام مشاكل حساسة، وإن سوريا مؤلفة من أقاليم متميزة بعضها عن بعض، آهلة بمجموعات من السكان مختلفين جداً، بعضهم عن بعض ويمارسون ديانات مختلفة"( ). ويقول جمال عبدالناصر : " إن سوريا قلب العروبة النابض، وحاملة راية القومية العربية، والمنادية بها، وهي التي تفاعلت مع العرب على الدوام"( ) يقول المستشرق الفرنسي جاك برك : " أحبكم أيها السوريون، لأنكم كالفرنسيين ، في شطحاتكم العاطفية ونتعاتكم الخيالية "( ) .
لكن بالرغم من بعض التمايزات في هذا الشعب إلا أن هناك سمات مشتركة آمن بها الشعب السوري ككل، فآمن بالوحدة السورية وبالوحدة العراقية السورية (الهلال الخصيب) وبالوحدة العربية وبالوحدة الإسلامية، فجميع تياراتها بلا استثناء كانت مع الوحدة لذلك آمنوا بمحبة الرئيس هاشم الأتاسي الذي طالما عمل لوحدة سوريا والعراق، كما آمنوا بالرئيس ناظم القدسي كرمز وطني أصيل لهذه الوحدة أيضاً، وآمنوا برمز الوحدة الوطنية ورمز استقلال سوريا الرئيس شكري القوتلي، وأعزوا قادة الثورات السورية مثل سلطان الأطرش، وإبراهيم هنانو، وعبدالرحمن الشهبندر ، وصالح العلي وغيرهم، وقبل كل شيء آمنوا بالملك فيصل ملكاً على سوريا بأسرها، وآمنوا بالزعيم أنطون سعادة، كرمز من رموز الوحدة السورية، وآمنوا بتواضع الرؤساء الديمقراطيين أمثال شكري القوتلي وهاشم الأتاسي وناظم القدسي( )، ورفضوا دعاة الانفصال والواقفين ضد وحدتها مثل الرؤساء حسني الزعيم وأديب الشيشكلي وغيرهما، هذه الطبيعة والخصوصية لشعب سوريا جعلت المؤامرات عليه كبيرة، وهذا ما ساهم مساهمة كبيرة في عدم استقراره السياسي، مما حذا بونستون تشرشل إلى القول، " إن سوريا لا تعرف كيف تحكم نفسها ولا تدع أحداً يحكمها ".
صراع الأجيال :
إن صراع الأجيال في سوريا خلال فترة الدراسة كان له دوراً مهماً على صعيد عدم الاستقرار السياسي فيها، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك حيث أنها كانت ممتدة خلال جل فترة الدراسة، وإن كان تأثيرها خلال بعض الفترات المتفرقة من مدة الدراسة أقل من مدد أخرى، فعلى سبيل المثال كان الحوراني يطمح إلى السلطة وكانت تراوده روح الشباب والقوة فكان من مواليد 1911( )، أيضاً الشيشكلي الذي كان ميلاده عام 1910، فكان الانقلاب الأول لحسني الزعيم والذي اشتركا فيه بشكل أكبر من غيرهما، من أسبابه ميلهما إلى السلطة وتسلمها، كما أن الحوراني نفسه هو الذي أوحى لقائد الجيش سامي الحناوي في 25 نوفمبر 1949، بضرورة تسريح اللواء عبدالله عطفة من الجيش، ليمهد الطريق أمام أتباعه الذين كان يشجعهم على الدخول في المدارس العسكرية، ليكونوا تابعين له فيما بعد ويصل من خلالهم إلى السلطة، أمثال عبدالحميد السراج، ومصطفى حمدون، وعبدالغني قنوت، وعدنان حمدون، وزياد الحريري، ومحمد الصوفي، وغيرهم، وكان السراج ذو الميلاد 1925 يطمح إلى السلطة بعد اشتراكه في ثلاث انقلابات عسكرية، فسعى للتقارب مع عبدالناصر قبيل الوحدة مما جعله الحاكم المطلق على سوريا إبان الوحدة وعمره لم يكن يتجاوز الثلاثة والثلاثين سنة، وعندما تقلصت سلطته بفعل عبدالناصر واستيائه من عزل عبدالحكيم عامر لبعض أتباعه في سوريا، قرر الانتقام من خلال انقلاب يطيح بالوحدة، فكان يخطط لذلك الانقلاب لولا أن قام به المقدم عبدالكريم النحلاوي الذي كان أيضاً يطمح إلى السلطة وعمره لم يكن يتجاوز الخمسة والثلاثين سنة، كما حاول عدنان المالكي الذي كان أقوى شخصية في الجيش بعد سقوط الشيشكلي، أن يكون له دور في الحياة السياسية، فقام بانقلابه العسكري الأول ضد الشيشكلي عام 1952، ثم كان القائد الحقيقي من وراء الستار في الانقلاب ضد الشيشكلي عام 1954، وبعدها سيطر على الجيش، فكان استياء اللواء شوكت شقير الذي كان قائداً للأركان بسبب طموحات عدنان المالكي وهذا كان من أسباب مقتله إضافة إلى منافسة أقرانه في الجيش أمثال غسان جديد ومصطفى حمدون وغيرهم في الجيش، لكن باغتياله انقسم الجيش أكثر من 20 فئة بعد مقتله.
وكان الشيشكلي إبان حكمه قد عمل على تمييز الضباط الشباب فأكرمهم وأعزهم، ولم يميز فيما بينهم، فكانوا ينتمون لجميع فئات المجتمع السوري دون أدنى تمييز، فكان مجلس العقداء يضم ضابطين درزيين وآخر علوي، وآخر كردي، وأحدهم كان عربي( ) هذا مما أثار الحوراني الذي كان يواليه بعض الضباط الكبار، وهذا جعل بقية الضباط الكبار تحذره ولم تعد تثق به، بسبب ما حدث لأقرانهم من تصفيات، إضافة إلى أن إبعاده وسجنه لبعض السياسيين الكبار والذين لهم أقارب أو مؤيدين من الضباط الصغار ساهم في الانقلاب ضده، فكان معظم الضباط الذين نفذوا الانقلاب ضد الشيشكلي عام 1954، وعصيان قطنا عام 1956، ينتمون لجيل الشباب الذين أرسلوا للتدريب في الخارج إبان حكم الشيشكلي، وقفزوا بسرعة فوق سلم الرتب العسكرية وكان معظمهم من جماعة الحوراني( ).
وكان أكثر من نصف قادة الكتل العسكرية من جيل الشباب والذين أيدوا اللواء عفيف البرزي في انقلابه عام 1958 لفرض الوحدة مع مصر بقوة الجيش، وكذلك كان معظم القادة الدماشقة الذي قاموا بانقلاب عبدالكريم النحلاوي ينتمون لجبل الشباب، خاصة أن قائدهم نفسه كان في منتصف العقد الرابع من عمره، وكذلك كان معظم قادة انقلاب زياد الحريري في 8 مارس 1963 من جيل الشباب الذين تقل أعمارهم عن متوسط أعمار ضباط الجيوش النظامية الأجنبية، وكانوا متميزين بانخفاض مستواهم التعليمي عن مستوى الصفوة السياسية المدنية، التي كانت سائدة قبل ذلك( )، حيث أخذ هؤلاء الشباب يبعدون خصومهم السياسيين، معتمدين على الولاء الطائفي في تعييناتهم للآخرين، معتبرين أنفسهم أداة التغيير الاجتماعي والمدافعين عن الوطن، وهذا مما كان له آثاراً سلبية كثيرة على المجتمع والشعب، والاستقرار السياسي في سوريا، فكانت اللجنة العسكرية التي تشكلت من عدد من الشباب منهم (أحمد المير، صلاح جديد، حافظ الأسد ، عبدالكريم الجندي، حمد عبيد، صلاح الضللي، عبدالغني إبراهيم، محمد رباح الطول، محمد عمران،)، قد شكلت الجناح العسكري لحزب البعث سابقاً خلال الوحدة، وبسبب تجمعاتهم السرية إبان الوحدة تعرضوا للنقل إلى مصر، وكانوا قد وصفوا قادة البعث بالانتهازية بسبب حلهم للحزب، فكانت روح الشباب التي تراودهم عاملاً مسبباً لعدم الاستقرار ، وخاصة بعد نقلهم إلى مصر وتكليفهم بأعمال روتينية وغير مهمة عسكرياً، حتى أن بعضهم لم تكن أية وحدة عسكرية أو مسؤولية محددة، وكان تشكيلهم لهذه اللجنة على أساس أن الجيش أصبح تحت قيادة معادين للوطن، وأنه يجب توحيد موقفهم وممارسة الضغط من خلال الحوراني والبيطار ووزراء البعث الآخرين، لتعديل مسار الوحدة، وبعد الانفصال أظهروا أنفسهم على أساس أنهم الكتلة الأساسية للبعث باعتبارهم أن التنظيم المدني أصبح أقل فعالية من التنظيم العسكري، خاصة أن لهم أتباعاً في صفوف المتطوعين من صف الضباط ( ) ، يستطيعون توجيههم حسب ما يرتئون، فكانت التصفيات الكثيرة للضباط المحترفين عقب انقلاب صلاح جديد بشكل خاص عام 1966 سبباً مهماً في هزيمة يونيو 1967، وفي انخفاض أداء الجيش بشكل كبير أيضاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق